رسالة المسرح وتأثيراته قديما وحديثا
كانت الانطلاقة الأولى للمسرح في العالم قد بدأت من الطقوس الدينية المتبعة آنذاك سواء كان ذلك في الحضارة الإغريقية المتجسدة بأعياد ديونيسوس أو في الحضارة البابلية القديمة المتجسدة باحتفالات السنة البابلية التي كانت تستغرق 12 يوما والتي كان لكل يوم منها احتفالاته الخاصة ،فلو تتبعنا هذه الأعياد والاحتفالات للاحظنا أن هناك طقوسا دينية تتخللها بعض المظاهر الدرامية التي يعتبر مسرحنا اليوم امتدادا لها، وحسب ما قرأناه في تأريخ المسرح عرفنا أن جذور الاستخدام الديني له تعود إلى عصور قديمة ويعتقد إن أصله وانطلاقته قديما كانت من العراق، فقد ذكر انه وجد في ارض الرافدين أولا، وهناك إشارة إلى أن البدايات الحديثة للمسرح بدأت أيضا من مدينة الموصل حيث كان المؤلف( حنا حبش) رائدا للمسرح العراقي وكانت انطلاقته من هذه المدينة عام 1880 حيث كتب أعماله الثلاثة التي ذاع صيتها في مختلف دول العالم والتي كانت :
1// كوميدية آدم وحواء
2// كوميدية يوسف الصديق
3// كوميدية طوبيا
لقد كان للمسرح المدرسي الذي بدأ نشاطه في المدارس المسيحية في الموصل أثره البالغ والفعال في تطور الحركة المسرحية في العراق ، حيث قدم العديد من الأعمال المسرحية الناجحة وتركت تلك الأعمال بصماتها لحد يومنا هذا منها مسرحية ( لطيف وخوشابا )التي أبدع في ترجمتها الكاتب نعوم فتح الله السحار والتي عرضت عام 1893.. هذه المسرحية التي ترجمها عن مسرحية فرنسية ، حاول فيها السحار استعارة الواقع العراقي بدلا من الواقع الذي اعتمده الكاتب الفرنسي، كما وظف شخصيات وبيئة عراقية لتجسيد أحداثها، وكذلك استخدم للتحاور اللهجة العراقية / الموصلية ..لقد نال عرض المسرحية رضا واستحسان الجمهور لذلك طالبوا بعرضها في أكثر من مكان .. لست بصدد تقييم هذه المسرحية التي كان لها تأثيرها على المجتمع آنذاك ولا غيرها من الأعمال التي شكلت فيها مدينة الموصل المركز الأول لظهور الحركة المسرحية في العراق وإنما أريد أن أوضح أثر ذلك النشاط على تطور المسرح في العراق ، ولو سألنا عن سبب تطوره في هذه المدينة بالذات لجاءنا الجواب بسبب قربها من ( بلاد الشام والدولة العثمانية )،وهكذا حتى انتقل هذا النشاط في بداية القرن العشرين إلى مدينة بغداد وكان غنيا بجمهوره الغفير الذي كان يلعب دورا كبيرا في متابعته وحضوره كافة العروض ، لأنه كان مؤمنا بأن المسرح ليس إلا رسالة إنسانية الهدف منه إدخال البهجة والمتعة إلى نفوس المتفرجين والالتصاق بالواقع ومعالجة السلبيات التي يعاني منها المجتمع .. وقد استثمره الآباء المسيحيون واهتموا به لأنه كان وسيلة مباشرة وقوية لبث التعاليم الدينية والأخلاقية وغرس الإيمان في نفوس الحشود الكبيرة التي كانت تتزاحم في الأماكن المخصصة لمشاهدة العرض المسرحي.. ومن الأمور الجيدة التي أنجزوها لتطويره إرسال الطلبة المتفوقين إلى أوروبا لتلقي الدراسة