هل حان موعد غروب مسيحتنا الشرقية؟!!


المحرر موضوع: هل حان موعد غروب مسيحتنا الشرقية؟!!  (زيارة 18612 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1790
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
                              هل حان موعد لغروب لمسيحتنا الشرقية؟!!
بقلم يوحنا بيداويد
ايلول 2009
ملبورن/ استراليا

ملاحظة المقال منشور في العدد الثاني من مجلة مدنحا التي تصدرها ابرشية الكنيسة الكلدانية لاستراليا ونيوزلندا

عندما تخلى الانسان عن حياة المترحلة وراء الصيد والماء وسكن البيوت حول الانهار وجداول وعيون الماء  وتبني مهنة الزاعة وتربية الدواجن والمواشي قبل حوالي عشرة الاف سنة تغيرت الكثير من ملامح حياته الاجتماعية . وعندما اندلع الانفجار السكاني الاول بين الالف الثالث الالف الخامس قبل الميلاد وسكن الناس المدن الكبيرة وانتشرت التجارة وظهورت بوادر الصناعة , فكرة التدين و الكتابة وظهرت عمليات تجهيز وتدريب الجيوش استعداداً للحروب بين الامم والملوك ، ظهر التجانس بين القبائل والامم والشعوب لاول مرة.

ضربت موجة جديدة من الانفجار السكاني الثاني في منتصف القرن الثامن عشر. شمل التجديد في هذه المرة  جميع نواحي الحياة بعد توسع افاق العالم بعد  اكتشاف القارتين الامريكيتين واستراليا وظهور بوادر الصناعات الثقيلة والخفيفة والثقافة. استمر هذا التجديد روديا رويدا الى منتصف القرن العشرين، لكن من بعد  الثورة الالكترونية  تحول العالم الى قرية صغيرة في بداية الالفية الثالثة.

بين هذه مراحل كان يحدث التغير في سلوك الانسان من جميع النواحي بالاخص حياة الاجتماعية والدينية ، وُِجِدُ الحل لكثير من الصعوبات والمشاكل  كنتيجة للتطور حسب مقولة (الحاجة ام الاختراع) ولكن في نفس الوقت ظهرت الكثير من المشاكل الجديدة مرافقة لهذا التغيير التي سنعود اليها لا حقاً.

بالنسبة لمجتمعنا المسيحي التابع  للكنائس الشرقية، ابتدأت الهجرة قبل منتصف القرن الماضي من  القرية الى المدينة وتغيرت المهنة من الزراعة الى الاعمال الحرة. رافقت هذه الهجرة عدد كبير من التغيرات كأمر طبيعي،  لكن لم تؤثر كثيرا على بنيته الاساسية التي هي العائلة. اما الهجرة الى المهجر التي اشتدت في بداية التسعينات تركت  بصماتها على مجتمعنا لن تزول ابدأ.

حدث اختلاف في سلوك الانسان في المدينة عن ما كان في القرية ولكن الاختلاف  الموجود بين المجتمع الشرقي والغربي شاسع جدا لا يمكن قياسه بهذه المقاييس. فالمجتمع الشرقي  اساسه متين لانه متحفظ جداً على القيم العائلية بسبب مكانة الوالدين التي هي شبه مقدسة، بينما في المجتمع الغربي المفتوح المتعرض للتفكيك لاتهمه الروابط العائلة ابداً، فهو واقع تحت نفوذ المال، والمصلحة الفردية والسعادة الذاتية التي كلها خارج اهتمامات تعاليم المسيحية. فلا يوجد من يتحمل المسؤولية وفرصة تربية الابناء فتصبح الحلقات الترابط بين افراد المجتمع  مفقودة.

 نتيجة لهذا التغير نرى انقسم مجتمعنا  بين جيل الكبارالمؤمن بالهوية الشرقية وعاداتها وقيمها والجيل المولود في المهجر اوالذي وصل وهو في مقتبل عمره الذي يؤمن بالواقعية ويتفاعل مع مجتمعه  حسب ظروفه اليومية، فلذلك نرى الكثير الخوف والعتاب واللوم وعلامات عدم الرضا من قبل جيل الكبار عن  جيل الصغار في هذه الايام . اما اهم اسباب التي ادت الى تغير طبيعة المجتمع فهي كالتالي :-
اولا - ان الظروف المعيشية في المدينة مختلفة عن الظروف في الريف.
ثانياً - تغير المهنة او الحرفة او مصدر الرزق في المدينة فهي متنوع .
ثالثا-  تغير ثقافة المجتمع وزيادة وسائل الاتصالات التي جعلت من العالم فعلا قرية صغيرة.
رابعاً- ان القوانين والانظمة الحديثة في المجتمع الغربي التي هي معتمدة كليا على القانون المدني القابل للتغير حسب الحكومة اوالحزب الحاكم يختلف عن قانون الشرقي الذي يدخله التغير ببطئ ، نتيجة اعتماده على الشرائع الدينية وكذلك التقاليد الاجتماعية المتوارثة
.خامساً-  تغيرت الاولويات عند الانسان  الغربي عن الشرقي .

