بين جدران معهد مار يوحنا الحبيب
شمعون كوسا
نحن في صدد الكلام عن أحد ايام الله في الفترة الواقعة بين سنوات 1957و1968، في معهد مار يوحنا الحبيب ، (السمنير) ، الذي كان يديره الاباء الدومنيكان الفرنسيون. معهد كهنوتي للسريان والكلدان . مدرسة داخلية، تستغرق الدراسة الكاملة فيها اثنتي عشرة سنة . معهد استمرّ لاكثر من مائة سنة ولم يفقد بريقه الا بعد خروج هؤلاء الآباء من العراق في بداية السبعينات .
اريد أن اذكر هنا برنامجَ يوم واحد ، أعني وقائع تكرّرت يوميا بصورة مماثلة طيلة هذه الفترة وما قبلها ايضا . انه سردُ موضوعي ، لواقعِ يَبانُ صارما وقاسيا احيانا ، ولكنه أعطى الكثير ، على صعيد الثقافة والعلوم واللغات ، وبصورة خاصة ، وهذا هو الاهم ، في طريقة التفكير والتصرف . انها ذكريات قد تعجب احداثها البعض أوتفيدهم ، وتساعد البعض الاخر في عملية مقارنة بين القديم والجديد، أو تقتصر على اغناء معلومات محبّي الاستطلاع والفضوليين .
اما اذا وجد بعض القراء هذا اليومَ طويلا ، فاني ادعوهم الى تناول قراءته عل شكل مسلل بحلقة ونصف .
انه قانون السمنير ، فلنعشه ليوم واحد
- كان النهوض في الساعة الخامسة والنصف صباحا على صوت الناقوس ، والموعد هذا كان ثابتا صيفا وشتاء.
- حال سماع الناقوس ، كان مراقب صالة النوم ينادي باعلى صوته باللغة اللاتينية (بينيدكاموس دومينو - Benedicamus Domino لنسبح الرب) وعلى الجميع الاجابة بحماس وبنفس اللغة اللاتينية (ديئو ﮔراسياس Deo Gratias ـ الشكر لله).
- يقوم كل تلميذ بترتيب سريره ويتوجه لصنبور الماء المخصص له ليغتسل بالماء البارد والصابون. والاغتسال هنا يشمل الرأس والرقبة ، وهذا كان الزاميا . كان الماء يسيل من خزانات منصوبة فوق أعلى السطوح ، وفي فصل الشتاء كانت هذه المياه شبه جامدة لان الموصل مدينة باردة .
- يتمّ هذا كله بسكوت تام. بعد الغسيل،الذي يستغرق ربع ساعة ، يهمّ الجميع بالاصطفاف متوجهين الى الكنيسة للقيام بنصف ساعة تأمل . كان موضوع التأمل يؤخذ من الانجيل او اي كتاب روحي آخر .
- بعد التأمل يبدأ القداس الذي كان يتمّ بالتناوب ، اسبوع مخصّص للسريان وآخر للكلدان. كان القس البير ابونا هو الذي يقدس للكلدان اما السريان فكان القس اسطيفان زكريا ، وذلك بحكم اقامة هذين الابوين في السمنير وكونهما معلمين فيه للحقبة التي نحن بصددها .
- بعد القداس يذهب التلاميذ للفطورالذي يستغرق ايضا ربع ساعة ، وتليه الفرصة أو الاستراحة الاولى التي تفك اول قيد للسانهم ، وكان الفطور ، الذي نتاوله بالصمت ، يقتصر على قدح كبير من الشاي ممزوج بحليب الجاموس مع خبز طازج يُغمس في صحن من لبن .