الأكاديمية وبعد الانتهاء من الفترة الدراسية المقررة يعودون إلى الوطن حاملين شهاداتهم فيتم توظيفهم للاستفادة من خبراتهم التي اكتسبوها لتهيئة الكادر المسرحي .. وكانت المدرسة الاكليركية التي أسسها الآباء الدومنيكان تقوم بإنتاج الأعمال المسرحية التي كان يكتب نصوصها اللبنانيون ويتم عرضها للجمهوروباشراف تلك المدرسة ، ولكن بسبب عدم اهتمام الكنيسة بطبعها ولعدم وجود مطابع في الموصل آنذاك فقدت معظم تلك المسرحيات ... إذن كان المسرح منذ تلك الفترة يؤدي وظيفته بالشكل الذي يجعل تأثيره ايجابيا في معالجة الظواهر السلبية التي كان يعاني منها المجتمع ولا زال هدفه ووظيفته تؤدى بأمانة وتواصل، وبالرغم من المحاولات الكثيرة لتشويه تلك المهمة النبيلة سابقا وحاليا إلا أنه بقي ذلك الوجه الناصع الذي حمل ويحمل في جعبته هموم الناس ومعاناتهم فبات الوسيلة المباشرة لمخاطبتهم وإيصال الأفكار إليهم وذلك من خلال الرؤى والمعالجات الدرامية التي يبدع فيها أعمدة المسرح الثلاث (الكاتب والمخرج والممثل ). إننا نعلم انه هناك تعددية مذهبية للمسرح، وكل مذهب له مميزاته التي تميزه عن المذهب الآخر بحيث يختلف الواحد عن الآخر في أسلوب معالجته للعرض المسرحي .. ولأجل استثمار العملية المسرحية استثمارا يؤدي بالنتيجة إلى خدمة مجتمعنا علينا أن نقوم بتوظيفها لتكون ملتقى بين العرض وجمهور المتفرجين لكي يتم من خلال ذلك خلق إبداعي في ذاته وتحليل وتفسير هذا الخلق وتأ ويله من قبل المتلقي الذي يتابع سير الأحداث خلال المراحل التي تمر بها المسرحية ، إذن تتم عملية إيصال الأفكار إلى المتلقي من خلال هذه الوسيلة الصريحة التي يؤمن بها . اليوم يجب أن يكون للمسرح دوره الفاعل والمؤثر في خلق الوعي عند الناس لينصهروا جميعا في بوتقة الوطن الواحد دون أن يفرقهم فكر أو اختلاف إيديولوجي ليساهموا معا في فرش الأمان والاستقرار والسلام في عراقنا العزيز من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه فأنه في هذه الظروف العصيبة بحاجة ماسة إلى من يمده بالعزم والقوة ليتمكن من اجتياز هذه المرحلة التي يمر بها ويتعافى من الإفرازات التي خلفها له الماضي البغيض، والجميع مدعوون لهذه المساهمة كل واحد من خلال موقعه وتأثيره الوظيفي والاجتماعي والسياسي لتكون المحصلة النهائية بناء مجتمع عراقي يرفل بالسعادة والسؤدد .. هذا وكانت وما زالت فرقة مسرح شيرا أحدى الواجهات المسرحية التي تمد مسرحنا بالنشاطات الثقافية والاجتماعية والتاريخية والتي كانت دائما تختار نصوصها المحلية والعالمية الجادة التي تعالج فيها الظواهر السلبية وكذلك بالنسبة إلى فرقة مسرح الديرالتي قدمت العديد من هذه الأعمال ، ويجب أن نقتدي بالتجارب العالمية التي قدمت إسهامات ناجحة للمجتمعات الإنسانية وتمكنت من إيصال رؤاها إلى الناس من خلال العروض المسرحية فنرى مثلا المخرج العالمي( برخت) الذي تبنى واقتبس المسرح