نحن لم نصمت


المحرر موضوع: نحن لم نصمت  (زيارة 846 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل جاسم الحلوائي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 96
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
نحن لم نصمت
« في: 14:49 14/01/2010 »
نحن لم نصمت
جاسم الحلوائي
jasemalhalwai@hotmail.com
نشر د. سيّار الجميل بتاريخ 5 كانون الثاني 2010 في موقع "الناس" وربما في مواقع أخرى، دعوة تحت عنوان "مشروع ذاكرة تاريخية عراقية.. القسمان -1- و-2-" و كان القسم الأول بعنوان " نصف قرن على مأساة الموصل 8 آذار / مارس 1959" وبدأه بعنوان فرعي " دعوة للجميع" وقد استهله بما يلي:
" نظرا لما يسود من صمت وخفايا حتى يومنا هذا على ما حلّ بالموصل من انقسامات ومآس وكوارث وصراعات منذ بدء الحكم الجمهوري في العراق في 14 تموز / يوليو 1958 حتى يومنا هذا ، فقد وجدنا من الضرورة البدء بهذا "المشروع"، ودعوة كل من يمتلك أية معلومات أو أوراق أو صور وشواهد عن أحداث الموصل المأساوية عام 1959 وما سبقها وما تلاها .. يمكنه أن يشارك بها ضمن هذا " المشروع : المفتوح لذاكرة تاريخية عراقية . لقد اخترنا أن يكون هذا " الموضوع " عن مأساة الموصل ، بداية أولى بعد مرور نصف قرن على الأحداث المريرة التي عاشتها .. ". (رابط قسمي الموضوع مرفق بهذه المقالة).وجاء في هذا القسم أيضاً ما يلي:
" صحيح أن هناك من كتب بعض ذكرياته عن الأحداث التي شهدها أو ساهم في صنعها ، ولكن لم أجد أي اهتمام يذكر بكل ما حدث من قبل الشيوعيين مثلا مقارنة بما سجله البعض من القوميين ، ومنهم الأساتذة المؤلفين...الخ. ويقول أيضا: " كلنا يدرك لماذا الصمت ؟ ولماذا يلزم المرء نفسه بالصمت ؟ وتلك من أقسى حالات القسر السايكلوجي .. بحيث يصمت المرء مخافة لما قد يحسب عليه سياسيا واجتماعيا ! ومخافة تبدل الأوضاع ! ومخافة سطوة المجتمع وقسوته قبل السلطة وتبدلاتها وما عانى منها الناس !"
إن معلومات الدكتور سيّار الجميل غير صحيحة بقدر ما يتعلق الأمر بالشيوعيين. فإذا ما تصفحنا وثائق الحزب الشيوعي العراقي وأدبياته، وخاصة مجلة الثقافة الجديدة، لعثرنا على عدد من الدراسات الجادة للشيوعيين، إضافة إلى ما ورد في كتب ألفها شيوعيون عراقيون ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
1 ـ مذكرات الفقيد زكي خيري "صدى السنين في ذاكرة شيوعي مخضرم"، حيث تناول الموضوع بشكل مرّكز في الصفحة 204 وما يليها وينتقد أخطاء الحزب ويخلص إلى القول "وهكذا تحمّل الحزب جريرة بضعة أعضاء من أعضائه كانوا ملكيين أكثر من الملك تجاه المتمردين. وقد تحرج موقف الحزب الشيوعي".
2 ـ الكتاب المعنون "سلام عادل، سيرة مناضل"، تأليف ثمينة ناجي يوسف (زوجة الشهيد سلام عادل) ونزار خالد اللذان كرسا الفصل الثالث والثلاثون لأحداث الموصل وهو الفصل الأخير من الكتاب الأول، الطبعة الأولى، الصادر من دار المدى للنشر والثقافة في بغداد عام 2001. والفصل يشمل 27 صفحة من القطع الكبير وهو تحت عنوان "مؤامرة عبد الوهاب الشواف 8 آذار/مارس 1959.
3 ـ كتاب المؤلف عزيز سباهي في ثلاثة أجزاء " عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي" منشورات الثقافة الجديدة ـ بغداد 2003. وقد كرس المؤلف الفصل السابع عشر للموضوع وشمل 44 صفحة من القطع الكبير وتحت عنوان "من الصراع السياسي إلى التآمر والتمرد العسكري ـ مؤامرة الشواف
4 ـ المؤلف الأستاذ حامد الحمداني وهو شاهد عيان وشيوعي سابق كتب 12 صفحة تحت عنوان " انقلاب العقيد الركن عبد الوهاب الشواف في الموصل" في الفصل الثالث من كتابه "صفحات من تاريخ العراق الحديث ـ الكتاب الثاني"، وأكمل الموضوع بتدوين عواقب الانقلاب في الفصل الخامس. والكتاب إصدار دار النشر ميشون ميديا ـ السويد، الطبعة الأولى 2005 والكتاب موجود في موقعه الشخصي. ونشر الموضوع حديثًاً وهو موجود في العديد من المواقع الالكترونية تحت عنوان " شهادة للتاريخ ـ حقيقة أحداث الموصل قبل وبعد انقلاب العقيد الشواف" 
5 ـ كتاب "محطات في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي" من تأليف كاتب هذه السطور، وهو بمثابة قراءة نقدية لكتاب " عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي" المذكور في رقم 3، إصدار دار الرواد المزدهرة للثقافة والنشرـ بغداد 2009. الكتاب موجود في مكتبة التمدن وكذلك في مكتبتي موقع الناس وموقع ينابيع العراق الالكترونيتين. وقد كُرس الفصل السابع للموضوع تحت عنوان "مؤامرة الشواف في الموصل"  وهو ملحق بهذا المقال.
