"تركيا وكوردستان العراق: الجاران الحائران": قراءة هادئة في علاقات تركيا الصاخبة مع الكورد

المحرر موضوع: "تركيا وكوردستان العراق: الجاران الحائران": قراءة هادئة في علاقات تركيا الصاخبة مع الكورد  (زيارة 390 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل 3adl

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 52
    • مشاهدة الملف الشخصي



"تركيا وكوردستان العراق: الجاران الحائران": قراءة هادئة في علاقات تركيا الصاخبة مع الكورد


لا يعد عنوان هذا الكتاب "تركيا وكوردستان العراق: الجاران الحائران" للكاتب بيار مصطفى سيف الدين، مجرد ضرورة علمية؛ بحثية تلزم الباحث بوضع عنوان لأي كتاب جديد، بل هو عنوان يعبر، بل يكاد يختزل تلك العلاقة الحائرة التي ربطت بين الحكومات التركية المتعاقبة من جهة، وبين كوردستان العراق من جهة أخرى. ولعل مبعث هذه الحيرة، والإشكالية المزمنة، ينبع من خصوصية العلاقة التي تربط بين إقليم يناضل ويعمل لأجل التغلب على سنوات القمع والاضطهاد والتشرد الماضية، ويمحي الإرث الثقيل لديكتاتورية مقيتة، ويسعى الى تكريس وضع مزدهر آمن، وبين دولة مثل تركيا تملك إمكانيات إقتصادية وعسكرية هائلة، وعضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو) بحيث تشكل رقما صعبا في معادلات الشرق الاوسط، بمعزل عن اتفاقنا مع سياسة هذه الدولة او اختلافنا معها.

وأهمية الكتاب الذي صدر مؤخرا عن دار الزمان (دمشق ـ 2009) تأتي من هذه النقطة تحديدا، بمعنى أن الباحث يتصدى لمسألة هي من التعقيد والتشابك والالتباس بحيث يتردد أي باحث في الخوض فيها. لكن الباحث سيف الدين أراد ان يتناول هذه المسألة الحساسة، كونها تمس الكورد أولا، وتمس شعوب الشرق الأوسط ثانيا، لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار أن القضية التي تشغل بال الساسة الاتراك وجنرالاتها في الداخل التركي نفسه هي القضية الكوردية التي لا يمكن فصلها، بأي حال، عن القضية الكوردية عموما بمختلف تعرجاتاها وانعطافاتها وتطوراتها التاريخية وصولا الى واقعها الراهن.

ولعل التردد والحذر من قبل الباحثين هو الذي أدى الى "نقص فادح في الابحاث العلمية المعمقة المتوفرة عن تركيا في مكتبات كوردستان العراق" كما يلاحظ سيف الدين الذي يشكو من ان تلك الدراسات على قلتها "تتسم بالتركيز على الأبعاد والجوانب السياسية للمسألة، دون الخوض في خلفياتها التاريخية"، وهو ما يفضي، كما يرى سيف الدين، الى "قصور واضح في فهم أبعاد المشكلة، وخفاياها".

وبغرض تحقيق هذا الهدف، وتقديم بحث مغاير، فإن الباحث يهتم في القسم الأول من كتابه بالفترة التي اعقبت انتهاء الحرب العالمية الاولى (1914 ـ 1918) وحتى انتهاء مشكلة الموصل، تلك الفترة التي تحددت خلالها الملامح النهائية للخرائط الجديدة لمنطقة الشرق الأوسط، والضرورية لفهم سياسات كل من العراق وتركيا إزاء الكورد، وبعدما يسعى الباحث الى الإجابة في هذا القسم على عدد من الأسئلة المتعلقة بالقضية الكوردية، وكيف ضاع مشروع دولة كوردستان المقرر في معاهدة "سيفر"، ينتقل الى القسم الثاني من الكتاب الذي يتضمن بحوثا تتمحور حول سياسات تركيا نحو كوردستان العراق، ومدى أهمية تركيا بالنسبة لإقليم كودستان العراق، وهو يتناول بالتحليل الاسباب التي دفعت تركيا الى التعامل الوثيق مع "دولة الأمر الواقع الكوردية"، بحسب وصفه، منذ العام 1992 وحتى العام 2003 ثم عزوفها عن إقامة اي نوع من العلاقات مع الإقليم ذاته.

هذه بعض العناوين التي يحاول الباحث من خلالها تحليل وتقييم سياسات تركيا في الواقع الكوردي في العراق وتركيا، موضحاً العوامل والأسباب التي جعلت تركيا تنحى منحيً جديداً في سياستها نحو الكورد. ويرى سيف الدين ان تأثير القضية الكوردية في السياسة الخارجية التركية تعاظم منذ الربع الأخير للقرن العشرين، بسبب التطورات الداخلية التي شهدتها الساحة التركية نفسها إثر قيام حزب العمال الكوردستاني، والمتغيرات الدولية والإقليمية الكبيرة التي شهدها العالم ومنطقة الشرق الأوسط متمثلة في انهيار الاتحاد السوفيتي واجتياح العراق للكويت وحدوث الانتخابات المحلية (الإدارة الذاتية) في كوردستان العراق، واتخاذ (العمال الكوردستاني) جبال قنديل ملاذا للقيام بمواجهات عسكرية ضد تركيا، إذ دفعت هذه المستجدات الجديدة القضية الكوردية إلى واجهة الملفات في السياسة الخارجية التركية، لتتبوأ تدريجياً مكان الأولوية كتهديد جدي لمنظومة الأمن التركية.