- بعد مضيّ عشرين دقيقة من اللعب والحركة ، يدقّ الناقوس من جديد ليُعلِن بداية الاربع ساعات الاولى للدروس ، يجري الصعود الى الصفوف بترتيب وبصمت ، ولكل طالب مكانه الخاص في غرفة الدرس العامة التي كانت تسمي بـ (الايتودEtude ) ، ومنها كنا نتوجه الى صفوفنا لتلقي الدروس المقررة في الجدول . كل درس يستغرق خمس وخمسين دقيقة ، مشغولة كاملا .
كانت تتوزع الدروس للسنوات الست الاولى بين لغات العربية والفرنسية واللاتينية والارامية والعلوم والرياضيات والدين ، أما السنوت الست الاخيرة ، فكانت تخصص لدراسة الفلسفة بكافة اقسامها : الميتافيزيقية والمنطق وعلم النفس وعلم الاجتماع، والدرس الاهم كان اللاهوت بشقيّه العقائدي والادبي ، وايضا درس تفسيرالكتاب المقدس ، وكل هذا كان يجري باللغة الفرنسية .
- كان أغلبُ مدرّسينا من الاباء الدومنيكان الفرنسيين ، وكان لنا ايضا بعض مدرسين من المحليين المختصين بالعربية والارامية والعلوم الانسانية.
- في فترة لاحقة ، تلقينا بعض الدروس عن الديانة الاسلامية والقرآن القاها علينا الاب جومييه الدومنيكي المختص في دراسة القرآن. كانت دروسا محدودة ولكنها مفيدة . وكان لنا ايضا في نفس الفترة بعض الدروس في اللغة العبرية .
- في الساعة الثانية عشرة والنصف كان موعد الغداء. ننزل ايضا باصطفاف منتظم وبسكوت عميق ، كل واحد يتجه الى مكانه المخصص له طوال السنة ، كان نفس الصمت العميق يخيم على قاعة الطعام ، لانه كان على متناولي الطعام الاصغاءَ الى احد الاخوة المكلفين بقراءة كتاب تاريخي او حياة قديس . كان يتناوب الطلاب يوميا على هذه القراءة ، بموجب جدول يعدّ لهذا الغرض . وبهذه الصورة كان يطلع الطلاب على كثير من الكتب التاريخية أوالقصص والروايات وغيرها .واذا ارتكب التلميذ القارئ خطأ نحويّا او لفظيّا اثناء القراءة ، يضغط المدير الفرنسي على الجرس الذي امامه ليصحح الخطأ ، واذا كان الكتاب باللغة العربية يقوم القس البيرابونا بالمهمة . كان طعامنا جيدا ، والمرقة اليومية كانت متنوعةً تتوزع بين : البطاطا ، اللفت ، الجزر ، السلق ، اللهانة ، البامية ، والباذنجان ، وفي اغلب الايام مطبوخة مع اللحم . كانت المرقة تسبق تقديم الرز او البرغل او الحبية .
- تتمّ وجبات الاكل في غرفة جماعية يُطلق عليها اسم الريفيكتوار ( (Réfectoireوالتي كانت تجمع كافة التلاميذ كبارا وصغارا ، يجلس التلاميذ على شكل فرق ، تتكون من اربعة اشخاص ولكل فرقة رئيس فريق ، وتستمر نفس التشكيلة هذه على مدار السنة . كان يتناوب على خدمة المائدة تلميذان بموجب قائمة خدمة المائدة .
- في السنوات الاولى ، كان اكل الصوم يرهقنا لانه كان انقطاعا كاملا عن اللّحم ، ولكن هذا الانقطاع كان يُعوّض أيام الآحاد بتقديم تمرمقلي مع البيض ، وفعلا هذا كان يغير شيئا من زهد طعام الايام العادية وتقشفيتها. اما اصناف ايام الجمع ، فانها كانت تندرج ضمن فولكلور خاص ، حيث كان يأتي المرق مجرّد خليط من القرع الاحمر المسلوق مع كثير من التمر .