 هذه الاسباب وغيرها من العوامل ادت الى ظهور  العديد من امراض الاجتماعية  في مجتمعنا في المهجر اهمها :-
1-الادمان على الكحول والمخدرات
تناول الكحول ليس بشيء جديد، والعراقيون القدماء هم اول من صنع الخمرة والبيرة ولكن حدود تاثيرها على سلوك الانسان  كان قصير الفترة ومحدد ولكن زيادة شرب الخمر زيادة عن الحاجة يوميا يؤدي الى الادمان، والادمان على شرب الكحول شبيه بادمان على المخدرات كلاهما يخلق حالة من الهستيريا وعدم السيطرة على الاعصاب وفقدان التوازن العقلي لفترة طويلة مما تؤدي الى عجزه من القيام باي وظيفة او عمل او تفكير، لابل تصبح تصرفاته خطرة على العائلة والمجتمع والنظام العام ، هذا بالاضافة انها احيانا تقود المدمن الى الانحراف والمتاجرة بها الامر الذي هو خارج القانون وبتالي يشترك في اعمال اجرامية بسبب عدم ادراك المريض اي شيء عن اعمال السيئة بسببها.

1-الاكتئاب
الكابة هي من امراض الفتاكة للعصر ولكن على الاغلب تضرب المجتمعات الراقية اكثر من المجتمعات الفقيرة.  ان سببها هو عدم وجود ما يشد الانسان الى الواقع ليشغل بالهِ  بسبب توفر كل المستلزمات للحصول على السعادة او اللذة، فيكون الفرد متسيب من تحمل اي مسؤولية في هذه المجتمعات . على الرغم من محاولات الحكومات وضع برامج للمعالجة لاشغالهم الا ان مثل هذه حالات بدأت بالزيادة في الغرب وفي مجتمعنا ايضا. خاصة عند الذين هم منعزلين او يعيشون منفردين، والمدمنين على المخدرات وشرب الكحول .

2-القمار
القمار ليس بامر جديد لنا، كان منتشرا منذ القديم  ولكن عندما المصيبة  الكبيرة هي عندما تشرعه الدولة وتعتبره احد مصادر الدخل لها وتسمح باستخدام للقنوات الاعلامية تسويقها. الامر الذي يشجع الفرد على بناء الامال الكثيرة عليها . فحينما يقع في مشكلة اجتماعية او مشكلة مالية  يحاول ان يحقق الربح باي طريقة وفيختار القمار التي هي اسهلها. ومن بعد المحاولة الاولى يزيد عطش الانسان على اللعب كما يزداد عطش شارب ماء البحر. فينسى مسؤولية العائلية وهنا تبدأ شرارة المشاكل بين الزوجين. فتصبح عملية اللعب بالقمار سببا لخراب الكثير من البيوت والعوائل وحدوث الطلاق وفقدان الاولاد الرعاية الابوية الكافية مما تترك بصماته على هؤلاء الاطفال الذين بدورهم لا يؤمنون بقيم العائلية وهكذا ينتشر الفساد  في المجتمع.

3- الحرية والتسيب و اللاادرية
لا ادري ( اللاادرية)  او لا يهمني ، او ليست مشكلتي هذه اجوبة القصيرة المعدة سلفاً ،عادة نتلقاها عندما نسال الشبيبة المتسيبة حاليا عن ايجاد حل لاي مشكلة المشاركة  او تحمل جزء من مسؤولية او نطالبهم بقيام باي مهمة. لا ادري او لا هتم ما يحصل للمجتمع، للوطن، لاهلي ،لعائلتي، لاصدقائي  هو قرار اتخذ هذا الجيل الذي تربى على بذور الفلسفة المادية والوجودية . لايوجد مرحلة اخطر من ان لا يكون تواصل وترابط بين اركان المجتمع فهو امر يحمل الكثير من الخطورة على العائلة وعلى الانسانية جمعاه. اذا كان هناك سبباً لهذا النوع من التفكير فيكون بدرجة الاولى اتي من تربية هذه الاجيال على  الحرية المطلقة غير الملزمة لا ي من قواعد المجتمع او الايمان او على الاقل على مفهوم الخير والشر. والجدير بالذكر المجتمع الغربي كله  ليس متسيب الى درجة الضياع . لكن هناك الحرية وان التربية في المدارس تعلمهم  على احترام الاخر وحفاظ حقوقه. لكن شبيبتنا لا تريد ان تتعلم الشيء الصحيح بل تختار دائما  الطريق الاسهل الذي هو بعيد عن تحمل المسؤولية بالتالي يكون مخالف للقانون العام.