فهل بعد كل هذه يمكن الإيحاء بأن الشيوعيين لائذون بالصمت ومن ثم تفسير ذلك بتفسيرات أقل ما يقال عنها أنها غير مبررة ومضرة، كالقول: "... بحيث يصمت المرء مخافة لما قد يحسب عليه سياسيا واجتماعيا ! ومخافة تبدل الأوضاع ! ومخافة سطوة المجتمع وقسوته قبل السلطة وتبدلاتها وما عانى منها الناس !".
يشير د. سيّار الجميل في دعوته إلى أنه " ينبغي القول إن قراءتنا لما سجله المؤرخ حنا بطاطو في كتابه المعروف عن الطبقات الاجتماعية في العراق من معلومات حول أحداث الموصل عام 1959 ، تنبؤنا عن جملة أخطاء كبيرة وانتهاكات خطيرة ارتكبها حنا بطاطو ، وينبغي على المؤرخين والباحثين العراقيين الانتباه لها .. كما أن انحيازا واضحا يعلنه بطاطو لطرف على حساب أطراف أخرى!".
أعتقد أن توجيه الاتهام لمؤرخ بارتكاب أخطاء كبيرة وانتهاكات خطيرة لا يمكن أن يتم بدون ذكر أدلة ملموسة. ولا أظن بان الدكتور نفسه أو أي مؤرخ آخر يقبل أن يقال عنه ذلك بدون أدلة. وأين أعلن بطاطو انحيازاً واضحاً؟ أن المنطق يشير إلى صعوبة إعلان مؤرخ انحيازه لطرف على حساب أطراف أخرى في صراع اجتماعي وسياسي مهم وخطير. لقد قرأت مجدداً الفصل الذي كتبه بطاطو عن أحداث الموصل ، ولم أجد فيه إعلاناً واضحاً عن تحيز ما. أرجو أن يدلنا الدكتور على ذلك الإعلان الواضح، في أية صفحة وماذا قال نصاً.
لقد كرس الباحث والمؤرخ حنا بطاطو مؤلف كتاب "العراق ـ الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية" (لم أعرف لماذا لم يذكر الكاتب سيُار الجميل أسم الكتاب كاملاً، حسب الأصول، فلأسماء الكتب مدلولاتها، وحذف منه "والحركات الثورية") فصلا كاملاً للموضوع في الجزء الثالث من كتابه تحت عنوان "الموصل آذار/مارس 1959". هناك بعض الأخطاء المعلوماتية في كتاب بطاطو، وقد أشرت إلى بعضها والتي تتعلق بأسماء الشيوعيين وبمراكزهم الحزبية في مقدمة كتابي الذي مر ذكره، ولكنني أكدت إلى أن تلك الأخطاء لا يمكن أن تؤثر كثيرا على الأحكام والاستنتاجات السياسية والفكرية للمؤلف. وباعتقادي أن تلك الأخطاء غير مقصودة.  ومن الصعوبة بمكان التشكيك بحيادية ونزاهة ومهنية بطاطو، ولا يمكن اتهام الفقيد  بطاطو بالانحياز لجهة على حساب جهات أخري، فليس هناك من مسوغ أو باعث لمثل هذا التحيز. وكتاب الفقيد حنا بطاطو هو أحسن وأشمل ما كتب عن العراق المعاصر لحد الآن، ليس في نظري فقط، بل من وجهة  نظر الكثيرين. وهو منجم معلومات على حد تعبير المؤلف جرجيس فتح الله.
يشير الكاتب د. سيّار الجميل إلى "إن تاريخ تلك الأحداث لم يسجل كما حدث في بضعة أيام ، عندما تبخرت السلطة فجأة ، واختفي الأمن الرسمي وتشرذم الجيش وسيطرة مليشيات المقاومة الشعبية على الشوارع ومراكز الشرطة فتعرضت البلدة إلى الاستباحة التي دامت أياما"
توحي هذه الصيغة وكأن المقاومة الشعبية استباحت المدينة ولكن  الأمر سيتضح بغير ذلك من خلال ما ورد في القسم الثاني من الموضوع، عندما يذكر الكاتب " ثمة أحداث مأساوية حدثت على هامش الأحداث الكبرى ، وخصوصا بعد انفلات الأمور عندما غدت المدينة بأيدي عصابات ودخلاء وأجراء .. وجرت تصفية حسابات اجتماعية وعبّر البعض عن أحقاده وثاراته قتلا وتدميرا .. نهبا وتشنيعا ..". فالاستباحة حصلت على هامش تلك الأحداث ولم يكن للشيوعيين أو المقاومة الشعبية دخل فيها، وأكد لي ذلك، وأنا أكتب هذا المقال، الكاتب حامد الحمداني وهو شاهد عيان. ولنا عودة لدور المقاومة في الموصل بعد قليل.
وهل من الصحيح تسمية المقاومة الشعبية بالمليشيات وهي التي تشكلت بقانون من الحكومة في  الأول من آب 1958 ودعت الحكومة الشباب إلى التطوع فيها وكان الإقبال عليها كبيراً. (راجع تاريخ الوزارات العراقية في العهد الجمهوري، السيد عبد الرزاق الحسني، ص 151). وبذلك فهي جزء من القوات المسلحة العراقية، وكان كل ضباط المقاومة الشعبية من الجيش العراقي كما كان سلاحها في مراكز الشرطة.
وقد وجه الحزب الشيوعي العراقي في 6 آب 1958 نداء إلى الشعب دعاه فيه إلى الانخراط في جيش المقاومة الشعبية وأعلن فيه عن تأييد الحزب القاطع لخطوة الحكومة في تشكيلها، وأنه يضع كل قواه تحت تصرف الجمهورية. وعندما حُلت المقاومة الشعبية بقرار حكومي لم يبق لها أي أثر. لقد كانت المقاومة الشعبية جيش شعبي رسمي، مؤسسة حكومية. مع ذلك لا يمكن نكران أن المقاومة الشعبية قد تحولت إلى أداة استخدمت في حل الخلافات السياسية ومن هنا الموقف المتباين منها. لقد قيل الكثير عنها ودس عليها خصومها أحيانا وبولغ في أخطائها. إلا أن المرء لا يمكن أن يعفيها من كثير من التجاوزات التي أقدمت عليها، وبعضها بتشجيع من قيادة السلطة ذاتها أو بعلمها على الأقل. (راجع كتاب عزيز سباهي المذكور أعلاه، الكتاب الثاني: ص293).
