وقفتنا مع الانجيل هذه المرة تكون مع حادثتين يسردهما البشير يوحنا. فهذه الحادثتين تعطينا مثالا عن الولادة الروحية والخلاص. نعم المخلص الالهي هو الراعي الذي يسهر على رعيته. وتعليمه هو للكل، اذا كان من داخل البيت (اليهود) ام من خارجه (الوثنيين). فحوار الرب مع نيقوديموس (العالم اليهودي) وحواره مع السامرية التي تمثل (العالم الوثني). اراد يسوع في الحادثتين ان يعلمنا ان حياتنا المادية اي الجسدية هي لاشيء مقابل الحياة الروحية اي ما معناه يجب علينا ان نخلع الانسان المادي ونلبس الانسان الروحي.
يجب اولا عند قرائتنا مثل نيقوديموس نتوقف عند الملكوت التي يهتدي اليه الانسان ، اي يجب ان نكون امام حياة جديدة يعطيها روح الله في المعمودية، هذه الحياة التي يهبها الله للعالم هي موت الرب يسوع. غير ان نداء الحب الذي اطلقه ويطلقه الله الى البشير يحكم على كل انسان الذي يرفض هذا النداء ويبقى في ظلمة الشر. نعم الرب يعرف كل انسان وبالتالي يعرف قلب نيقوديموس الذي يمثل كل واحد منا الذي يبقى في مفهومه للرب مفهوم بشري جسدي. نيقوديموس خاف من المجيء الى يسوع في النهار وكما يقول الاباء على ان نيقوديموس جاء في الليل وذهب في الليل ولم يصل اليه ملئ نور المسيح اي لم يصبح تلميذ المسيح مثل يوسف الراعي الذي طلب جسد الرب من بيلاطس ليدفنه. يجب ان لانفكر تجاه نيقوديموس بالعاطفة، نيقوديموس الذي يمثل الاخ الاكبر للذي لايريد ان يدخل بعدما ذبح الاب عجلا امام ابنه الاصغر بعدما كان ظالا فوجد. ونلاحظ ايضا في هذه المحاورة سوء التفاهم بين يسوع وبينه كما مع السامرية. نيقوديموس يتحدث عن مستوى الجسد كما يولد الطفل من احشاء امه وهذا من سابع المستحيلات على من سبق له وولد ، اما الرب فعنى في مثله الولادة على مستوى الالوهية. فكما نجد السامرية التي ارتفعت الى مستوى الماء الحي الذي يعطيه يسوع لكن نيقوديموس الذي يمثل اليهود ظل هو وظلوا هم على المستوى الحرفي ولم يرتفعوا الى مستوى الروح. وفي ايامنا هذه كم من البشر لايريدون ان يخرجوا الى مستوىالالوهة كأنهم بذلك يريدون ان يسدوا اذانهم ويغلقوا قلوبهم على نداء الرب ليبقوا في عالم الشر والظلمة!!
اللحم والدم اي الوضع البشري في امكانياته المحدودة يمثل الطبيعة البشرية، لكن الروح الذي يدل على حضور الله الذي هو اصل الحياة المسيحية. فعلى نيقوديموس ومن هم على مثاله ان لايبقوا على مستوى الجسد فإن لم يرتفعوا الى مستوى الروح لا يصل الى الحياة التي تفرض عليه تصرفا مسيحيا ، فيجب ان يولد ثانية ومثله جميع الاتين الى يسوع.
في كثير من المرات نحسب ذواتنا نعرف كل شيء ولا ينقصنا شيء ، هذا ما نسميه الكبرياء ، وهذا الكبرياء يقودنا الى الهلاك . مثل نيقوديموس الذي يقول نحن نعرف ، لكن المخلص يرد عليه بقوله : انت لا تعرف .. ولنا ايضا يقول انتم لا تعرفون . فالانسان لا يستطيع ان يعرف ماهو عالم الروح بدون عمل الروح القدس . فاذن كلام الرب يسوع وحدها تساعدنا على اختبار الالهيات شرط ان نتقبلها بالايمان . فاذن عند قبول هذا الايمان يجب ان نشهد له في حياتنا اليومية . فالرب يسوع يقول لنيقوديموس نحن نشهد . فكلمة نحن هي في صيغة الجمع ، فنحن هم تلاميذ الرب وتدل ايضا على صوت الكنيسة . نعم الكنيسة تشهد لكن من هم على شاكلة العالم اليهودي يرفضون هذه الشهادة ولا يصدقونها .
ويختم البشير يوحنا كلامه موجها الى الغير المؤمنين : (( فمن يؤمن بالابن لا يدان ومن لا يؤمن به دين )) . فاذن الايمان يرتبط بالحياة الابدية التي هي حياة من الصداقة والثبات مع الله التي تبدأ من هنا وتدوم الى الابد . لان تاريخ الله مع الانسان هو تاريخ محبة ، لهذا ارسل ابنه لا ليدين العالم بل ليخلص العالم . فالرب هو إله الخلاص ولا يريد موت انسان خاطيء . فالدينونة عند اليهود ومن هم على شاكلتهم ( الغير المؤمنين ) تتم في نهاية الازمنة ، اما هنا فالانسان يدان حين يقف امام ابن الانسان ، امام صليب الرب ويرفض الوحي الذي يقدم له . فهكذا ممكن ان نقسم البشرية الى الذين يقبلون واولئك الذين يرفضون النور ويفضلون الظلام على النور الذي هو الرب يسوع نور العالم ...
تحياتي للجميع