مصطفى كمال أتاتورك (أبو الأتراك) وباني تركيا الحديثة، استطاع خداع بعض ساسة وزعماء الأكراد، فادعى أتاتورك بأنه "منقذ كوردستان" وسيبذل الجهود في سبيل إعطاء الكورد حقوقهم. ولم تقتصر سياسة أتاتورك على هذا الحد، بل أمتدت إلى حد  ـ مثله مثل السلطان عبد الحميد ـ تحريض الكورد على الأرمن، وحذرهم من ان "الأرمن سوف يؤسسون دولة يدعمها (الحلفاء) على حساب كوردستان".

وتزامنا مع ذلك أبرق أتاتورك إلى نائب كردي (والي دياربكر) في برقية سرية، بضرورة محاربة وحل كل الجمعيات التي تهدف إلى "زرع الشقاق في البلاد" وبالأخص "النادي الكوردي"، وبالمحصلة استطاع أتاتورك التأثير على الكورد وتمكن من إبعادهم عن بريطانيا تخوفا من استغلال الأخيرة للواقع الكردي، وإبعاد يد الأتراك كليا عن الموصل.

هذا التاريخ البعيد الذي يسرده سيف الدين هو الذي ساهم في تشكيل طبيعة العلاقات السياسية اللاحقة والراهنة، فالتجاهل الدولي لكوردستان إثر ضغوطات أنقرة في المحافل الدولية، أدى إلى تشديد الخناق على حكومة كوردستان الفتية التي تشكلت مطلع تسعينات القرن الماضي في كوردستان العراق،  مما أدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية وتفشي البطالة، وبالتالي إلى مضاعفة التوتر بين الحزبين التقليديين في كوردستان العراق: الاتحاد الوطني الكوردستاني، والحزب الديمقراطي الكوردستاني اللذين دخلا في صراع استطاعت قيادتا الحزبين تجاوزه، وفتح صفحة جديدة تمثلت في الشراكة والتنسيق والتعاون وهو ما انعكس ايجابا على مختلف المجالات في كوردستان العراق.

وفي الوقت الذي تنشط فيه تركيا حاليا على الصعيد الإقليمي، وتبحث عن دور استراتيجي وتسعى لبناء حلف نشط يساهم في استقرار المنطقة، غير ان هذا الدور سيقى ناقصا إنْ لم تنجح انقرة في تمهيد أوضاع مناسبة تخولها للعب ذاك الدور. ولعل جانبا كبيرا من النجاح الذي تطمح اليه أنقرة يتمثل في حل مشاكلها مع كورد العراق، وأن تظهر موقفها الواضح إزاء مسألة كركوك التي تتمتع بحساسية بالغة في الذهنية الكوردية، فهذه المدينة توصف في الأدبيات الكوردية بـ "قدس اقداس الكورد"، وأن تعزز انقرة، كذلك، سياساتها المتعلقة برغبتها في حل القضية الكوردية لديها سلميا، وعبر الحوار.

وليس من المرجح ان يسهم تصريح لرئيس تركيا عبد الله غول يقول فيه "أنقرة لا تستطيع تجاهل مصلحة الأقلية التركمانية في شمال العراق والتي تشكو من تعرضها للاضطهاد من جانب الأكراد"، ليس من المرجح ان يسهم مثل هذا التصريح في تنقية الأجواء بين الجارين الحائرين. استطرادا، على الساسة الأتراك ان يستوعبوا ان طريق تركيا الشاق إلى الاتحاد الأوروبي، واستقرار وضعها الداخلي، لا يتم إلا عبر دياربكر، اي عبر تسوية عادلة للقضية الكوردية في الداخل التركي، وكذلك تكريس علاقات جيدة مع الإقليم الكوردي المتاخم للحدود التركية، وهنا يؤكد الباحث على أن التداخل الجغرافي والسياسي والعلاقات التي تربط بين الكورد على طرفي الحدود لا يمكن التغاضي عنه، وفي مقدور كورد العراق لعب دور على صعيد القضية الكردية داخل تركيا ذاتها، إن شعروا بصدقية وإيجابية النوايا التركية.

ويراهن سيف الدين على حكومة رجب طيب أردوغان ويراها معنية أكثر من غيرها بتغيير نظرة الدولة التركية التقليدية إلى الكورد، وإذا كانت هذه الحكومة تنحدر حقيقةً من جذور وإيديولوجية إسلامية، فإن عليها حث "شعب كركوك" بمختلف اثنياته ودياناته على التعايش بروح من التسامح والأخوة، وكذلك النظر الى تطلعات ومطالب كورد تركيا على انها مطالب عادلة، لا اختزالها ومحاولة حلها بالطرق الأمنية والعسكرية التي لم تزيد القضية إلا تعقيدا، وتوترا.

ورغم القضايا والأسئلة الشائكة التي يطرحها الباحث، فإنه يركز في جميع مواقع الكتاب على الحوار كوسيلة للوصول الى حلول لمختلف المشاكل العالقة بين الجارين الحائرين، ذلك ان الكثير من الحقائق تبقى غائبة أو مغيبة في ظل أجواء الشك والجفاء والقطيعة، ومن هنا فإن المدخل الرئيس لحل الخلافات هو البحث عن صيغ تمهد للنقاش الجاد والحديث المباشر والحوار الشفاف الكفيل بردم هوة الشقاق، والسير نحو تعايش حضاري؛ سلمي يضمن للجميع حقوقه العادلة.
 




http://pukmedia.com/News2/26-12-2009/news16.html