الإمام الصدر: الفصح صورة لانتصار الحق
وزعت الحركة الثقافية في النبي شيت مقالة كتبها الإمام المغيب السيد موسى الصدر، في 9/4/1966 في صحيفة "الحياة" لمناسبة الفصح المجيد.
بسم الله الرحمن الرحيم
الفصح المجيد صورة لانتصار الحق
إن الله أرسل المسيح ليحرر الانسان من الجشع والنفاق، ويخلّص المعذبين في أرضه من المتاجرة باسم الله ومن الظلم والطغيان.
ولكن النفوس المنحرفة والضمائر الممسوخة لم تحتمل هذه الدعوة. ولكن زعماء اليهود، الزمنيون منهم والروحيون لم يرتضوها خوفاً على مصالحهم لأنهم لا يريدون إيقاظ الضمائر، وتعديل الفطرة وإنارة القلوب والعقول.
إنهم حاربوا المخلّص بعدما كانوا ينتظرونه، بدأوا بالطمع والتهديد، ثم بحملة التهم والافتراءات، وانتهوا بفرض قتله على الطغاة.
هذا الفصل الاول من مأساة الانسان، كل الانسان: اساءة في مقابل الاحسان والحكم بإعدام من يموت لأجل حياة الآخرين.
هذه الصورة المثيرة تتكرّر كل يوم مع الاختلاف في الكم أو في الكيف، ومع تفاوت في الوضوح والخفاء.
أما الفصل الثاني: فهو الفجر، نور بعد ظلام، وانتصار للحق، حينما يقذف الله به الباطل فيدمغه فاذا هو زاهق. تجري دماء الصالحين، تصرف طاقات المجاهدين، طاقات هي دماء زكية تتبلور في صبرهم وسعيهم ومثابرتهم على دعوتهم.
تجري هذه الدماء فينبت الحق، ثم تنصره العوامل الكونية التي ملأت الآفاق والأنفس، وتتحرك ضمائر البشر المستيقظة أثر التضحيات والصرخات.
الروافد تنبع من العقول والقلوب والارض والسماء، وعندئذ يصبح الحق طوفاناً فاذا عروش الظلم، وصروح الطغيان كالزبد يذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الارض.
هكذا كان الفصح المجيد، صورة كاملة عن المرحلة الثانية من تاريخ البشر، المرحلة التي تتكرر كل يوم مع الاختلاف في الكم او الكيف ومع تفاوت في الوضوح والخفاء.
أما تفاصيل الواقعة فيرويها المسيحي: انهم قتلوا الجسد، وانتقل مسيح الكلمة الى السماء قائلاً لمريم المجدلية: "إذهبي وبشّري إخوانك إني ذاهب الى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم".
وينقله المسلم أنهم ما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم، مؤكداً أن الله تعالى قال له: [إني رافعك اليّ ومطهّرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا الى يوم القيامة] (آل عمران 55).
فالمنتصر في المعركة الحاسمة هو الحق والخلود لرسالة الله [ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين] (القصص/5).
والصورتان على رأي الروايتين تمرّان في الذكرى أمام الخواطر، وتطبعان بفعل الايمان على قلوب أولي البصائر، وتصبحان الينابيع الدقاقة للحياة السعيدة ولانتصار الانسان.
إن القدوة لا تختلف عن اللوحة الاّ بمعجزة الايمان.
والايمان ينمو ويزدهر بالتفكّر. والعقل سند القلب والعلم يدعو الى الايمان.
فلنعش الذكرى بقلوبنا، ولنتجاوز رمزية الايام المباركة لكي لا تصبح امامنا ألواحاً فنية تاريخية.
ولنعش الذكرى بعقولنا ولا نحتقر إيماننا بالتخوف من العلوم، فالعلوم أنوار الى الحقيقة التي هي كلمة الله وقراءتها تزيد عن الايمان.
ونحن لا ندعو الى الذوبان والى تمييع الايمان، هذا الايمان الذي أصبح جزءاً من وجودنا وانحدر عبر الاجيال من الينابيع الاصيلة السموية.
لأن العلم، أي علم، يكشف الحقيقة والمعرفة أي معرفة تنير الدرب، والحوار أي حوار إنما هو طريق لمزيد من المعرفة وسبب لاغتناننا بعلوم الآخرين ونتاج عقولهم، ويتضح لنا أن الايمان هو المحرّك الوحيد وهو القائد الذي يفيد من كشف الحقيقة وإنارة الدروب.
الايمان وحده يجعل من هذه الذكرى قدوة لأنه يبدّل العرف فعلاً وأصالة.[/b][/size][/font]