***
في القسم الثاني من الموضوع، وهو بعنوان "ذكريات تاريخية صامتة ومؤلمة" وهي مؤلمة حقاً ولكنها ليست صامتة كما رأينا، يذكر د. الجميل ما يلي: " وعلينا ، منذ البداية أن نكون منصفين وحياديين وموضوعيين .. ومتجردين من أية عواطف سياسية ، أو أية علاقات أيديولوجية في تقييم ليس هذه الأحداث فحسب ، بل في كتابة كل التاريخ ، وخصوصا تاريخنا العراقي الذي يلازمه الانقسام دوما ..”
هذا ما نتمناه، ولو أن الإنصاف والحياد والموضعية المطلقة غير ممكنة في كتابة التاريخ مادام الإنسان يكتبه. فكاتب التاريخ يضفي، شاء أم أبى، وإلى هذا الحد أو ذاك، شيئا من ذاته على ما يكتب. مع ذلك من الممكن كتابة التاريخ بقدر كبير من الإنصاف والحيادية والموضوعية، خاصة عندما يستند الكاتب إلى وثائق يركن إليها.
بإمكاني أن أزعم بأن الكاتب الفاضل لم يكن منصفا وحيادياً وموضوعياً منذ البداية عندما اتهم الشيوعيين بالصمت، وفي هذا تجاوز غير مقبول على الواقع والحقيقة، وقد أساء إليهم بادعاء صمتهم كما مر بنا. كما لم يكن دقيقاً في تسميته المقاومة الشعبية وهي مؤسسة رسمية، بالمليشيات، ولم يعرض دورها الإيجابي والسلبي بوضوح وإنصاف.
ويكمل الدكتور الجميل الفقرة التي ناقشناها للتو بالآتي: "إن جناية الصراع السياسي الذي ولد في العراق المعاصر قبل خمسين سنة ، إنما يتمثّل بالانقسام الاجتماعي الذي أنتجه ، وكان واحدا من أهم تداعياته التي يتجاهلها الجميع !". أعتقد أن لا غرابة في تجاهل الجميع لهذا الرأي، لأن الجميع يعرفون بأن الانقسام الاجتماعي هو الذي يولد الصراع السياسي وليس العكس وكان هذا الانقسام موجوداً قبل ثورة 14 تموز وهو الذي ولد العديد من الصراعات السياسية مثل وثبة كانون في عام 1948 وانتفاضة تشرين في عام 1952 وانتفاضة تشرين الثاني في عام 1956 لنصرة الشعب المصري. هذا وغيرها من الأحداث المحلية، على سبيل المثال لا الحصر، إضراب الموصل في أيلول 1956 وانتفاضة مدينة الحي من نفس العام وانتفاضة فلاحي الفرات الأوسط في ربيع 1958.
لا ينكر بأن هناك علاقة تأثير متبادل بين الصراع السياسي والانقسام الاجتماعي ويمكن للأول أن يعمق الثاني ولكن لا يولده. وهكذا كان الأمر في تاريخ المجتمعات البشرية منذ زمن سحيق وإلى يومنا هذا.
ويكرر د. الجميل، مع الأسف الشديد، كل ما قاله خصوم الشيوعيين عنهم في هذه الأحداث بصيغ مختلفة في المقال، ولم يذكر سوى النزر القليل عن المتآمرين الذين لولا تآمرهم والتدخل الإقليمي والخارجي لما حصل كل ما حصل. ولا يعني أن كل ما حصل لقمع المؤامرة والمتآمرين كان صحيحا وسنتناول ذلك بعد قليل. ولكن قبل ذلك أتساءل كيف يمكن أن يثق المعنيون بالمساهمة بالمشروع، بعد كل هذا الانحياز وتلك الإدانات؟ وكيف يمكن أن يثقوا بشروط الكاتب عندما يقول: "علينا أن لا ندين طرفا من دون معرفة ما قام به الطرف الآخر"، أو "اننا نقول بأن ما جرى في الموصل قبل خمسين سنة بالضبط ، إنما هو قصة دراماتيكية معقدة جدا ، ومتشابكة أيضاً، وهي بحاجة إلى رؤية خاصة بعيدة النظر ، وان تكون الكتابة عنها محايدة ، وبلا أية انحيازات ، وبروح علمية جريئة ومجردة وصبورة ..". هل تحلى د. سيّار الجميل بهذه الوجهة والروحية في مقاله؟ ربما من الأفضل للقارئ تأجيل الحكم إلى ما بعد قراءة رأينا بالحدث و ما يتعلق به.
مؤامرة الشواف في الموصل آذار 1959
ضوء على التركيبة الاقتصادية الاجتماعية للموصل
من أجل الإحاطة بمؤامرة الشواف، من المفيد إلقاء بعض الضوء على التركيبة الاقتصادية والاجتماعية لمدينة الموصل وضواحيها، والتي كانت آنذاك تشمل أيضا جل محافظة دهوك الراهنة. تعد الموصل إحدى المدن الكبيرة في العراق، وتقع على ضفاف نهر دجلة. ويشكل الكرد معظم سكان القسم الشرقي من المحافظة، وتتوزع في هذا الجزء أيضاً قصبات وقرى أغلب سكانها من المسيحيين الكلدان والآشوريين ومن الكرد الايزيديين. أما في القسم الغربي من المحافظة، فيتألف السكان من قبائل عربية وتركمانية وكردية. ويتمركز الايزيديون في منطقة سنجار. وكان للمدينة، منذ القدم وضع خاص، بصفتها المركز التجاري الأساسي في شمال العراق، الذي يربط البلاد بكل من سوريا والأناضول. وكانت المدينة منذ القدم شديدة الارتباط بالريف الذي يحيط بها. وقد وضعت العوائل المتنفذة في المدينة يدها على الأراضي الزراعية بوسائل مختلفة، واحتفظت بنفوذها هذا في العهد الملكي  .


