الحوار مع المسلحين..بهدوء
عبدالمنعم الاعسم
aalassam@hotmail.comامر معروف، ولا شك فيه، ان فكرة الحوار مع مجموعات عراقية تحمل السلاح، من قبل الرئيس العراقي جلال طالباني، لا تحظى بالقبول او الارتياح من بعض الفئات والشخصيات السياسية في العراق، وإذا شئنا الدقة هنا، فان معارضي هذا الحوار يمكن ان نرصدهم في معسكر ما يسمى بالمقاومة مثلما نجدهم في معسكر العملية السياسية، مع اختلاف وتناقض لهجة، ومضامين، هذه المعارضة واتجاهاتها.
معارضو الحوار في صفوف حمَلَة السلاح هم المرتبطون بالمشروع الارهابي من تنظيم القاعدة وفلول النظام الدكتاتوري القديم، وهم لا يفصحون في الغالب، بوضوح، عن برنامجهم السياسي البديل عن عهد التغيير، باستثناء عبارات متناثرة يطلقها ممثلو الجماعتين وتحمل ، مرة، الدعوة الى استعادة” الشرعية” في اشارة الى النظام السابق، ومرة اخرى الى تحقيق حكم الخلافة الاسلامية في العراق، ومرة ثالثة، الدعوة الى حكم يعلن فيه صدام حسين كخليفة “خامس” للمسلمين من “بلاد الرافدين”.
غير انه من الطبيعي، ان لا يجد المحلل الموضوعي سهولة في ترسيم الحدود بين من يحمل السلاح لمقاتلة الاجنبي(فقط) وبين من يحمله لمقاتلة الاجنبي سوية مع من يتعامل معه أو يواليه أو ينأى بنفسه عن السلاح او” يعارض الاحتلال بالعمل السياسي” ويبلغ التعقيد، هنا، ذروته في توصيف الاعمال المسلحة، كمقاومة مشروعة او كاعمال ارهابية، فليس ثمة ما يفرق بين هجوم يستهدف القوات الاجنبية، وآخر يطال الشرطة العراقيين والمساجد والاسواق وحافلات نقل الطلاب والموظفين، وقد حدث لمئات المرات وسقط عشرات الالوف من الضحايا المدنيين في عمليات مروعة واجرامية لم يكن ليعرف ما اذا كان الهدف منها رتلا عابرا من القوات الاجنبية، ام ان هدفها هو معاقبة الملايين العراقية التي لا تتعاطف مع الاعمال المسلحة واهدافها، ويُعتقد بان غياب الخيط الفاصل بين نمطين من الهجمات ربما احرج الجماعات المسلحة التي تحرّم ايذاء المدنيين وتعارض النزعات التكفيرية والانتحارية على حد سواء.
وفي الجانب الآخر، فان بعض الانصار والمشاركين في العملية السياسية من مناهضي خيار الحوار لا يقدمون حلولا من شأنها حقن الدماء وانهاء وتفكيك بؤر الارهاب والجريمة المنظمة غير حل واحد هو الردع العسكري والمليشوي، وهم لا يرون، عن قصد او عن جهل، حقيقة ان الاعمال المسلحة التي تندلع في المناطق الغربية والوسطى وبغداد قد جرّت الى صفوفها قطاعات من العشائر والشخصيات والشرائح التي لم يكن ليجمعها جامع مع قوى الارهاب الدولية ولا مع بقايا النظام السابق.
قبل هذا كله، فان الرئيس طالباني، ومنذ اطلاقه مبادرة الحوار مع جماعات عراقية مسلحة، اعلن، بوضوح شديد، وبكلمات لا يطالها التأويل، بان الامر لا يشمل الزرقاويين ولا الصداميين، في سياقٍ يقطع الطريق على محاولات وضع المبادرة خارج خصوصيتها، وخارج الغيرة على سلامة ووحدة العراق، وقد كان بوسع الباحثين عن جدوى الحوار واهميته وحيويته وضرورته وحكمته استعادة المعنى الكامن وراء القول بان من مسؤولية رئيس الدولة، بل ومن واجبه، ان يستمع الى آراء المواطنين ويبحث معهم سبل حل المشاكل والازمات.
باختصار، لقد وجدت فئات عراقية نفسها في دوامات العمل المسلح، لاسباب عديدة، من بينها الردع الاعمى، والمعاقبة الجماعية، والتجييش الطائفي، واجواء الريبة، وخطايا وممارسات الاحتلال، ونعرات الانتقام، وصعوبات المعيشة، والتأليب الخارجي، ، وشعر، فيما بعد، الكثير من وجهائها ومراجعها بان المضي قدما في الاعمال المسلحة سينتهي الى هد الدولة العراقية على رؤوس الجميع، ما ينبغي التفكير في حلول وسط قد تحفظ ما يمكن الحفاظ عليه وتوفر دماء الابرياء وتوقف مسلسل الدمار وتضمن، في نهاية المطاف، انهاء الوجود العسكري الاجنبي في العراق.
ــــــــــــــــــــــــــ
..وكلام مفيد
ــــــــــــــــــــــــ
“مجانين إن لم نستطع ان نفكّر، ومتعصبون إذا لم نردْ ان نفكر، وعبيد إذا لم نجرؤ ان نفكّر”.
افلاطون[/b][/size][/font]