ليس خافياً على احد بان الاخفاقات الامنية والتغيرات السياسية التي حصلت في العراق بعد ازاحة النظام السابق عام 2003 ادت الى قتل وخطف وترحيل ملايين العراقيين الذين تركوا الاهل والوطن مرغمين مذعنين لتخليص ارواحهم وارواح عوائلهم، وكان نصيب المسيحيين من هذه المآسي والكوارث فوق كل تصور لسببين رئيسيين هما:-
1- كون المسيحيين اقلية مسالمة بلا ميليشيا تحميهم وغير مدعومين من قبل دولة جارة تدافع عنهم وتناصر قضيتهم.
2- افتقارهم الى قيادة دينية وسياسية موحدة توحد خطابهم السياسي وتدول قضيتهم القومية.
هذه الاسباب واسباب اخرى كثيرة ادت الى فقدان الثقة بالمستقبل من قبل ابناء شعبنا ( اقصد بابناء شعبنا الكلدان والسريان والاشوريين على اختلاف مسمياتهم التي لن تفرق في الامر شيئاً ) الذين تعرضوا الى اكبر وافظع عملية تصفوية في تاريخهم المعاصر، فكان خيارهم الوحيد ترك بيوتهم وممتلكاتهم في المناطق الملتهبة والالتجاء اما الى اقليم كردستان الاكثر أماناً او الى احدى دول الجوار وانتظار رحمة الامم المتحدة لحين قبول طلباتهم من قبل احدى دول اللجوء، ورغم كبر المأساة وتعاظم المعاناة يوماً بعد يوم كان عدد الاخيار والمخلصين من ابناء شعبنا قليلاً ومعدوداً وعدد المتاجرين بمحنته في تزايد مستمر.
كان السيد اغاجان من اوائل الذين مدوا يد المساعدة للمهجرين والمرحلين ( الذين اطلقت عليهم تسمية النازحين! ) وبذل كل جهوده لمساعدتهم وانتشالهم من واقعهم المزري سواء عن طريق مساعدتهم مالياً او تعينهم في اقليم كردستان او تعمير القرى المدمرة التي رجع اليها الكثير من هؤلاء المرحلين اضافة الى تقديم كافة التسهيلات الاخرى لهؤلاء وغيرهم من ابناء شعبنا من سكنة الاقليم الذين شعروا للمرة الاولى في تاريخهم المعاصر بانهم سواسية مع بقية المواطنين من القوميات والاديان الاخرى الذين يسكنون اقليم كردستان، ومساعدة السيد سركيس اغاجان لابناء شعبنا ليست وليدة اليوم ولم تبدأ قبل اعوام لتنفيذ خطط ومشاريع خارجية كما يحلو لبعض الانتهازيين والسماسرة من ابناء شعبنا الترويج له بل بدأت قبل سنوات عديدة منذ عودته الى الوطن بعد الانتفاضة ( هذه ليست دعاية اعلامية او هالة مقدسة او صفة محببة اضيفها على الرجل، كما تعود الكثير من الكتاب المرتزقة اضافة مثل هذه الاشياء على اصحاب نعمتهم الذين لا يعرفون من القضية القومية سوى ما يدخل في جيوبهم او يحول الى ارصدتهم المصرفية، بل حقيقة تاريخية يعترف بها كل انسان منصف بغض النظر عن انتمائه او مذهبه ).
لست هنا بصدد كتابة تاريخ السيد سركيس اغاجان فتاريخه معروف! ولست بصدد الدفاع عنه لان مثل هذا الرجل يكفيه اسمه الذي يسبقه ولا بصدد تقويم اعماله لان التاريخ عليها اكبر شاهد، بل بصدد وضع النقاط على الحروف التي نساها قادتنا البواسل في قتالهم الشجاع على كعكة معاناتنا ومناقشة بعض الامور التي اختلطت معانيها وتشعبت فروعها في عقول بعض قادة شعبنا السياسيين وزعمائه الروحيين ( الذين برزوا في ساحتنا القومية لسخرية الاقدار ليس الا ) وبعض من كتابه الاشاوس الذين كان السيد سركيس اول من ساندهم وسحبهم من الهاوية او بالاحرى صنعهم!، فلهؤلاء تعريف متباين للمسألة القومية يختلف عن تعريف العامة وهو ان القومية ليست سوى سلماً لتسلق المناصب وتكديس اكثر ما يمكن من مال الفقراء واليتامى باسرع ما يمكن من خلال كلمات لطيفة وعبارات منمقة يرددها هؤلاء التجار في مناسبة او دون مناسبة لخداع العامة، والامثلة على ذلك كثيرة كثرة ذرات التراب الذي نعيش عليه لكنني لن اذكرها كي لا اخرج من مساري الحيادي واتهم باطلاً بانني من المنتمين والمطبلين والمزمرين، لكن هذا لا يمنعني من قول الحقيقة وتوضيحها والدفاع عنها دون خوف او خجل من احد ( ما داموا يدافعون يدافعون عن الباطل بلا خجل فماذا يمنعني من قول الحقيقة! ).
