في حضرة الله بإلهام الروح القدس
كلام غير مرغوب به في عالم اليوم
من الصعب اليوم على عالمنا المعاصر ان يتحدث احدٌّ ويقول ان الروح القدس يلهمني او الروح القدس يقودني او ان يقول اني اصغي الى الروح القدس واسير وفق ما يمليه علي رغم ان هذا هو المخطط الخلاصي الذي من اجله ارسل الله ابنه يسوع المسيح وجعل من الروح القدس الواسطة التي بها يشترك المؤمنون في الجوهر الالهي ويكونون في اتحاد معه كما يسوع ابنه.
كل مسيحي يعرف اليوم أن الإله الذي يؤمن به هو "إله واحد في ثلاثة أقانيم". ويبدأ معظم صلواته " باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد آمين". تلك هي العقيدة المسيحية الأساسية، التي بدونها لا وجود لمسيحيّة متميّزة عن سائر الديانات. وفي تلك العقيدة موجز للإيمان المسيحيّ الذي به يتميّز المسيحيّون عن غيرهم من المؤمنين بالله.
إنّ وحي الثالوث الأقدس قد أتى إلينا عبر تاريخ الخلاص الذي بلغ كماله في شخص يسوع المسيح. فعقيدة الثالوث ليست حصيلة تفكير بشريّ نظريّ عن الله، ولا نتيجة تطوّر ديني بدأ في ديانات الشرق القديم. بل هي تعبير لاهوتي لسرّ الله الذي ظهر لنا ظهوراً خلاصيّاً في شخص يسوع المسيح. فالمسيح قد أتى إلينا حاملاً إلينا خلاص الله، ومن بعد قيامته أرسل إلينا روح الله. هكذا أوحى لنا الله بذاته آبًا يرسل إلى العالم ابنه المخلّص وروحه القدّوس.
لا يمكن المسيحي أن يفهم معنى عمل الله في العالم أو أي شيء عن كيان الله في ذاته وفي علاقته بالإنسان ما لم يتعمّق في لاهوت الروح القدس، لأنّه بالروح القدس يتَّحد الله بالإنسان ويصل الإنسان إلى الله. فالروح القدس هو الإله الذي كلَّمَ الإنسان بواسطة الأنبياء، وكلَّمَ الإنسان بالمسيح، ولا يزال اليوم يتكلَّم بالوجود المسيحي على مدى الزمن. وهكذا بالروح القدس يكتمل وحي الله الثالوث ووحي عمله في العالم.
وعندما نسأل اليوم ماذا يعني الإيمان بالروح القدس في واقع حياتنا؟ نجيب دون تردد أنّ الله الذي كلَّم الإنسان قديماً بالأنبياء، وملأ يسوع في حياته، وأقامه من الأموات بعد مماته، وملأ التلاميذ يوم العنصرة (حلول الروح القدس) وفي كرازتهم حتى الاستشهاد، لا يزال يكلِّمنا ويملأنا من حياته الإلهية. فالله ليس فكرة منعزلة في عالم آخر، بل إنّه في عالمنا منذ أن صنعه. وفي ضمير كلّ إنسان منذ أن خلقه. لقد كلّم البشر في داخلهم كما كلَّمهم بواسطة أنبيائه، ثم كلَّمهم في شخص ابنه يسوع، وأخيراً أرسل إليهم روحه القدّوس مكث فيهم يحييهم.
إنّ إيماننا بالروح القدس هو الإيمان بأنّ الله حاضر في العالم وحاضر في كنيسته يعمل في إيمانها أسرارها، وتبقى محبته أمينة رغم عدم أمانة أبنائه له. لقد رافق الله الكنيسة عبر القرون وتكلّم في مجامعها ولا يزال يحملها على إدراك ما ينقص في مؤسّساتها وتوضيح تعاليمها.
الروح القدس هو قدرة الله الخلاّقة. علاقة المحبة التي عندما تنسكب في قلوب المؤمنين، تجعل منهم أشخاصاً مرتبطين بعضهم ببعض ومرتبطين بالله. الروح القدس هو علاقة الله بالبشر، والقدرة التي تربط البشر بالله. كأنّ الله، بروحه القدوس، يخرج من ذاته ويتّحد بالناس ليوحّدهم به. بالروح القدس يصير الإنسان والله واحدًا: "بهذا نعرف أنّا ثابتون فيه وهو فينا: بأنّه قد أعطانا من روحه" (1 يو 4: 13).
للأسف ان التعاليم الالهية اصبحت اليوم مُثُلا بعيدة عن واقع انساننا المعاصر وإذا تحلى بها احدنا أصبح شاذا عن القاعدة التي لا تستطيع ان تستوعب العلاقة الايمانية التي تربط الانسان المؤمن بالله حيث عالم المادة بكل انواعها يطغي على كل القيم الدينية والاخلاقية بينما يقوم جوهر المسيحية على هذه العلاقة الصميمية بين الله والانسان بإلهام الروح القدس وعلى كل من يدعي الايمان ان يكون على هذا المستوى من العلاقة حيث ان الايمان حياة مع الله وليست عقائد وطقوس وواجبات الصوم والصلاة التي هي السلم الذي يؤدي بالنتيجة الى الارتقاء الى الله الآب بالتأكيد لايمكن لأي كان ان يفهم هذه النتيجة لأنها نتيجة خبرة حياة طويلة وتأمل عميق وصلاة صادقة ومعاناة وصبر جميل واعمال خير عظيمة وهناك الكثير ممن يعيشون هذه الخبرة في عالمنا اليوم وبهم ينظر الله الى العالم.
نشوان جورج
Nashwan.george@yahoo.com