4-الطلاق وتفكك العائلة وظهور عالم الفردية.
ان العولمة التي يكثر التسويق لها في هذه الايام من قبل الحكومات الراسمالية تحمل الكثير من المفاجات التي لم تىر النور بعد ، ربما يكون ضررها بالاضعاف عن التي ضربت المجتمع عندما تحول من المدينة الى القرية . بلا شك العولمة تبحث عن زيادة سوق لصرف منتوجاتها كي تزيد ارباح الشريكات العملاقة في العالم والتي بدات تسير الحكومات الديمقراطية. اصبح واضحا لنا لا مجال امامها لزيادة مساحة اسواقها الا بضرب العائلة وقيمها الاجتماعية كي يتحول المجتمع المبني على الخلايا المتمثلة بالعائلة الى الفرد الواحد الذي سيًسهل السيطرة عليه وكذلك ازالة خطورته عن طريق تشكيل  او انتماء الى خط معارض ومعاكس لها في المستقبل.

5-الانتهازية والازدواجية والتزوير
كثيرا كنا نسمع في بلداننا الشرقية حالة من التزوير والسرقة نتيجة الحكومات الفاسدة والدكتاتوريات، لكن نشطت هذه الحركات في العقدين الاخيرين هنا في المهجرايضا ،حيث بدأ التزوير يتفشى في العالم الغربي. عدد كبير من الناس  يبحث عن الربح السريع وفي اغلب الاحيان تكون الطريقة غير شرعية،  فترى شخصية اجتماعية مرموقة او رجل اعمال ناجح او رجل دين موقر كان يتكلم باسم الله او رجل سياسي يتكلم عن الوطنية والحقوق والواجبات للمواطنين فجاة تراهم كلهم امام العدسات ووسائل الاعلام في قفص الاتهام بالتزوير والترشي . هذه الازدواجية اصبحت شيء مالوف في هذه الايام في مجتمعنا حتى اصحبت عملية الثقة بالاخرين عملية صعبة جدا. لانه فقد البعض الامانة والخجل واهذا هناك تحفظ كبير تفشي على اسرار الشخصية في المهجر. مهما كانت نسبة هؤلاء قليلة في مجتمعنا الا انها تترك السمعة السيئة لكل الجالية في التقارير المؤسسات الحكومية.

6-فقدان الضمير وضمور معنى الخطيئة
كمسيحيين مؤمنيين بتعاليم السيد المسيح هناك نوع من التميع او التسيب اواللامبالاة للالتزام بما هو واجبنا، بحجج كثيرة واهية بعيدة عن الواقع. مبنية على الرغبة بعدم الالتزام بما هو انساني والهي معاً وما هو مفيد للعائلة والمجتمع ايضاً . لذلك يشك كثير من علماء الاجتماع و رجال الدين بنتائج الحضارة المادية الحديثة اليوم. حيث اصبح واضحا ليست مهمتها هي التطور واطلاع الانسان على الحقائق المخفية وخدمته  وانما تشويه الحقيقة الصحيحة اوالصالحة في فكره وايقاعه في الخطأ او وضعه في موقع الهامشية  في المجتمع ،عديم الاهمية ، لا يملك اي قوة او تاثير الى رفض ما يفرضه التيار العام الاتي من العولمة والحضارة والقانون المدني. هنا نتذكر مقولة الطيب الذكر البابا بيوس الثاني عشر حينما قال في القرن الماضي ( لم يعد للخطئية معنى في هذا العصر) .

هناك مشكل ثانوية اخرى مثل الاصابة بالامراض الخطرة مثل الايدز، والجهل  وترك المدارس حيث معظم التقارير تشير الى ان نسبة كبيرة من طلابنا يتركون المدرسة قبل اكمال المراحل الاولى من الدراسة الامر الذي يستغربه المسؤولين ويسألوننا عن سببه.

الحلول و الاقتراحات
لعل سائل يسأل الان هل هناك حلا؟ هل سنقف  مكتوفي الايدي امام  هذه المصائب الكبيرة.؟ وهل جفت انهار الفكر في روح هذه الامة؟ ام هل اصابها العقم فلم تعد تنجب ابناءا عظماء من امثال مار افرام ومار نرسي وحنين بين اسحق  وابن العبري واوجين منا وادي شير وغيرهم  ليذخرون انفسهم كسراج يشعلون الدرب امام ابنائها .

