أصابع الثلج القرمزية
لمياء الآلوسي
جاست المدينة القديمة وأزقتها المتعرجة ، النظيفة ، ترتفع وتنحدر أمامها الطرقات ، تبتسم للأطفال المارين أمامها، والأجساد المتدافعة
كانت تعرف تماما ، أن قدومها إلى هذه المدينة ، التي تدخلها لأول مرة ، سيجعلها تقرر أن تبدأ من جديد ، لذلك أرادت أن تختزن كل معالمها، كل شبر في أرضها ، حتى عندما فتشت تلك الفتاة الشابة طيات ملابسها أكثر من مرة ، وجعلها فتى ببزته العسكرية ، تترك حقيبتها أمام الصبات الكونكريتية ، ويأمرها الآخر بإسكات هاتفها النقال ، لم تفارقها ابتسامتها وأذعنت للجميع
وعندما ظلت الطريق ، وأخذتها الأزقة المتفرعة ، تودعها ، لتأخذها الأخرى ، لم تفكر لحظة إلا في أنها أحبت المكان ، كل المحلات المفتوحة والمغلقة ، فلقد كانت الأرض تتسع إلى ما لانهاية ، انعطفت يمينا ،ويسارا وتفرست في كل الأشياء حولها ، لكنها عادت إلى نفس المكان الذي غادرته قبل قليل ، بين كل تلك الأشياء الدقيقة ، المتناثرة على موائد الصغار ، المرتعشة اكفهم ، المقرفصون على رصيف ذلك الشارع ، الضاج بالأجساد والبضائع ، والأصوات ، والقهقهات
عندما رفع يده لها محييا ، كان جبينه العريض يعكس أشعة الشمس ، فينسكب مختلطا ببريق أخاذ لخاتم كبير من الذهب يحيط بنصره ، فيأخذها في سورة من الاندهاش ،
- ما يخيفني ليس بريقه بل هذا النور الطافح بي ، وقوة قلبي الخافق ،
احتاجت في تلك اللحظة إلى ركن ، مجرد ركن صغير دافئ ، تضع فيه رأسها في حضنه ، وتغفو ، ولن تحتاج إلى أن تصحو ..
أصبح قريباً منها جدا ، لكنه كان يتكلم لغة أخرى ، رغم أنها تجهل حروفها ، إلا أنها لم تشعر بالتلاشي بعيدا عنه ، بل أحست بالتلاشي في لغته ، كلماته أصبحت تراها فيه ، في قسمات وجهه ، تتدفق من فمه شفيفة تخترق القلب ، لكنها لم تكن تعرفها
- كنت أحسه قريباٍ مني تماما ...
أغراهما المكان الضيق الذي جعل منه صاحبه مقهىً متواضعا ، بأرائكه القديمة المتهرئة العارية ، وقد رصفت ثلاث سماورات نحاسية ، تدوَم حول أحداها ، سحابة صغيرة من البخار ، والموقد المتفحم في الزاوية ، يشكل مثلثا مع الشارع المزدحم بالمارة ، تسللا بين الأرائك القليلة ، رغم نظرات الرجال القلائل ، المنتشرون في داخل وخارج المقهى ، جلسا منزويين ، وأمامهما منضدة صغيرة ، مغطاة بعطايا المارين ندوبا ، وحروقا من رماد وأعقاب السكائر ، أحست بالهدوء رغم كل شيء ، ارتشفت قدح الشاي ، الذي سرعان ما وضعه النادل أمامهما.
أمام النافذة الواسعة ، المضببة ، والمطلة على الشارع ، وضع جهاز راديو قديم حائل بلون التراب ، لولا صندوقه الخشبي المتشقق من الجانبين ،عندما أمعنت النظر وجدت أن الصوت لا ينبعث منه ، انه يسند ذلك الجهاز الأنيق الصغير القابع فوقه ، رشيقا ، نظيفا ،
ضحك وهو يهمس لها ، ثم امسك بيدها ، وقادها قبل أن تفهم همسه ، إلى سلم ضيق يفضي إلى بناء في أسفل المقهى،
- أنني افتقد جزءاً سعيداً مني
- لاعليك ..
