الميلاد آت … فهل هناك أمام العراقيين والعالم طريقا ً للنجاة ؟
قبل الفين وعشرة أعوام ولد السيد المسيح في بيت لحم في مذود متواضع ، ليعلمنا بأن التواضع هو قمة العظمة والكبرياء والشموخ ، وبميلاده غيّر التاريخ القديم ، ودوّن تأريخاً جديداً للمصالحة مع الله الذي منح
الإنسان محبته الفائقة ، وأعطاه الحرية والإختيار لنمط حياته على هذه البسيطة ، فماذا جرى لهذا الإنسان ؟
إنه سائر في طريق الهلاك بدل السير في طريق النجاة والخلاص .
في يوم الميلاد : الملائكة أنشدت : المجد لله في العلا وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرّة ، فأين
نحن الآن من كل هذا ، يا ترى ؟
البؤر الساخنة في العالم ، في العراق وفلسطين وأفغانستان والسودان والصومال واليمن وباكستان والشيشان وإيران والجزائر وغيرها من بلدان العالم ، تنوء تحت وزر الحروب الأهلية ، والجرائم الإرهابية ، والعجلة سائرة إلى المزيد من التدهور والويلات التي تخلفها الحروب على الإنسان المعذّب في
كل بلدان العالم دون إستثناء .
ولنتخذ العراق نموذجاً نرى : الإنحدار نحو الأسوأ في خط بياني جلي للقاصي والداني ، فمنذ تأسيس الدولة العراقية سنة 1921 ولحد الآن الإنسان العراقي يبكي لا كما تبكي بقية شعوب العالم ، إنه بكاء نابع
من أعماق ودهاليز الشعور بالظلم الذي لا يستحقه .
كان العراق في العهد الملكي رغمّ قلة الموارد ، فأصبح مكتفياً ذاتياً ، وتصدير الفائض إلى الخارج من
المحاصيل الزراعية والمنتوجات الحيوانية ، وبعد ثورة تموز 1958 بدأ العراق يتقدم بخطوات جريئة نحو
البناء بقيادة عبدالكريم قاسم ، فلم يرق ذلك للإستعمار ودول الجوار ، فأطيح بحكمه في 8 شباط 1963
فكانت الإعدامات على يد الحرس القومي ، ثم إنقلاب عبد السلام على البعثيين ، ثم جاء أخيه عبدالرحمن
فأطيح به في 1968 من قبل البعثيين ، وإستمرت الإعدامات وتصفيات الخصوم ، وتصفية القوى الوطنية
فاصبح البعث الحزب القائد ، وحكم العراق بالحديد والنار ، وجدير بالذكر أن الفترة الذهبية الذي تنفس
العراقي بها الصعداء ، هي الفترة من 1970 لغاية 1974 بعد إتفاقية 11 آذار الذي منحت كردستان الحكم
الذاتي حسب الإتفاقية ، لكن صدام نقض عهده ، في إتفاقية الجزائر مع شاه إيران ، وبعدها تمّ ترحيل قرى
ومدن الشريط الحدودي ، وإستمرت عمليات التعريب والتبعيث ، ثم تبعتها حرب العراق مع إيران ولثمان
سنوات عجاف ، وبعد سنتين خاض حرباً مجنونة على الكويت ، وتداعيات ومأساة الحربين معروفة لكل
العراقيين والعالم ، وبعد فرض الحصار الظالم على العراقيين ولحين سقوط الصنم في 2003 ، تجرعت
الناس الأمرّين ، ولكن هل إنتهت معاناة العراقيين بسقوط صدام ؟
فلول القاعدة وأيتام صدام مع دول الجوار إيران وسوريا والسعودية ، بتداخل المصالح والخوف على
كراسي الحكم ، كلها طحنت الشعب العراقي ، بعد تجسيد حكم المحاصصة المقيت ولا يزال التداعي مستمراً .
المحصلة :
قتل وتشريد وتهجير الملايين من الشعب العراقي ، تدهور الحالة الأمنية ، والسيارات المفخخة تحصد
العشرت والمئات من أرواح الأبرياء ، من قبل من فقدوا ضمير الإنسانية بإسم الدين ، مياه دجلة والفرات
ونهر الكارون حبست تركيا مياه دجلة والفرات بإنشاء السدود وإيران حولت مجرى نهر الكارون
إلى الداخل ، مما يهدد بكارثة على شعب العراق ، وأخيراً إحتلال البئر النفطي في فكا من قبل القوات
الإيرانية وإنزال العلم العراقي ورفع العلم الإيراني مكانه ، وهو خرق للسيادة العراقية والقوانين الدولية .
الإرهابيون يضربون الشعب العراقي في حلقاته الضعيفة ، فيفجرون الكنائس والإعتداء على المسيحيين
والصابئة واليزيديين والشبك بالقتل والخطف والإغتصاب والتهديد وفرض الأتاواة ، حتى باتت مسألة إنهاء وجود بعض مكونات الشعب العراقي من سكان البلاد الأصليين مهددة بالزوال والإنقراض .
يستشف مما تقدّم ، أن العراقيين أمام إمتحان صعب فأما أن يكونوا قلباً ويداً واحدة ، وبذلك يستأصلوا
جذور الإرهابيين ويخلصوا العراقيين من شرورهم ، ويبنوا العراق على أسس العدالة والحرية والديمقراطية فتكون الناس سواسية أمام دولة القاون كأسنان المشط ، بغض النظر عن أي إنتماء ، وليس
أمامنا بمناسبة أعياد الميلاد المجيدة ورأس السنة الجديدة إلا التضرع إلى الله القدير أن يعطف نظره إلى
الشعب العراقي المسكين ويشمله بعطفه وينهي معاناته التي طالت ، ونسأله تعالى أن يمطر كل المعذبين
في الأرض برحمته الواسعة ، وأن يعمّ الخير والسلام أرجاء العالم ، وأن يحبّ الإنسان أخيه الإنسان بما
تحمله كلمة الحبّ من معاني سامية ، ولكن لا نطلب من الله العزيز أن يجد حلاً لمشاكلنا دون أن نحرك
ساكناً ، فما علينا إلا السير في طريق النجاة وهو وحدتنا كشعب عراقي ، صاحب الشهامة والكرم والغيرة
العراقية ، ونبذ كل أشكال التفرقة فنحن أخوة وشركاء في هذا الوطن علينا أن نصونه ونحمي شعبنا من
كل دخيل ، فهل نتوحد ونتعض ، نأمل ذلك من الأعماق ، ( فالله لا يغيّر ما بقوم إلا أن يغيروا ما بأنفسهم)،
وكل عام والجميع بألف خير .
منصور سناطي
mansoorsanaty@yahoo.ca