مهمة الكاتب او المثقف وحتى السياسي هي توعية الجماهير وابراز الحقائق والدفاع عن حقوق العامة دون تمييز، وليست كما يعتبرها الكثير من كتابنا ومثقفينا وسياسيينا الموقرين عملية انتهاز الفرصة ورقص اختياري على الحبل الاطول والافضل ( كثير من الذين دخلوا ساحتنا القومية من اوسع ابوابها ليسوا سوى اناس وجدوا في هذه الساحة فرصة لتحقيق مصالحهم التي عجزوا عن تحقيقها في الاماكن الاخرى، فهذا الذي يدعي بحقوقه القومية كان امميا ينكر القومية، وهذا ينتمي الى الاشورية او الكلدانية حسب لون الاوراق النقدية المستحصلة والمصالح الذاتية التي يستطيع تنفيذها، وذاك يتملق ويحني رأسه لجميع المتنفذين دون تفرقة كي تكون كل القنوات مفتوحة ..... )، لذلك لا نلاحظ أي تقدم في قضيتنا القومية، بل بالعكس فكل ما نفعله هو الدوران في حلقة مغلقة تؤخرنا وترجعنا الى الوراء عشرات الخطوات بدل ان تقدمنا خطوة واحدة الى الامام.
بعيداً عن المزايدات الكلامية والتعنت بافكار بالية والتعصب لجهة معينة او فئة محددة واستثناء المصلحة الشخصية من المعادلة العامة وبدراسة سريعة لاحوال شعبنا وما قدمه الاستاذ سركيس اغاجان من مساعدات مادية ومعنوية لابناء شعبنا دون استثناء نتأكد من حقيقة لا غبار عليها وهي ان الذي فعله ويفعله السيد اغاجان لابناء شعبنا وقضيتنا لم يفعله احد من قبله ويصعب فعله من بعده لاسباب عديدة منها:-
1- العمل من اجل جمع طوائفنا تحت مظلة واحدة وتوحيد خطابنا السياسي، وهذا لوحده اهم واكبر انجاز لشعبنا لانه كان اول العاملين على هذا المشروع، فلم يفرق بين الكلداني والاشوري والسرياني وابتعد عن ترجيح كفة على اخرى او التعصب لطرف دون غيره بل كان شعاره نحن الشعب الواحد.
2- الابتعاد عن المشادات الكلامية وعدم افتعال أي خصومة او نزاع مع احد حتى لو كان هذا الاحد من اشد منتقديه، وبذلك برهن للجميع ان معتقداته تسامحية وان مصالح شعبنا وقضيته القومية فوق كل الاعتبارات.
3- لم يكن مختصراً او مختزلاً بل جامعاً، لذلك فتح ابواب مساعداته لجميع الجهات الحزبية والمدنية التابعة لابناء شعبنا دون فرق او تمييز، عكس الذين استغلوا مناصبهم وامكانياتهم لتحقيق مكاسب شخصية وفئوية على حساب مصالحنا القومية ومعاناتنا اليومية.
هذه الاسباب واخرى كثيرة جداً جداً جعلت من سركيس اغاجان رمز امة وقضية شعب بلا منافس، فاذا اجرينا معادلة رياضية بسيطة توضح لنا نسبة المستفيدين من اعماله ومساعداته ومنصبه سنتأكد بان اغلبية الشعب مستفيد، لكن عندما ينبري لنا بعض الانتهازيين من شخصيات سياسية او رجال دين لانتقاده ومعارضة مشاريعه السياسية فهذا لا يعني انهم يبكون على الشعب ومصلحته وقضيته ومستقبله بل بالعكس من ذلك تماماً يؤكدون لنا بكل قباحة بان طمعهم وجشعهم بلا حدود، فلو استثنينا المصالح الذاتية نلاحظ انه لم يبقى شيء الا وعمله السيد اغاجان في سبيل شعبه والارتقاء به وتأمين مستقبله، اما اذا دخلنا ساحتنا القومية من باب اخر وفرضنا مصلحتنا الشخصية على المصلحة العامة نكتشف بان السيد اغاجان لم يفعل لنا شيء يذكر لان كل واحد منا وبطبيعته الانانية يريد ان يستوزر ويستملك وتفرش تحت اقدامه الورد وتقوم القيامة عند ذكر اسمه! وهذا محال!.
وختاماً اعود واكرر بان العلة ليست في انسان خدم قضية شعبه بكل اخلاص بل تكمن في المتاجرين بالقضية وتوابعهم من السذج والبسطاء وبعض المرتزقة الذين ينكرون الحقيقة ويهابون التاريخ.
كوهر يوحنان عوديش
gawher75@yahoo.com