ويلقي الباحث بطاطو أيضاً ضوءاً على تلك الوسائل التي استخدمتها العوائل المتنفذة في وضع يدها على الأراضي الزراعية فيذكر ما يلي: "ويسمع الإنسان قصصاً عن فلاح عرض عليه 25% من قيمة أرضه الحقيقية، وإذا ما رفض البيع سيق إلى السجن بتهمة قتل ملفقة في جريمة لم تحصل أبداً وبقي هناك لسنوات، إلا إذا غيّر رأيه وباع. ويبدو أن إدخال نظام "الطابو" منح أقطاب المدينة فرصاً لسلب الفلاحين مساحات واسعة من الأرض بواسطة وثائق بيع مزورة...الخ. وشكلت الرهون سلاحاً آخر من الأسلحة المفضلة. ومهما كانت الأساليب، فإن الأرض انتقلت بكاملها تقريباً إلى أيدي أصحاب الطابو، الذين كثيرا ما يكونون أسياد أرض غائبين، حتى أنهم لم يروا الأرض التي يملكونها"  .

وبمرور الزمن، نشأت علاقات خاصة بين أثرياء الموصل وشيوخ شمر ورؤساء القبائل الكردية من الزيباريين والهركيين والريكانيين وغيرهم، ومع رؤساء الطائفة الايزيدية في سنجار. وكانت هذه العلاقات تنعكس سلباً على أوضاع الفلاحين كلما ازدادت وثوقاً بين أثرياء الموصل ورؤساء قبائلهم. ولهذا كان الفلاحون يضمرون الحقد لأثرياء الموصل. وفي هذا كان يتماثل موقف الفلاحين على اختلاف أديانهم وانتمائهم القومي. ومقابل هذا الاصطفاف الطبقي، برز توزع مماثل في محلات سكنة المدينة بين أثريائها وفقرائها، وبين الأخيرين نسبة غير قليلة من الفلاحين النازحين من الريف، أكثرهم أكراد، هروباً من ظلم الإقطاعيين  .

 ولم يكن الفلاح في ربيع 1959 هو نفسه فلاح العهد الملكي، المهزوم والجاهل ومطأطئ الرأس، بل غيّرت ثورة 14 تموز وقانون الإصلاح الزراعي مزاجه ووعيه السياسي. وشاهد الفلاح بأم عينه واقتنع بأن سطوة الإقطاعيين والأثرياء التي ورثها أباً عن جد لم تكن قدراً من الله، ينبغي الاستسلام له. فغدا مرفوع الرأس وأخذ يميّز بين أعدائه وأصدقائه. ومن هنا وجدت الأفكار الشيوعية طريقها وانتشارها في أوساطهم في العديد من المناطق. وجاءت الإصلاحات والأجواء الديمقراطية التي حملتها الثورة لتنعش الآمال لدى الأقليات الدينية والقومية في المدينة وفيما حواليها في نيل مكانة اجتماعية محترمة، بعد أن كانت تعامل معاملة جافية من جانب أثرياء الموصل  .

الاستعدادات للمؤامرة

بعد الثورة ببضعة أشهر، راح الخطباء في مساجد مدينة الموصل يهاجمون الشيوعيين في خطبهم أيام الجمع. وسارع تنظيم حزب البعث في المدينة إلى تجميع كل القوى المحافظة في ما دعي ﺑ ( التجمع القومي ـ الديني) الذي ضم ممثلين عن حزب البعث، وحركة القوميين العرب وجماعة الأخوان المسلمين، وعدد من المستقلين للعمل ضد الشيوعيين في المدينة. والى جانب هؤلاء نشط المحامي سامي باش عالم العمري لتكوين تكتل رجعي معادي للحكم. وكون أحمد عجيل الياور، شيخ شمر، جماعة خاصة به من الإقطاعيين. وبدفع من عبد الحميد السراج وجمال عبد الناصر، التقى دهام الهادي، رئيس عشائر شمر في سوريا، برؤساء عشائر شمر في العراق، وأفهمهم بتعليمات السراج، وطلب منهم أن يوّحدوا كلمتهم. ومقابل هذا سيعفى كل من يؤيد التحرك من شمول أراضيه بقانون الإصلاح الزراعي! وكانت القوة المحركة الفعلية للتمرد جماعة من ضباط الجيش يقودهم محمود عزيز آمر اللواء الخامس في الموصل، والمقدم عزيز أحمد شهاب معاون آمر الفرقة الثانية في كركوك، والعقيد رفعت الحاج سري رئيس الاستخبارات العسكرية. .

بدأت كل هذه القوى المختلفة تتقارب فيما بينها في بدايات عام 1959. ولكن الاستعدادات العملية للتمرد لم تبدأ إلا بعد استقالة الوزراء القوميين في 7 شباط من نفس العام. وقد استقرت الخطة، بعد أخذ ورد، على أن يقوم المتمردون في حامية الموصل، أي في اللواء الخامس والذي هو بقيادة الشواف (* )، بإذاعة بيان، بعد السيطرة على المدينة، معطين بذلك إشارة لشركائهم في بغداد لكي  يحتلوا، بقيادة العقيد رفعت الحاج سري، وزارة الدفاع ويعتقلوا عبد الكريم قاسم، وينفوه أو يقضوا عليه، ويستلموا السلطة. في الوقت نفسه، كان على ضباط آخرين ، بمن فيهم الزعيم الطبقجلي آمر الفرقة في كركوك، أن يعلنوا دعمهم للحركة. وعرض كبار الملاكين كل ما تحتاجه العملية من مال. وألقيت على كاهل الأحزاب، البعث خصوصاً، مهمة تحريك الشارع. وأخذ شيخ شمر الأكبر على عاتقه نقل أسلحة ومحطة إذاعة من حدود الإقليم السوري في الجمهورية العربية المتحدة، الذي وعد أيضاً بإسناد الحركة بكتيبة من المغاوير وسرب من طائرات "الميگ" إن لزم الأمر  .

وجرى اختيار الموصل كمنطلق للمؤامرة، لكون أغلب الضباط في حاميتها من القوميين، ولقربها من سوريا من جهة، وبعدها عن العاصمة بغداد من الجهة الأخرى، إضافة إلى وجود قوة رجعية، ذات وزن، معادية للثورة عداءاً جذريا، لأن الأخيرة ضربت مصالحها في الصميم وزعزعت مواقعها الاجتماعية.

وتمتاز مدينة الموصل بطغيان مشاعر قومية عربية متميزة. ولكن المتآمرين بالغوا بها وبقواهم بشكل عام، عندما كانوا يصفون الموصل بالمدينة المقفلة، واستهانوا بقوى الخصوم. فقد كانت هناك قوى لا يستهان بها تعارض المتمردين. فهناك منظمة الحزب الشيوعي والمنظمات الديمقراطية والمقاومة الشعبية وقوامها سبعة آلاف مقاوم. كما كانت هناك قوى الحزبين الوطني الديمقراطي والديمقراطي الكردي (البارت). ونتيجة لطريقة التفكير السطحية للمتآمرين، فإنهم لم يأخذوا بنظر الاعتبار ما ستفرزه التمايزات الطبقية العميقة من نتائج في معركة مصيرية كهذه، هذا فضلا عن التمايزات الإثنية والدينية. واستهان المتآمرون بتعلق المراتب والجنود بعبد الكريم قاسم، وتعلق الفلاحين به أيضاً كتعبير عن تمسكهم بقانون الإصلاح الزراعي. ولم يكن جميع الضباط في اللواء الخامس من المتآمرين. فباستثناء 18 ضابطاً، بينهم عقيدان ومقدم، فهناك عدد كبير من ضباط الصف في الصنوف الفنية من أعضاء الحزب الشيوعي. وكان هناك العديد من الضباط من مؤيدي عبد الكريم قاسم كالمقدم عبد الله الشاوي، آمر كتيبة الهندسة وغيره  .

