كمال سبتي.. هل صار ماضياً؟
عبدالمنعم الاعسم
aalassam@hotmail.comاسمه بسيط..كمال سبتي..اتقن اشياء كثيرة في حياته، من بينها الحذر من الغرباء والتحسب المفرط، واصطياد المودات:
سيُقالُ للشاعر: ماذا تفعل في هذا الصباح ؟
سيقول الشاعر : أحرّرُ خطاباً في المودة.
وحين اومأ لنا كمال سبتي بمنديله الوحيد..روحه..ورحل في صباح نيساني فاجع، كنا نعد له مشروع رحلة الى موانئ صخرية، ولم يدر في بالنا ان الشاعر سيموت في ذلك الصباح، وعلى مسافة موتٍ كانت قصيدة له مضرجة بالدم: “طبول..وتوابيت تندفع الى موانئ صخرية يبني الرسل بيوتا على نهر تتشبث اصابعه باعلى البحر”.
اتذكر، قبل اقل من شهر جاءني صوته من غرفة بالتوك: اضعتُ تلفونك..اريد ان اكلمك.. لدي اشياء كثيرة.. وضعتُ له ارقام التلفون على شاشة الجهاز وبقيت انتظر صوته، دون جدوى.. هل كان يموت؟
قبل عام قرأت له: “ سنةٌ أخرى مضتْ والأرضُ لم تُهْدَمْ ولم تأتِ القيامَةْ” وكتبت له مازحا: “ لا تستعجل، انتظر السنة القادمة” وانا اعرف ان كمال سبتي يكره الانتظار، كما يكره الالوان المتطامنة، والشخصيات المسطحة، والمبدع العدواني، ومع انه شاعر التوتر، في الكلمة والشخصية والتأمل، لكنه سرعان ما يسترشد بعفويته النزيهة الى تطييب خواطرك اذا ما كنت يوما في مرمى ملامته، ويوم التقيته اول مرة في لندن العام 1996، قدم لي نفسه بكلمات مقتضبة: شاعر يود ان يقول كل شيء قبل ان يرحل..ضحكنا..سألته مشاكسا: ومتى نويتَ ان ترحل؟ ثم قلت: ما دمت قد نجوت من ساطور صدام حسين، فانك ستقول كل الاشياء في هذه المنافي القاسية، وسيأتي يوم لا تجد فيه ما تقول.. وفي ليلة ذلك اليوم فتحنا معا اوراق مودة طويلة عبرت سنوات عشر، كنتُ متابعا لمحاولاته تحسين شروط منفاه بالانتقال من اسبانيا الى هولندا، وكان في المنفيَيْن حال شاعر معوز، لكنه حساس، يحلم بالسفر والصداقات والحماية، وبمكتب بسيط يتصل منه بالعالم، وقد كنت طوال عامين قريبا من بعض اعنف خناقاته، مع شعراء وكتاب، اشهد انه كان لاذعا وحازما ومبدعا ومستعجلا في الكثير من تلك الخناقات، وكأنه كان على موعد مع سفر طويل، وكنت، حين احاول احتواء غضبه بالدعوة الى التأني، يرد علي : كيف انتظر؟ هل تضمن حياتي ليوم غد؟.
في سجل كمال سبتي ثمة معارك ثقافية وسياسية متواصلة افرغ الكثير منها في مدونات وقصائد ومقطوعات نثرية متوهجة وثرية وعميقة الاثر، وليس من دون مغزى ان تعبر اعماله وكتاباته وآثاره حدود المطبوعات العراقية او العربية، ففي عمل مشترك بين جريدة فورتين ماباجو ذات التاريخ العريق في الصحافة التشيلية بخاصة والأميريكية الجنوبية بعامة وذات الاسم المعروف في مقارعة دكتاتورية بينوشيت وبين مشروع “شعراء العالم” الذي يديره الشاعر التشيليني لويس آرياس مانثو..ومن أجل تقديم صورة تقريبية عن شغل الشاعر كمال سبتي الشعري وآرائه في الفكر والفن والأدب إلى قراء أميريكا الجنوبية فقد تم في الجريدة الأولى نشر مقال كمال سبتي: “الآخر، العدو عند أدوارد سعيد والشعراء العرب” كاملاً بترجمة البروفيسورة ميلاغروس نوين إلى اللغة الإسبانية.
ولكن كيف لنا ان نتحدث عن كمال سبتي مثل اي ماض؟ كيف تركناه يرحل، هكذا، الى التقاويم ولم يعبر إلا خمسين نهرا، كيف؟. [/b][/size] [/font]