الأم برنارد في ذمة الخلود
الأربعاء 12/30/09
"جاهدتُ الجهاد الحسن وأتمَمتُ شوطي وحافظتُ على الايمان.
والآن ينتظرني، إكليلُ البِر الذي سيُكافئني بهِ الرب الديّانُ العادل في ذلك اليوم، لا إيّايَ فقط، بل جميعَ الذينَ يشتاقون إلى ظهوره أيضاً" (2تيم 4/ 7-8) .
سيادة الحبر الجليل المطران سرهد يوسب جمو راعي أبرشية مار بطرس الكلدانية في أميركا السامي الإحترام
سيادة الحبر الجليل المطران باوي سورو السامي الإحترام
حضرة الآباء الكهنة المحترمين
إخوتي الشمامسة الأعزاء
أخواتي الراهبات الفاضلات
أيها المؤمنون الكرام
نودِّعُ اليوم في هذه الكاتدرائية بحزنٍ وأسى وجهاً رهبانيّاً حبيباً وأصيلاً، أُماً فاضلة ورسولة غيورة، إنها الأم برنارد صائب إبراهيم من رهبانية بنات مريم الكلدانيات.
-الأم برنارد من مواليد أرميا في ايران على الأغلب عام 1918، حيث توفي والداها أثناء الحرب العالمية الاولى وهي لا تزال طفلة صغيرة جداً.
- انتمت إلى رهبانية بنات مريم الكلدانيات في بغداد وقُبِلَت فيها كطالبة في 4 تشرين الأول 1931.
- لبِسَت الثوبَ الرُهباني في 8 كانون الأول 1932.
- جاهرت بنذورِها الاولى في 19 آذار 1935.
- جاهرت بنذورِها المؤبّدة في 8 كانون الأول 1944.
- حصلت على شهادة الثانوية العامة من بغداد عام 1944 بتفوّق، وأعطيت زمالة دراسية لإكمال دراستها في الخارج، ولكن الرهبانية لم تسمح لها لحاجتها الماسة إليها آنذاك للعمل في مدارس الرهبنة الفتية. كانت ذا ذكاء خارق فعملت على تثقيف نفسها بنفسها.
- عمِلَت معلِّمة ومديرة في مدارسِ الرهبانية منذ تخرّجِها عام 1944 حتى الثمانينات وذلك في مدرسة راهبات الكلدان في عقد النصارى، ومدرسة أم المعونة في الموصل، ومدرسة مار يوسف في كركوك ومدرسة الفيحاء في البصرة، ومدرسة الإبتكار الحكومية في شارع فلسطين، في بغداد.
- انتخبها المجمع العام الرهباني رئيسة عامة للرهبانية في آب 1959 وحتى آب 1985، وبعده انتُخِبت نائبة عامة للرهبانية في آب 1985 وحتى نيسان من عام 1992.
- في عهدها تمّ فتح معظم رسالات الرهبانية، خاصة خارج العراق: في ايران وايطاليا والكويت وأميركا ولبنان ودولة الإمارات العربية المتحدة، بالإضافة إلى تأسيسها مدارس عدة في بغداد والمحافظات. لا أريد أن أشيد بما قامت به جملةً وتفصيلاً، فالرب هو المجازي العادل عن كل أعمالها، ولكن يكفي أن دار استراحة السامري الصالح للمسنين، هذا المَعلَم العظيم الذي أنشأته في سان دييكو عام 2000 سيخلّد اسمها مدى التاريخ.
- انتقلت إلى رحمته تعالى فجر الأحد الماضي 27/12/2009 في مدينة سان دييكو عن عمر يناهز الواحدة والتسعيــن، سلختْ منه أكثرَ من ثمان وسبعين سنة في الرهبانية، في العملِ الجدّي والعطاءِ المجّاني والسخاءِ الذي لا يعرفُ الحدود، والتضحية التي لا تُقاسُ بالأيّامِ والسنين، إلى أن ذابتْ كلُّها كالشمعة أمامَ القربان.
لقد كرست الأم برنارد كل حياتها للرب، تكريساً مطلقاً، جذرياً ونهائياً، منقطعة عن العالم ومغرياته لتعيش عيشة مستترة مع المسيح الذي اختارته الضروري الأوحد لحياتها، واعتبرت كل ما دونه نفاية. امتازت حياتها على وجه الخصوص بتقوى منقطعة النظير، فقد كانت راهبة تقية ونفساً مصلّية، وكم سمعتها تردّد قائلة: في الصلاة تكمن كلّ قوّتي، وكل مشكلة لا أجد لها حلاًّ إلاّ عند أقدام يسوع في القربان. كانت محبة للفقراء وتحسن إليهم بالخفاء وكم سمعتها تقول: لا تُرجعوا فقيراً يطرق باب الدير، إلاّ وتعطونه مما عندكم.