مؤامرة مكشوفه

كانت مؤامرة الشواف مكشوفه، ولم تتمتع بعناصر هامة جدا في الانقلابات العسكرية، وهي المباغتة والسرية والتنسيق المحكم والمركزية الشديدة. فقد تحدثت عنها جريدة التايمس اللندنية في عددها 8 شباط 1958 مشيرة إلى أن أنباء تتردد حول " انقلاب تنظمه بعض العناصر [الناصرية] في الجيش العراقي في الربيع" (ربما كانت الجريدة متعمدة في كشف ذلك، فلم تكن بريطانيا تؤيد انقلاباً ناصرياً في العراق وهي التي خرجت مثخنة بالجراح من العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، خلافاً لأمريكا التي كانت تدعم ذلك). وأحيط قاسم علماً بالمؤامرة، في يوم 23 شباط، من قبل الحزب الشيوعي العراقي، وقد كشف الحزب عن ذلك في مقال افتتاحي في جريدته "اتحاد الشعب" بعد قمع  المؤامرة، وتحديداً يوم 11 آذار 1959. ووصلت إلى قاسم معلومات مماثلة من الحزب الوطني الديمقراطي ومن العقيد طه الشيخ أحمد مدير الاستخبارات العسكرية. ولم يكن التنسيق بين قادة الانقلاب بالمستوى المطلوب. فقد أسرعت الموصل في التنفيذ ولم تصغ إلى نصائح رفعت الحاج سري الذي كان  يطالب بالتأني لعدم استكمال الاستعدادات في بغداد.

لقد عزمت الأحزاب والقوى الديمقراطية وأنصار السلام على عقد مهرجان لأنصار السلام في مدينة الحلة، إلا أن عبد الكريم قاسم أراده في الموصل. فجرت الموافقة على ذلك، وحدد له موعد 6 آذار 1959. وقررت القوى الديمقراطية القيام بأوسع تحشيد جماهيري، وذلك لتحذير القوى المتآمرة وتنبيهها إلى خطر ما تنوي الإقدام عليه. وبطلب من قاسم، قامت مديرية السكك الحديدية وأجهزة الأمن بتقديم كل التسهيلات الضرورية لعقد المؤتمر في موعده المقرر  .

لقد ظل الحزب الشيوعي يتابع التحرك بانتباه. ففي 27 شباط 1959  نشرت جريدة "اتحاد الشعب" مقالا افتتاحياً، حذرت فيه المتآمرين في الموصل، وأشارت إلى الاجتماعات التي عقدت بين رئيس المباحث العامة عبد اللطيف ورئيس المكتب الثاني حكمت الميني من العربية المتحدة، والضابط العراقي محمود حيدران في ناحية تل كوجك.

منذ الخامس من آذار، راحت الجماهير تتدفق إلى مدينة الموصل من المدن والقرى المحيطة بها، ومن المدن الأخرى في البلاد لتشارك في مهرجان أنصار السلام. وقد استخدمت كل وسائل النقل لهذا الغرض. وجاء كثير من سكان القرى سيراُ على الأقدام. وقد ساهم في المهرجان الذي عقد في موعده المحدد حوالي ربع مليون شخص. وكان المشاركون يرددون في شوارع الموصل شعار "زعيمنا الأوحد عبد الكريم قاسم" و"ماكو زعيم إلا كريم". وسار كل شيء بسلام. وبقيت القوى المؤيدة للتمرد في بيوتها. واتخذ المهرجان قرارات تؤكد على دعم مسيرة الجمهورية العراقية على طريق الديمقراطية والسلام...الخ  .

الشروع بالمؤامرة


يقول بطاطو "وفي منتصف صباح اليوم التالي، 7 آذار، غادر أنصار السلام الموصل. وكانت بقية اليوم السابع مليئة بالمظاهرات والمظاهرات المضادة، التي تزايد التوتر فيما بينهما تدريجياً، وفي حوالي الساعة الثانية من بعد الظهر، تدفق البعثيون ومؤيدوهم من النبي شيت، بقيادة فاضل الشكرة، عبر شارع فاروق وهاجموا عدداً من المكتبات اليسارية ومقهى علي الحجُّو، مكان لقاء الشيوعيين وأحرقوها كلياً. وفي وقت لاحق، حوالي الساعة الرابعة، وبالقرب من مكتب البريد، اصطدم البعثيون ـ الذين عُززوا الآن بأتباع عائلة كشمولة الذين كان كثيرون منهم مسلحين ـ بالشيوعيين الذين خرجوا من حي المكاوي وعلى رأسهم عباس هبالة. وصحب العراك إطلاق نار ووقوع إصابات"  .

في إثر الاصطدام تفرقت مظاهرة القوى القومية، وتعززت المظاهرة الديمقراطية بأعداد غفيرة من الناس المسلحين بالقضبان الحديدية والعصي. وكانت الحماسة قد بلغت بالجماهير إلى الحد الذي راحت تستهين بكل شيء. ولم تتردد عن فعل ما سبقها إليه القوميون. إذ أحرقت مكتبة فاضل الشكرة، ومكتبة آل كشمولة، ومحل محسن العاني وقتلت أخاه. وعندها عمد الشواف إلى تطبيق ما دعاه بالخطة الأمنية المعدّة مع المتآمرين. فأنزل الشواف الجيش إلى المدينة، خلافاً لأوامر رئيس أركان الجيش التي تقضي بعدم إنزال الجيش إلى شوارع الموصل، وأعلن الأحكام العرفية. وتم استدعاء العناصر القومية وجماعات من عشيرة شمر إلى معسكر الغزلاني وزودت بالسلاح، وكُلفت جماعات مسلحة منهم بإلقاء القبض على كوادر الحزب الشيوعي والعناصر الديمقراطية البارزة. وألقيَ القبض على عدد من الضباط وضباط الصف الشيوعيين والمؤيدين لعبد الكريم قاسم. ثم شرع بتجريد كتيبة الهندسة والوحدات العسكرية الأخرى المشكوك بولائها للشواف. وأرسل المعتقلون جميعا وعددهم حوالي 60 شيوعيا ومؤيدا لهم إلى الثكنة الحجرية. ولم يسلم من أعضاء اللجنة المحلية سوى عمر محمد الياس وفخري بطرس. وسلم من الاعتقال كذلك المحامي حمزة السلمان المكلف من قيادة الحزب بمهمة الإشراف على المنظمة ومهدي حميد قائد المقاومة الشعبية  .