انها حقيقة كالشمس، بدون وجود مهمة اوهدف لهذا الشعب لن يبقى له وجود. يكفي ان نضع رأسنا تحت الرمال كالنعامة ونتهرب من الحقيقة. بدون وجود اهمية لهوية المطمورة في الذات، لن تتحرك  القوى الهائمة فيها (الذات)  للدفاع والمنافسة من اجل بقائها. بدون انصهار اراداتنا في هدف واحد واختيار وتحميل مسؤولية قيادة  لاشخاص مؤهلين لن تفيدنا  صور وافلام الحفلات  في الانترنيت الكثيرة المتشرة فيهذه الايام  ولن يفيد الصراخ والعويل في  مقالات المنشورة في مواقع فقط. فهل نحن مستعدون لاخضاع ارادتنا لارادة مسؤول او مسؤولين حكماء ونعطيهم الحق في قيادة هذا المجتمع من الضياع كما يفعل غيرنا .؟! وهل يوجد ما بين امتنا مُن  هو مؤهل لهذه المهمة لا زالت تجري في عروقه هذا الروح؟!!

الحقيقة هذه المشكلة ليست صغيرة، وحلها لن يأتي من جهة او مؤسسة معينة واحدة، وان الكنيسة وحدها في الوطن او في المهجر لم يعد لها التاثير الكافي على المجتمع. فالحل يجب ان يشارك فيه كل مؤسسات المجتمع.  لنتعلم من الامم الاخرى مثل الاخوة الاقباط والاكراد او الجاليات اليهودية قديما  كيف حافظت على وجودها وقيمها وحياتها الاجتماعية عبر الالاف من السنين.

 على مستوى العالمي  نقترح اقامة مؤتمر او مؤتمرات عالمية تشارك فيه ممثلين من كل ابناء شعبنا في المهجر والوطن ، تشارك فيه كل المؤسسات في مقدمتها ممثلين عن  جميع الكنائس الكلدانية والمؤسسات الثقافية والاعلامية والتربوية والاحزاب والجمعيات والنوادي الاجتماعية والرياضية. فيه يتم دراسة مستقبل مجتمعنا في المهجر والوطن ووضع كيفية الحفاظ على ايمانه وهويته الشرقية اللذين هما مرتبطان معا. ويا ليت تشترك فيه جميع الكنائس الشرقية الناطقة بلغة السورث او الارامية القديمة.

هنا في استراليا اقترح اقامة مؤسسات اعلامية كبيرة مثل قناة تلفزيون او اذاعة واصدار المجلات و النشرات  والكتب واقامة الندوات الاسبوعية الموسعة. واهم من كل هذا هو المباشرة في اقامة  دورات تكثيفية لتعليم لغة الام (سورث) التي هي وسيلة الوحيدة  لتعبير عن صلواتنا الطقسية  وتُحمِل اثار انجازات ابائنا الروحانيين وابداعات مفكرينا عن طريق التراث والقيم والتاريخ والعادات . يجب ان يشعر الفرد من مجتمعنا  اليوم له هوية خاصة به ، ولم يخرج الى الوجود من العدم بخلاف كل الشعوب و الامم المحيطة به ، وان الايمان المسيحي لا يعني تحقير او اعدام الذات  اي الهوية الخاصة به. وان المفاهيم او التعاليم  النظرية المجردة للمسيحية لن تعد  تغرس جذورها في الاجيال القادمة الا عن طريق وجود مجتمع متكاتف وله هدف في حياته ووجوده. ولا يوجد مجتمع بدون ان يكون له خصائص الهوية.





غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1790
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
  الثورات العربية الرجعية التي حصلت برداء مصطلح مشوه بل مناقض للحقيقة ( الربيع العربي) خلال العامين الماضيين وبعد ان اجبر المسيحيين خلال هذا القرن بان يهجروا الشرق الاوسط وااتي بدات على شكل حربية دولية وقومية ودينية موجهة ضدهم منذ سقوط العثمانية ومذابحها بعدما كانوا يشكلون حوالي 15% من سكانها، اليوم نرى انحصر هذا التواجد وانخفضت النسبة الى اقل من 2 او 1% خاصة في العراق وايران وتركيا.
فهل هذه هي النهاية الاخيرة لوجود المسيحيين في الشرق الاوسط ونحن نراقب نيران الحرب الاهلية تتصاعد وتيرتها في سوريا ولبنان ولا سماح الله قد يصل للاردن. انه سؤال للمناقش هل فعلا وصلت مسيحيتنا الى مرحلة غروبها بعدما كانت مهد ولادتها؟؟؟ سؤال نتركه امامكم اخوتنا القراء الاعزاء للتعليق.
يوحنا بيداويد