بين هموم دافنشي وواقعية سامي لالو
نمرود قاشا
Namroud_kasha@yahoo.comوادي قدرون في فلسطين، وبالتحديد جبل الزيتون فيه. شهد قبل ألفي عام حدث لا زال صداه يذكرنا يومياً بالتضحية والشهادة. هذا الحدث هو اللقاء الأخير للرب يسوع المسيح مع تلاميذه وقد دوّنه الانجيليون في بشارتهم: " ...ثم تناول كأساً، وشكر وقال: خذوا فإقتسموا بينكم، فإني اقول لكم إني لا اشرب من عصير الكرمة حتى يأتي ملكوت الله. واخذ خبزاً وشكر وكسر واعطاهم قائلاً: هذا هو جسدي الذي يبذل لأجلكم اصنعوا هذا لذكري" لوقا 22: 17 ـ 21 .
نعم بهذه الكلمات خاطب الرب يسوع المسيح تلاميذه وهو على مائدة العشاء في (علية) صهيون، هي خاتمة حياته او هكذا اراد الله ان تكون بعد ثلاثة وثلاثون عاماً من التقوى.
ان هذا الحدث التاريخي العظيم اراد الفنان الايطالي (ليوناردو دافنشي) ان يعبّر عنه بلوحة قبل خمسمائة عام، اصبحت فيما بعد من اشهر ما خطته ريشة فنان على مدار كل العصور. هذه اللوحة التي جاءت غاية في الإتقان ودقة في التعابير مع مسحة جمالية رائعة.
فعليه اصبحت لوحة العشاء الأخير والتي انجزها الفنان بعد عمل رائع استغرق سنوات ثمان لينتهي منه عام 1498 ومنذ ذلك التاريخ ولحد الآن اصبحت تلك اللوحة اروع وأبرز عمل فني عرفه العالم.
هذا العمل الأسطورة، اراد فنان اخر ان يعيد رسمه ولكن بأسلوب ورؤية وأفكار قد تختلف عن الأصل إلا من حيث الفكرة وحركة الشخوص و بمساحة تساوي خمسة اضعاف لوحة دافنشي.
الفنان الخوديدي سامي لالو انجز هذه اللوحة بطلب من رئيس دير مار بهنام الخوراسقف فرنسيس جحولا، لتزيّن احدى اكبر قاعات هذا الدير. لتكون هذه اللوحة اطروحة ثانية لتخرجه، ولكن بعد أربعون عاماً من تركه مقاعد الدراسة. ولكي نتعرف على تفاصيل هذه اللوحة ومفرداتها اجرينا مع فناننا الرائد هذا الحوار:
• نمرود: هل نستطيع ان نقول بان لوحتك هذه، هي (استنساخ) للوحة دافنشي؟
• سامي: لا ابداً.. هذه اللوحة ليست اعادة رسم لوحة دافنشي باستثناء حركة الأشخاص، اما ما عدا ذلك فتختلف في كل مفرداتها، وان جاءت مطابقة عن الأصل فقد تكون مصادفة. ثم ان هناك اختلاف جوهري في خلفية اللوحة وارضيتها مع إعادة ترتيب المواد التي جاءت على المائدة بشكل اخر مع مراعاة الفترة الزمنية للحدث.
• نمرود: إذن بهذا تريد ان تقول لم يراعي الفترة الزمنية للحدث في رسم بعض المفردات؟
• سامي: بالضبط.. فقد حاولت بقدر الإمكان إعادة بعض المفردات التي جاءت بها اللوحة الى ذلك العصر، فسقف الغرفة مثلاً جعلته من خشب مرتباً بطريقة بدائية، وبعيدة عن تدخل الآلة. وهكذا فعلت مع الأرضية حيث جعلتها من الحجر، اما خلفية اللوحة فجعلت المشاهد يستدل من ان وقت الحدث مساءً عكس لوحة دافنشي. وبنفس الأسلوب تعاملت مع منضدة الطعام وما عليها.
• نمرود: هل بالإمكان توضيح معنى بعض الدلالات التي جاءت في اللوحة والتي تختلف عن الأصل؟
• سامي: نعم، لنأخذ مثلاً قنينة الملح المسكوب على المائدة، اردت بهذا ان اعبر عن خيانة (يهوذا) لسيده بعد ان تناول معه العشاء.
• نمرود: وما قصة السيفين اللذين جاء احدهما امام القديس بطرس بينما ظهر الآخر في خلفية اللوحة!؟
• سامي: الحقيقة.. ان السيد المسيح كان يتوقع ماذا سيحصل له بعد العشاء، لهذا سأل تلاميذه عن السلاح الذي عندهم لمواجهة الحدث فقالوا: "يا رب، ان هاهنا سيفين. فقال لهم يكفي" هذه الحادثة جعلتني ادخل السيوف في اللوحة.
• نمرود: وماذا عن إناء الماء والمنشفة اللذين جعلتهما في زاوية اللوحة؟
• سامي: اردت بهذا ان اشير الى حادثة قيام السيد المسيح بغسل ارجل تلاميذه بعد العشاء حيث جعلت عدة الغسل، إناء الماء والمنشفة ثم المطهرة اسفل منضدة الطعام.
• نمرود: وماذا أضفت الى اللوحة بعد؟
• سامي: إن النعل الذي في ارجل التلاميذ اردت به ان يكون قريباً من تلك الفترة. وكذلك قطعة الخبز التي جاءت امام المسيح قسمتها الى نصفين يتوسطها خط احمر للإشارة الى التضحية، اضافة الى تعمدي الى وضع بعض النباتات ذات الطعم المر دلالة على الآم المسيح، كذلك قطع الخبز التي جاءت امام التلاميذ جعلته (فطيراً) بدون خميرة بحسب ما جاء في الإنجيل.
• نمرود: دافنشي عندما اراد رسم وجه (يهوذا) كان يخرج الى عمال الميناء المتواجدين في ارصفة مرسيليا لعله يجد وجهاً يحمل قسوة وخبثا، وبقي هكذا لعدة اشهر حتى عثر على (الموديل)، يهوذا سامي لالو كيف وجده؟..
• سامي: استطعت ان ابرز القساوة والشر والخبث في وجه هذا الإنسان (اقصد يهوذا) اضافة الى وضعية ملابس توحي بذلك.
• نمرود: واخيراً ماذا يريد ان يقول سامي لالو عن لوحته؟
• سامي: ان اللوحة رسمت على قماش خاص، تم اعداده من قبلي بطريقة خاصة توصلت اليها بعد تجربة ربع قرن في التعامل مع هذه المواد كذلك فرش الرسم ايضاً تم ترتيبها في المرسم وقد عملت اسكيجات عديدة (نماذج) لأشخاص حقيقيين كموديلات الى ان تم الأستقرار على حركة وملامح هذه الشخوص لهذا تجدها شرقية الملامح.. استعملت الزيت الايطالي وهو اجود انواع الزيوت وله القابلية على المقاومة فترة زمنية اطول.
استغرقت العمل في اللوحة (26) شهراً منذ بداية 1999 الى بداية عام 2001. وقد جاءت اللوحة بقياس 350سم × 190سم.
سامي لالو / بطاقة هوية
مواليد الحمدانية 1942.
خريج معهد الفنون الجميلة/ بغداد ب1963.
مارس التعليم لأكثر من ربع قرن.
عضو نقابة الفنانين العراقيين.
عضو جمعية التشكيليين العراقيين.
رئيس الهيئة الإدارية لمركز السريان للثقافة والفنون 2004.