الملحمي،هذا المسرح الذي أراد فيه من الجمهور أن يلعب دورا مراقبا وناقدا ليتم تشخيص الخلل ثم يبادر بعد ذلك إلى إعطاء المعالجة ،فأنه كان يهدف في ترجمته للتجربة المسرحية إلى فعل تطبيقي خارج المسرح أو بمعنى آخر يعيد تعريف العلاقة بين المتفرج والمسرح لتقوم علاقة بين المسرح والمجتمع أي أن ما يحدث على الخشبة ربما يكون قد حدث وعانى منه المجتمع ... إذن يستفز المتلقي للمشاركة الفعلية في معالجة ما يعيق تطور المجتمع فيطرح الحقائق والمعالجات بعد تشخيص تلك السلبيات كما ذكرنا.. وهنا يلعب بريخت دوره من خلال منجزه المسرحي بتأثيره على الجمهور الذي يأخذ موقفه من الموضوع المطروح أمامهم ويكون على دراية تامة انه طالما الماضي يتغير فبالإمكان تغيير الحاضر أيضا وبالشكل الذي نطمح إليه، وفي احد العروض المسرحية البرختية كان للجمهور دورا متميزا في إنجاح العرض حينما تضامن مع برخت في الموضوع الذي كان يتناول ( استغلال الطاقات العاملة من قبل أرباب العمل ) حيث تمكن برخت من إثارة وتأجيج المئات من الحاضرين في صالة العرض ومن مختلف شرائح المجتمع فاستنكروا وبشدة استغلال الجهد الذي يبذله العامل في العملية الإنتاجية لصالح رب العمل وانتقل الاستنكار من صالة العرض إلى الشارع ثم المصنع فالمعمل حتى عم كافة قطاعات الدولة الإنتاجية فأعلن العمال إضرابا عاما عن العمل ، فتوقفت حركة الإنتاج واستمر الحال على هذا المنوال حتى تمت الاستجابة لمطاليب المضربين في تحسين ظروفهم المعيشية وزيادة أجورهم اليومية التي يستحقونها .. إذن كان هذا نموذجا من النماذج الكثيرة التي تم توظيفها على المسرح لاحتواء ومعالجة الحالات السلبية ، وهذا يعني إن المسرح يساعد في إيقاظ الوعي عند الناس لرفض الواقع المعاش والمطالبة بالبديل الأفضل للحقوق المشروعة ... فإننا وفي هذه الظروف القاهرة التي يتعرض لها بلدنا العزيز بأمس الحاجة إلى توظيف مسرحنا بالأسلوب الذي يجب أن يعيه الأغلبية دون تعقيدات أو ضبابية في الرؤى والتي يتعسر على جمهورنا المتواضع فهم ما يدور من أحداث خلال العرض ، فالحوار المسرحي حينما يكون واضحا في المعنى والمقصد يشكل عاملا مساعدا لاستيعاب ما يجري على خشبة المسرح .. وقبل أن أختم موضوعي هذا أدعو مبدعينا من المؤلفين لكتابة نصوص مسرحية تحث أبناء ومحبي العراق إلى التآلف ورص الصفوف لمواجهة العدو المشترك الذي يهدف إلى إعاقة عملية بناء العراق الجديد بل ويحاول مستميتا لأبقاءه متخلفا عن ركب الحضارة الإنسانية كما هو عليه الآن من الاقتتال والتناحر والنزاعات التي لا تخدم إلا مصلحة من يريد لنا الأذىوالأحتراب الذي أرهق كاهل الوطن .. ألف مرحى لكل من ضحى ويضحي من أجل هذا البلد العزيز ، الذي نزف عقود من الزمن ووهب فلذات أكباده قوافلا من الشهداء الميامين في سبيل عزته وكرامة شعبه وسيستمر العطاء حتى ترسي بنا سفينة العراق السعيد على شاطئ الأمان والسلام والاستقرار .
باسل شامايا