- كان الصوت الذي يحدثه مضغ بعض انواع المأكولات احيانا اشدّ من صخب الكلام ، خاصة عند تقديم الخسُ كفاكهة في نهاية الاكل ، كانت حركات الفكين متزامنة في مضغ الخس ، حيث يخجل الصمت امام ضجيج الافواه، تخيّل صوت مائة شخص او اقل يلتهمون ورق الخس سوية،عبثا احاول هنا منع البعض عن محاولة اجراء تشبيه ؟ !!!! .
- بما اننا لا زلنا في غرفة الطعام ، يجب ان نذكر بانه عندما كان يزورالسمنير احد تلامذته القدامى من الكهنة او المطارنة ، ويتواجد معنا لتناول وجبة الغداء أو العشاء ، كان يأمر المدير بكسر طوق الصمت ويعلن ذلك بالقول : (ديئو ﮔراسياس Deo gratias ـ الشكر لله) فيأتي الجواب من الطلاب باعادة نفس العبارة ، وفعلا كنا نشكر الله ويبدأ الطلاب بالتسابق في الكلام.
- بعد الغداء كانت تبدأ فرصتنا الثانية لمدة نصف ساعة ، حيث كُنا نشغل نفسنا بلعب الورق ، والدومنة والطاولة وقراءة مغامرات تانتان ، وفي كثير من الاحيان كنا نلعب كرة الطائرة. بعد هذا ، واستجابة لنداء الناقوس نصعد رتلاً الى غرفة الدرس الجماعية ، اِمّا للقيام بالواجبات المطلوبة أو حضور دروس اخرى مقررة في الجدول اليومي .
- في الساعة الرابعة كان موعد العصرونية التي كنا نسميها (الـﮔوتيه Goûter ) وهي عبارة عن نصف قرصة خبز لكل شخص ، وهي بقايا خبز الصباح . كنا نأكل نصف القرصة هذه بنهم لاننا كنّا نشعر بالجوع فعلا ، لان دراستنا كان جدية ومتعبة ، ولانه طيلة هذه الفترة من الدروس لا يُضاف شئ الى رصيد معدتنا . بعد العصرونية كان الصعود الثالث الى قاعة الدرس الجماعية حيث التحضير لليوم الثاني .
- في السادسة كان موعد تلاوة الوردية وبعدها يأتي موعد العشاء الذي يتم دائما بالصمت ومواصلة قراءة كتاب الظهر.
عند بدء العشاء ، كان يتوجه احد الصغار الى الاب المدير حاملا بيده شيئا يسمى سينيال بالفرنسية Signal ّ ومعناه الاشارة او العلامة . يقرّ هذا التلميذ الصغير امام المدير بانه خالف القانون لانه تكلم بلغة غير الفرنسية ، فيفرض عليه الاب المدير عقابا يقضي عادة بحرمانه من الحلويات او الفاكهة التي كانت تقدم بعد العشاء ، وكانت في اغلب الاحيان ، تمرا او عنبا يابسا في الشتاء ، وعنبا او قطعة رقي او رأس خسّ في الصيف . كانت تطبّق عملية العقاب هذه تشجيعاً للتلاميذ الصغار وحملهم على التكلم بالفرنسية وتعلمها بسرعة .
- بعد فرصة العشاء الاخيرة ، يحين موعد آخر صلاة ليلية في الكنيسة ، ومن ثَمّ نتوجه بصمت الى قاعة النوم الجماعية ، حيث يغتسل كل واحد على هواه دون التزام ، وينام الجميع بعد نقر خفيف للناقوس ، فيأتي الاب المسؤول ليقول باللغة اللاتينية (ئين مانوس تواس دومينى In manus tuas Domineـ بين يديك يارب ) فيجيبه الجميع (كوميندو سبيريتوم ميئوم Commindo spiritum meumـ استودع روحي) . وهكذا ينتهي النهار في الساعة الثامنة والنصف .
