ويلٌ لأُمةٍ تلبس مما لا تنسج، وتأكل مما لا تزرع، وتشرب مما لا تعصر
تُعرّف الأتكالية على أنها الأستكانة الى الراحة، وحالة العجز والخوف من الوقوع في الخطأ. وهذا الأعتماد على الغير في حل الأمور الخاصة، يكاد ينفي قدرة الشخص على تحمل المسؤولية الخاصة. فلا توجد مبادرة في جميع نواحي الحياة او الأستقلالية في القرار امام تقلبات الحياة المختلفة " فيخرج الشخص تدريجياً من دائرة الفعل والتأثيرالحقيقي للمجتمع".
فالأنسان يولد وهو معتمدٌ على أمه، وبعدَ هذا
تأخُذ الاتكالية والاعتماد في حياة الطفل بالتناقص شيئًا فشيئًا مع تقادم العمر. لكنّ الطفل في البيئة العربية يبقى ُمعتمدًا على ذويه بشكلٍ كامل حتى سن المراهقة، فهو يطلب الحماية الأمنية والاقتصادية من الوالدين، وهم بدورهم يقدمون له هذه الحماية دون كلل أو ملل، لأنها تعطيهم السيطرة والنفوذ في حياته المُستقبلية .
هناك اكثر من
118 قول لتدخل الله في الحياة تُشجع الواقع الآتكالي" ع
لى الله ، انشاء الله، الله كريم ... " وكأننا نرمي بثُقل الحدث رغمَ أهميته على الله (تطّفُل الأتكاليةعلى الدين). فالله يشاء الآن، ولكن بقدرتك. والله كريم، إن حاولت أنتَ. وعلى الله، إن انت أخذت مسؤوليتكَ فالله لا يُقررّ من دونكَ .
ُتعتبر ظاهرة
الإتكالية إحدى مظاهر الإعاقة الأجتماعية، إذ انها َتبرزُ في المجتمعاتِ المُتخّلفة بشكلٍ كبير. يميلُ المُتكل الى الخوف من الوقوع في أي خطأ، بسبب الرهبة والخوف "تهديد الأهل المتواصل في الطفولة" والتي تقمع الثقة بالنفس. فأنعدام التشجيع على الأبداع المهني او التحفيز على المبادرة في المدارس، يُسبب الأنتكاسَ للمُتكلين مُنذُ نعومة أظافرهمِ، وجعلهم أسرى لآراء الناس وبالتالي ضُعفاء امامَ روح المحاولة والتجريب في دراستهم وحياتهم، خوفاً من الأنتقاد .
إنّ التنصل من المسؤولية (السلوك السلبي للشخص الأتكالي) هو السلوك الكفيل بخراب أي مجتمعٍ مهما كانت قوتهُ. في سبيل المثال: يرمي الرجل الشرقي بكل آعباء المنزل والأولاد تقريباً على المراة، في أتكاليةٍ مطلقة تُرهقها جسدياً ومعنوياً.
وقد يميل أبناء المهجر الى الأتكالية بشكلٍ عنيف جداً. فمعظم العراقيين في دول العالم هم افضلَُ مثالٍ على هذا الأتكال، فالكل َيحصُل او يتمنى الحصول على المال (دونَ عملٍ يُذكر) ويُسمى الولفير وسطَ تصفيق وأعجاب الأخرين وكأنهُ صنع مجهوداً رائعاً يُجازى عليه.
هذه الأتكالية العراقية العمياء (قد تكون ظاهرياً مُفيدة) ولكنها مُقرِفة من الداخل، إذ انها تقتل كُلَّ ما هو حي في داخل الكيان الأنساني، وعلاماتُها هي الكآبة وفقدان الأمل و الملل وغيرها الكثير. إنها أصدقُ مثلٍ على موت العراقيين البطيء في الخارج .
وأذكُر اني التقيت بأحدِ الشباب الموجودين في الخارج وعمرهُ كان 23 سنة فقط ( وكان واقفاً قرب المقهى ) لِمَا يُقارب ثماني ساعات. بادرتهُ السلام واجابني بالمثلٍ فسألتهُ وياليتني لم أسالهُ " هل انت تدرس " فقال " ِلمَن أدرس " فقلتُ متعجباُ " فهل انت تعمل ؟ " فأجاب وبكل برود " لمن اعمل ، فليس من يستحق ان اعمل من اجله. وقد سألتَ أحدهم، لماذا تتزوج أجابني" لأحصُلَ على أمراءةٍ تخدُمني وتكمل طلباتي _ مِثلَ أُمي" يالهُ من زواجٍ فاشل وإن أستمر، لأنهُ يحمل تلك الصيغة الأتكالية. وكم من شبابٍ عادوا للعراق بعدِ اكمال دراستهم، وهُم منفتحين ومَرنين وشفافين، لأنهم اعتمدوا على أنفسهم و عاشوا في مجتمعٍ يشجع غريزة الفضول والقدرة على الانتقاء. فيالها من دعوةٍ صادقة لأنّ نتخلى جميعا عن تلكَ الهوية الأتكالية. ونخلق أُمةً تزرع ما تأكل ، وتقدر ما تعيش، وتُقيّم ما تملك. ونغرس الثقة بأنفسنا وبأبناءنا، وبهذا َسنجبرُ المجتمع بالاعتماد علينا في أحد الأيام.. لأننا أمُة اعتمدت على ذاتها.
الأب سرمد يوسف_ فانكوفر