في مساء 7 آذار، وبعد أن تمت السيطرة على المدينة،  قرر الشواف والضباط القوميون تنفيذ المؤامرة دون انتظار موافقة شركائهم الآخرين في بغداد وكركوك وغيرهما. فأمر الشواف بإرسال قافلة عسكرية لجلب الأسلحة والإذاعة من تل كوجك طبقاً للاتفاق مع مخابرات الجمهورية العربية المتحدة. وفي تل كوجك كان الشيخ أحمد عجيل الياور بانتظارهم. وسلمهم العقيد برهان أدهم، من المخابرات السورية الأسلحة والإذاعة، ومعه مهندس من إذاعة دمشق يدعى يوسف أبو شاهين. وقد وصلت القافلة في الساعة الثانية من صباح 8 آذار. وبوشر بنصب الإذاعة في معسكر الغزلاني. وتولت عشائر شمر نقل الأسلحة. وتدفق بضعة مئات من أفراد شمر نحو المدينة، وجرى توزيع الأسلحة على العناصر القومية والموالين لها. ولتعذر سماع صوت الإذاعة خارج الموصل، حتى بعد الاستعانة بمهندس من شركة نفط الموصل، رتب عبد الحميد السراج أمر إذاعة بيانات التمرد وتعليقاته من إذاعتي دمشق وحلب باسم "إذاعة الموصل". وكان الضابط المتقاعد محمد الدرة، وهو من حزب الاستقلال، قد أعد بيان التمرد. وذيّل البيان بعبارة "قائد الثورة"، وعندما قدمه إلى الشواف، كتب الشواف اسمه فوق العبارة المذكورة، العقيد الركن عبد الوهاب الشواف، في حين كان شركاؤه يتوقعون بأن يكون البيان بتوقيع، آمر الشواف العسكري المباشر، الطبقجلي  .   

لم يؤيد التمرد، خارج الموصل سوى حاميتي عقرة والعمادية، وعدد من ضباطهما. وخرجت مظاهرة في بغداد بلا قيمة حقيقية (حسب تعبير بطاطو) نظمها البعثيون في الكرخ. سارعت الحكومة إلى اتخاذ إجراءات حازمة وسريعة ضد التمرد. إذ أحيل الشواف على التقاعد فوراً، وأعلن عن تخصيص مكافأة بعشرة آلاف دينار لمن يسلمه إلى الحكومة حياً أو ميتاً. وأصدرت الحكومة بياناً يدعو عشائر الموصل والمخافر قطع الطريق على المتمردين الهاربين إلى الحدود السورية. وتوالت برقيات قادة الفرق والوحدات العسكرية في كل أنحاء البلاد التي تستنكر التمرد. ووجّه قادة المنظمات الديمقراطية النداءات التي تدعو الجماهير إلى العمل على سحق المؤامرة والمتآمرين الخونة. وأخذت وسائل الإعلام، بما فيها الحكومية، على عاتقها نشر هذه النداءات على أوسع نطاق، وكانت الإذاعة تكرر بثّها. وقد هب قرابة خمسة آلاف مسلحاً كردياً وعسكروا على تل نينوى، قرب الموصل. ووضعوا أنفسهم تحت تصرف السلطات الحكومية لقمع التمرد، ودخل ما يقرب ألف مسلح منهم شوارع الموصل، واشتبكوا مع القائمين بالتمرد. وفي صباح اليوم التالي، 9 آذار، أرسل المتمردون طائرتين هاجمتا مرسلات الإذاعة في أبوغريب وقصفتها. إلا أن القصف الحق بها أضرارا طفيفة، ولم ينقطع البث الإذاعي. ولكن القصف تسبب في قتل بعض المواطنين. وقد سارع جنود الطيران لتعطيل المطار في الموصل  .

قمع التمرد

في ذات الوقت، طارت أربع طائرات نفاثة من معسكر الرشيد وحلقت في سماء الموصل وألقت المناشير عليها، وهي تدعو جماهير المدينة إلى مقاومة التمرد. ثم قصفت ثكنات الجيش، وضربت بالصواريخ مقر الشواف، وجرحته هو شخصياً، فهرع إلى مستشفى القوة الجوية للمعالجة، إلا أن الجنود الذين كانوا يهتفون بموته قضوا عليه، كما تقول بعض المصادر. إلا أن الطبيب الذي عالجه قال في شهادته أمام محكمة أمن الدولة في كركوك عام 1964، إن الشواف بعد أن حوصر في المستشفى أقدم على الانتحار. ومع ذلك حكمت هذه المحكمة على عدد من الجنود بتهمة قتل الشواف.

ولكن حين تبين نهاية التمرد الفاشل، تقرر، كما يؤكد اوريل دان،"القضاء على المحتجزين اليساريين البارزين، وقد اضطلع محمود عزيز بمهمة التنفيذ. فكان كامل القزانجي أول من ناداه من غرفة الاحتجاز الجماعية... و[هو] نصير بارز للسلم وشخصية وطنية معروفة. [ ما يذكره اوريل دان هو الصحيح، فلم يكن كامل القزانجي عضواً في الحزب الشيوعي العراقي، دع عنك قيادياً فيه، كما يذكر الكاتب د. سيّار الجميل في مقاله، ولكنه كان مقرب جداً للحزب. جاسم] أطلق محمود عزيز النار عليه فور خروجه وأرداه قتيلاً.  بعد هذا رفض رفاقه الخروج عند مناداتهم بالأسماء. واشتد الاضطراب وتعاظم إلى الحد الذي أرتؤي فيه إرجاء عملية القتل إلى صباح اليوم التالي"  . وبعد قصف مقر الشواف، هرع جنود وضباط صف كتيبة الهندسة، وهم مسلحون بالعصي وقضبان الحديد، تساندهم جماهير من المدينة، نحو السجن العسكري في الثكنة الحجرية لإطلاق سراح المعتقلين. وبعد معركة مع حرس السجن تم تحرير السجناء. ولكن بعد أن قتل خير الله عسكر المقدم عبد الله الشاوي الذي طلب من محمود عزيز الاستسلام، وقـُتل العريف حرز كذلك. فسارع محمود عزيز إلى الفرار. واستجابة لنداءات عبد الكريم قاسم، تدفقت حشود من البارزانيين والأيزيديين إلى الموصل للمساهمة في قمع التمرد. وسارع الجنود من الكتيبة الثالثة، بقيادة ضابطين شيوعيين إلى الاستيلاء على ترسانة السلاح في الكتيبة المذكورة، ووزعوها على أبناء الشعب  . 