شيء ما جذبها للدخول معه إلى ذلك المكان ، متتبعة خطواته جاهدة أن تلحق به ، لتصل بها إلى عالم آخر لا تعرفه ، لكنها تشعر انه قريب منها من جوهرها ، من ذاتها ، تحتاج إلى أن تتغير على أساسه ، كي تعود إليها حركة أيامها ،
بكل الصدق ، والعذوبة ، والسمو ، و ما تملك من حياة كان الوميض يرافقها ، يتابعها في كل خطواتها ، إلا أن البريق الذي يجتاحها يأخذها معه دون إرادتها ،
تلفتت ، ثمة أذيال منسدلة ، وعطره الذي يخلفه وراءه يقتحم كل لحظاتها
كان البناء من الداخل بسعة الأرض ، بسعة المدينة كلها ، انتابتها حالة من الفرح الطفولي ، لقد كانت وراءه قليلا فمد لها ذراعيه ، وتدافعت أصابعه بين أصابعها ،
أمام خزانه خشبية ، كانت واحدة من عشرات غيرها ، يئن فيها الزمان ، رصفت عليها وفي داخلها ، آلاف السنين ، وزعت عليها آنية نحاسية ، بينها أواني الشاي وسماورات بأحجام عجيبة ،
وفي الركن الآخر، اقتحمتها رائحة الشاي ، والأرض الترابية المرشوشة عصرا ، والأبواب المشرعة للقادم مهما كان ، ومغزل الخشب ، ونساء متعبات لكنهن عفيات ، يكسرن القند بذلك الفأس النحاسي الصغير ، وامرأة طويلة ، ممتلئة ، مبتسمة ، انحرفت غلالتها قليلا ، فبانت رقبتها الطويلة البيضاء ، مقارنة بوجهها الصارم ، الضارب إلى السمرة ، ولاحظت وشما بأشكال هندسية بديعة تمتد إلى بداية مفرق نهديها ، وحول رأسها حاكت وشاحا آخر ، بلون حبات الرمان القانية ، حول تلك الغلالة المتدلية على كتفيها ، تضع جمرات الفحم المتقدة في السماور ، الذي يكفي ضيوفها وضيوف المدينة
غيبتها إحدى الممرات الكثيرة ،
لازالت أذياله العبقة بالمسك تتبع خطواتها
، كانت الممرات مزدحمة بهم ، على تلك الأرائك الخشبية ، فوق الجدران على الطاولات ، في الزوايا ، عبق آلاف السنين
وفي الممر الذي ينتهي بباب خشبي منحوتة عليه تعريشات ، وأوراق نباتات ، ومطرقة نحاسية برأس أسد بنظرات عدائية شرسة ، عندما مدت يديها ، وتلمست الباب الخشبي ، أحست ببرد صقيعي ، جعلها ترتجف ، أحست أن هناك ذراع تحيطها من الخلف أشاعت فيها دفئا لا حدود له ، التفتت كان هو القريب من القلب حد الامتزاج ، عندها صر الباب صريرا جعلها تقفز إلى حضنه ، في تلك اللحظة الفريدة ، غرز وجهها في صدره ، أحاطها ، كان هناك لغط بكل اللغات لم تتبينه ، كان يتمازج فلا تفهم منه إلا كلمة تقال بالعربية ، لكنها مشتته ، فما عادت تعني شيئا
فجأة فُتحت أمامهما الدنيا ، وجبال تمتد إلى مالا نهاية ، تحت قدميه بالضبط كانت هناك ساقية رذاذها يتطاير كمهرة جامحة على الجانبين ، لكنه كان يتجمد قبل أن يصل إلى الأرض، بلورات بلون الماس ، عندها وهو يري الانبهار الذي تعيشه ضحك بهدوء ، ونزع عباءته وأحاطها بها ، كور كفيه تحت فمها ، أصابعه القرمزية الطويلة تآلفت مع بلورات الثلج لتصبح وكأنها شجرة برتقال مزهرة
أحاطت كفيه بين كفيها ،
- هل يعقل أن يكون للثلج مذاق كالحريق هكذا
- هنا فقط على هذه الأرض