أمّا بالنسبة لخدمتها في الرهبانية خاصة في فترة رئاستها فحدّث عنها ولا حَرَج. فكل حياتها اتّسمت بروح الالتزام وبذل الذات، فعلى مثال الوكيل الأمين، قدّمت كلّ ما كانَ مطلوباً منها، بأمانة ومجّانيّة وبروح انجيلية وكنسية ورهبانية عالية. إنها سَعَت سَعْياً حثيثاً لِتَرقَى بمستوى الرهبانية في كِلا الحقلين الروحي والزمني، وتغرِسَ في الجميع محبةَ الله والكنيسة والفضائلَ والآداب. عمِلت جَهدها لِتنهلَ الأخوات من العلوم الدينية والزمنية ما استطعنَ إلى ذلك سبيلاً. أعطت أخواتِها مثلاً صالِحاً في المتاجرة بالوزنات التي وهبها إيّاها الرب، وسكبت عليهنَّ عُصارةَ خِبراتِ حياتِها ليكُنَّ راهباتٍ صالحاتٍ وقديسات. تعلّقت برهبانيتها تعلّق الإبن بأمه متخذة إياها سلّماً للوصول إلى الله وإلى الإنسان. لم تهتم مطلقاً أنها كانت دون أهل طيلة حياتها، لأنها أعطت قلبها كله بالكامل لله تعالى.
بالحقيقة أنا لا أستطيع أن أختصر عمرها الرهباني بكلمات أو صفحات، وإنما أستطيع أن أقول إنّها عاشت حياتها الرهبانية بأمانة فائقة مكملة كل الواجبات التي أسندت إليها بحرص وتفانِ منقطعي النظير، وعليها ينطبق تماماً ما قاله النبي ايليا: "غيرة بيتك أكلتني يا رب". إنها كانت تؤمن أن قداستها هي في أمانتها لواجباتها. إنّ أمانتك ومحبتك للرهبانية وكل إنجازاتك وكل بصماتك ستبقى راسخة في ذاكرة الرهبانية كلها وستخلّد اسمك وستبقين فيها رمز الحب والأمانة والبذل والعطاء والتجرد. لقد كنتِ وستبقين وأنت الآن في السماء أحد الأعمدة الأساسية والرئيسية فيها.
فبعد رِحلةِ العمرِ الطويلة وكفاحِ الأيّام والسير بأمانة لا تعرفُ التعب، ها إنك اليوم مستعدةٌ للقاء الختنِ السماوي ومصباحُك مليءٌ بزيت الفضائل على مثالِ العذارى الحكيمات للمشاركة في عُرسِ الحَمَل. ويحقّ لك الآن أن تردّدي ما قاله بولسُ الرسول إلى تلميذِه تيموثاوس: "جاهدت الجهاد الحسن وأتمَمتُ شوطي وحافظتُ على الايمان. والآن ينتظرني، إكليلُ البِر الذي سيُكافئني بهِ الرب الديّانُ العادل في ذلك اليوم، لا إيّايَ فقط، بل جميعَ الذينَ يشتاقون إلى ظهوره أيضاً" (2تيم 4/ 7-8) .
نسألك اليوم يا أمنا أن تصلّي من أجل أمنا الكنيسة وعلى وجه الخصوص من أجل كنيسة العراق المتألمة لتبقى راسخة في ايمانها ومحمية من كل هجمات العدو في هذه الأيام الصعبة. صلي من أجل وطنك الحبيب العراق لينعم بالسلام. صلّي من أجل رهبانيتك التي أحببتها كثيراً، كي يبقى نور الرب متلألئاً فيها وكي تحلّ عليها بركات السماء، وكي يعوّضنا الرب عنك بدعوات كثيرة صالحة وقديسة. نسألك أن تشفعي لدى الرب لكل أخت من رهبانيتك كي تعيش أمينة لتكريسها ونذورها.
وفي الختام أُقدّمُ شكري العميق وامتناني باسمي شخصياً ونيابة عن رهبانية بنات مريم الكلدانيات إلى سيادة الحبرِ الجليل المطران مار سرهد يوسب جمو، وسيادة الحبر الجليل مار باوي سورو على اشتراكهما في القداس ومراسيم الجناز لأختنا المرحومة مامير برنارد. أشكر الآباء الكهنة والشمامسة الحاضرين معنا الآن وكلَّ من شاركنا بحضوره وصلاتِهِ عن راحةِ نفسِها. أشكر كل الأخوات اللواتي خدمنها في سنواتها الأخيرة، وعلى وجه الخصوص، أشكر الأخت بربارة على كل الخدمات التي قدّمتها لها من أجل راحنها. جزا الربُ الجميعَ كلّ خير، وليبعد عنكم كل مكروه.
تعازيّ القلبية لكل أخواتي في رهبانية بنات مريم لأنهنّ فقدنَ فيك أختاً عزيزة لا تعوّض. ارقدي بسلام يا أمنا الجليلة في ديارِ الخلود وليتغمّدكِ الرب برحمته الواسعة ولينعم علينا جميعاً بنعمة الصبر والسلوان على فراقك. وليكن ذكرُكِ مؤبّداً.
الأخت فيليب قرما
من بنات مريم الكلدانيات