وخلال ثلاثة أيام بعد قمع التمرد، عمت المدينة فوضى شاملة، واضطرب الأمن تماما. إذ تدفقت أعداد كبيرة من العشائر الكردية والعربية إلى داخل المدينة. وتحولت الاصطدامات بين الطرفين إلى أعمال انتقام وثأر وتصفية الحسابات الشخصية المتبادلة. ولعبت النعرات الطبقية والقومية والدينية دورها في عمليات القتل والانتقام. ويقول بطاطو في هذا الصدد: "وكانت عمليات الانتقام العاجلة التي لجأ اليها الجنود والجموع المسلحة في لحظات غضبهم الوحشي ـ في جزء كبير منها ـ سداداً لحساب النزيف الرهيب الذي عانوا طويلاً منه. لقد تعرضوا مرات عديدة لإطلاق النار من البيوت التي تحصّن فيها القوميون وملاك الأراضي. ونصبت الرشاشات في قصر شيخ شمر ولم يتمكن أحد من إسكاتها حتى أحضر الجنود الشيوعيون الدبابات وأطلقوا بضع قذائف على القصر"   

ويشير سباهي إلى أن أجهزة الدعاية المعادية نفخت كثيراً في الأحداث، وبالغت في ذكر الخسائر والضحايا، وشوِّهت صورة الأحداث، وجرى تزييف الوقائع، ونسب إلى الشيوعيين الكثير مما لم يرتكبوه، أو ارتكبه غيرهم. ولكن طبقاً لإحصائية قدمتها لجنة شكلت من الطرفين، وكان في عدادها فخري بطرس، أن عدد القتلى من جميع الجماعات بلغ 125 قتيلاً و335 جريحاً. أما بطاطو فيذكر بأن عدد القتلى 200 حسب محمد حديد .

من المسؤول؟

يطرح سباهي التساؤل التالي: "ترى، كيف يمكن توزيع المسؤوليات عما حل بالمدينة من مذابح ومآسي". فيشير عن حق، إلى أن المسؤولية الأولى بالطبع، تقع، على العناصر التي أسهمت بالتآمر وتلك التي حركتها ووفرت لها المستلزمات المادية والمعنوية لكي تقدم على ما أقدمت عليه، ويندرج في إطار هذه العناصر القوى القومية العربية المتعصبة، التي اندفعت إلى التآمر دون أن تحسب للمصلحة العامة أي حساب، والقوى الرجعية من عملاء الاستعمار ورجالات الإقطاع، ومن ورائهم الدوائر الاستعمارية وقيادة الجمهورية العربية المتحدة التي ذهبت إلى أبعد الحدود في دعمها للتآمر. وقد كشف عبد اللطيف البغدادي نائب رئيس الجمهورية العربية المتحدة في مذكراته عن دور عبد الناصر الشخصي، وكيف ساهم في حملة التهويل والمبالغة والأكاذيب أثناء المحاولة الانقلابية وبعدها. ومما ذكره البغدادي واقتبسه الباحث جرجيس فتح الله ما يلي:

"وقام جمال[عبد الناصر] في ليلة 12 آذار باتخاذ العدة لإعداد ما يلزم من الدعاية لتغطية ذلك الفشل الذي حدث في الموصل وكتب عدة أخبار لتنشر في الصحف وكانت كلها تهدف إلى إثارة الشعب العراقي ضد [قاسم] وذلك عن طريق تجسيم الخسائر ومحاولة إثارة العطف أيضا على الثوار بالتنديد بالإجراءات التي اتخذها (قاسم) هناك فادعى أنه قام بإعدام 60 ضابطاً، كما أعدم أيضاً كل شخص مدني شك في أنه تعاون مع الثوار. وأن ذلك تم بدون محاكمة... كانت هذه الأخبار المفتعلة التي يكتبها [عبد الناصر] تذاع من محطة إرسال سرية لتذيع باسم ثوار الموصل وضعت في منطقة الغوطة القريبة من دمشق وقامت بإذاعة بيان الشواف... وتعليقات أخرى ضد (قاسم) (ص82 و89 طبعة القاهرة)

و يدين الباحث فتح الله هذا السلوك السياسي وأضراره إدانة صارمة تغني المرء عن أي تعليق بقوله: "ولا يلوح في كل ما ورد ذكره هنا أي بصيص من شعاع لتلك السجايا العربية الأصيلة التي تغنى بها الشعراء ولا للمبادئ الخلقية العامة التي تعارف عليها البشر لا من أولئك الذين ثاروا باسم العروبة ومن أجل الوحدة العربية، ولا من أولاء الذين نقلوا أقوالهم وكتبوا في مدحهم وتأبينهم والثناء على أعمالهم. ويقيناً أنهم الحقوا بالعروبة والوحدة العربية ــ كفكرة قومية سامية وهدف رفيع ــ ضرراً أكبر بكثير من ذلك الذي ألحقه بها أعداؤها ومخالفوها"  . ً
 
ويحمّل سباهي، وهو على حق، عبد الكريم قاسم المسؤولية بالدرجة الثانية، عندما يشير إلى أن هذا لا يعفي بالطبع مسؤولية الجانب المقابل لدفع الأمور إلى حد الانفجار والتصادم. لقد كان كلا الطرفين يسعى إلى تأجيج الأمور وتفجيرها كما تنفجر (الدّملة) كما عبر عبد الكريم قاسم عن مخططه إلى وفد القوى الديمقراطية في المدينة الذي زاره قبل الأحداث" .