- لكي يكون البرنامج كاملا ، يجب ان اذكر بانه في بداية كل سنة وعند العودة من العطلة الصيفية ، كان هناك رياضة روحية صامتة لمدة ثلاثة ايام لقسم الصغار وسبعة ايام للكبار، اعني طلاب الفلسفة واللاهوت.
- في كل اول اربعاء من الشهر كان لنا ساعة تأمل في الموت ، وهذا كان يجري في فترة بعد الظهر بعد الغذاء مباشرة. كان وقتا صعبا جدا لكون الدورة الدموية منشغلة في تلك الفترة بعملية الهضم وبعيدة عن التفكير في الموت .
- كان يحمل كل تلميذ رقما يرافقه طيلة حياته في المعهد ، رقم هو بمثابة هوية له لانه يوضع على كافة حوائجه ، كما كان له اسم بلغة المورس ، يناديه به المدير من غرفته عِبر ذبذبات جرس كهربائي ، (رنات طويلة وقصيرة) ، كأن يكون احد الاسماء مثلا : تا – تِت -تِت .
- كان هناك نزهة للطلاب خارج المعهد كلّ يومي الخميس والاحد بعد الظهر ، يتمّ الخروج هنا ايضا على شكل رتل عسكري ، برفقة أحد الاباء. في كثير من الاحيان يتعرّض الطلاب لاهانات الاطفال والمراهقين في الشارع . كانوا يلاحقون مسيرة الطلاب هاتفين دون توقف :/ هذا القس ما ينمسّ ، يزرع بصل يطلع خسّ /. لا اعلم لماذا استمر الاطفال يلاحقوننا بهذا الهتاف لسنوات عديدة ، بالرغم من اني لم اسمع يوما بكاهن قام بزرع البصل ليجني خسّا ، وحتى اذا كان الامر كذلك ، فكان يكفي ترديده لسنة واحدة مثلا كي يكفّ الكهنة المعنيون عن زراعة البصل أو ينصرفوا الى زراعة الخس في محاولة مستميتة للحصول على البصل !!!. هذه الحالة التي تطورت في سنوات لاحقة الى قذف حجارة واشياء اخرى لا سبيل لذكرها ، ارغمت ادارة المعهد لاخراج التلاميذ بالباصات .
في النهاية ، لا بدّ من ذكر موضوع مهم جدا :
هذا النهار الكامل داخل جدران السمنير ، والذي تكرّرَ طيلة هذه السنوات ،
كان خاليا تماما من أيّ نوع من التدفئة . لم نعرف التدفئة حتي ايامَ كانت درجة الحرارة تنخفض كثيراً تحت الصفر في الموصل . اغلبية التلاميذ ، كانت تُصاب اصابيع أياديهم وأقدامهم بالقرافيص ، وهي حالة تجعل اصابع اليدين والرجلين شبه مشوية من البرد القارس ، والعذاب كان في الليل عندما تتسرب الحرارة الى الاصابع ويبدأ عذاب الحكّ غير المُجدي .
كما يجب ان اذكر بان زيّ قسم الصغار الشتوي كان يقتصر على بنطلون قصير ، او ما يسمى الان بالشورت مع قميص شتوي ، وان نزع المعطف في أوقات الفرص كان الزاميا . أما البنطلون العادي والقمصلة فكانا من نصيب أيام الاحاد والاعياد .
كان نظام العيش في معهد مار يوحنا الحبيب يضاهي حياة رهبانية خاصة او فترة تدريب عسكري قاس لا يجامل في طريقة انضباطه ، نظام شديد وصارم ، ولكنه كما قلت ، ساهم في تقديم تعليم عاليَ المستوى لمن اكملوا المشوار ، أوحتى بالنسبة لمن امضوا سنوات قليلة تحت ضلّه ، لقد اكسبهم آفاقا واسعة، واسلوب تفكير وطريقة عيش ترافقهم ،دون ادنى شك ، طيلة حياتهم.