ويتحمّل قاسم مسؤولية عدم اتخاذ إجراءات وقائية، تجّنب البلاد تلك المأساة. فقد زوّده الحزب الشيوعي، وجهات أخرى أيضا، بمعلومات حول تحرك المتآمرين، كما مر بنا، حتى أن طريق الشعب نشرت أسماء وتحركات بعض المتآمرين. كان بإمكان قاسم أن يجهض المؤامرة قبل وقوعها، مثلما أجهض أربع مؤامرات قبلها. ولكن قاسم كان، كما يبدو، يروم قمع المتآمرين بشدة وهم متلبسون بالجرم المشهود في هذه المرة، غير آبه بالنتائج المأساوية التي ستصيب أبناء الشعب وتداعيات ذلك. ويتحمّل قاسم قسطاً كبيراً من مسؤولية القسوة المبالغ فيها في قمع المتمردين بنداءات ودعوات وسائل إعلامه بسحق المتمردين الخونة، وكان بإمكانه أن يصدر نداءاً يدعو فيه القوى السياسية والجماهير الشعبية إلى "عدم أخذ القانون بيدها" والى تسليم المتآمرين للسلطات.

يقول الفقيد زكي خيري "ودعا قاسم الجماهير لمطاردة فلول الفتنة وأباح دماءهم لمدة ثلاثة أيام. وكان ما كان. ولكن بعد بضعة أيام ألقت المقاومة الشعبية القبض على نفر من المشاركين في الفتنة وهم من رجعيي الموصل وبعد محاكمتهم في محكمة شعبية أخذتهم إلى دملماجة بالقرب من الموصل وأعدمتهم! واستغل قاسم الفرصة لينزل ضربة معادلة لحلفائه لاسترضاء أعدائه وليوّجه هؤلاء ضد الشيوعيين. 

ويستشهد بطاطو بأقوال الشهيد مهدي حميد (  *) قائد المقاومة الشعبية في الموصل، لإلقاء الضوء على هذه النقطة، فيذكر في الصفحة 199 من كتابه الثالث ما يلي: " وفي وقت لاحق، في العام 1963، ادّعى مهدي حميد أن قاسم أصدر يومها أوامره ﺑ"إبادة كل من أظهر مقاومة أو حمل السلاح ضد الحكومة" وأن هذا شجّع "الأعمال المتهورة" و"الأفعال الانتقامية"، وادّعى كذلك أن قاسم أشار في لحظة معينة، وعبر قائد الحامية، إلى أنه "لا حاجة إلى إرسال مثل هذا العدد الكبير من المعتقلين إلى بغداد، فماذا سنفعل بهم هنا؟ تخلصوا منهم هناك في الموصل". وادّعى مهدي حميد كذلك أن "سلطة الاعتقال والتحقيق عهدت الينا [آي إلى المقاومة الشعبية] رسمياً وبرسالة رسمية ومن القائد الذي لم يُستدع، عموماً، كشاهد في محاكمتنا [عام 1960]، مع إننا طلبنا تقديمه للدليل... في الواقع، لقد ألقي كل اللوم علينا ... لكن المسؤولية الأولى تقع على قاسم...وقائد الموصل... وإلا، لماذا لم يوقفونا... وهو ما كان بإمكانهم أن يفعلوه... خصوصاً بعد وصول اللواء الأول".  (الفراغات موجودة في النص. جاسم) ويذكر بطاطو كذلك في نفس هذه الصفحة وما يليها ما يلي:

"ومهما كان الأمر، فإن العراقيين ما زالوا يذكرون كيف أنه، عند نقطة معينة من محاكمة مهدي حميد ورفاقه أمام المحكمة العسكرية الأولى في عام 1960، أوقفت الجلسات العلنية للمحكمة بطريقة مفاجئة ولسبب غير معلوم. وساد يومها انطباع عام بأن المحاكمة كانت تقدم دليلاً يوّرط  قاسم نفسه".

وبصرف النظر عن كل شيء، فلم يكن هناك طريق سوى العنف لقمع التمرد المسلح، بعد أن وقع. وبسبب من انخراط قوى مدنية واسعة، متنوعة ومتخاصمة في الاصطدامات، فكان من الطبيعي أن ترتكب خلالها، وخاصة في اصطدامات عنيفة كهذه،انتهاكات من قبل جميع الأطراف، بمن فيها الحزب الشيوعي العراقي ومنظمته في الموصل. "إن جذور الكثير من العدوانية التي شاهدتها أيام آذار (مارس) كانت تعود إلى الخوف المشترك الذي يبدو أنه سيطر على كل أطراف النزاع: الخوف من أن الفشل في تلك اللحظة التاريخية الحرجة قد يجر وراءه الدمار على أيدي الخصوم"، كما يشير بطاطو في الصفحة 200 من كتابه الثالث.  إن ما يقوله بطاطو، يفسر لنا تلك القسوة، المبررة وغير المبررة لقمع التآمر.


وعند الإشارة إلى مسؤولية الشيوعيين في الانتهاكات التي حدثت خلال قمع مؤامرة الشواف في الموصل، ينبغي أن لا ننسى، كما يشير سباهي، إلى ما بذله الشيوعيون لتدارك ما يمكن تداركه لإنقاذ العديد ممن أوقعهم حظهم العاثر في أيدي الجماعات الغاضبة. وقد بذل الشيوعيون كذلك جهوداً كبيرة لتوفير الشاحنات ولعودة المسلحين الذين قدموا إلى الموصل إلى مدنهم وقراهم بعد أن انتهى التمرد. وقد استمرت هذه العملية أربعة أيام. كما نظم الشيوعيون عملية حصاد المحاصيل لآلاف الدونمات من أراضي الجزيرة الشاسعة، والتي هجرها أصحابها وفروا إلى الجمهورية العربية المتحدة، وسلموا المحاصيل  إلى الدولة. وقد أثارت العملية إعجاب المعنيين والخبراء في الزراعة"  . 

لقد ساهم الشيوعيون في قمع مؤامرة الشواف، وظل عبد الكريم قاسم يشيد بالدور الذي لعبوه في قمع التمرد. و" أن قاسماً دعا، بعد فترة قصيرة من أحداث الموصل، مهدي حميد وقادة شيوعيي الموصل إلى بغداد، وأطرى إخلاصهم، وقدم لهم مسدسات هدية، وقدم منحة للحزب الشيوعي قيمتها 1500 دينار. وإلى هذا، قُبل مهدي حميد مجدداً في الجيش وقدمه إلى رتبة رئيس وأسند إليه قيادة قوات المقاومة الشعبية في كل الجزء الشمالي من البلاد"  . وعند استقبال عبد الكريم قاسم لأبناء الموصل رحب بهم وقال: "أنا واحد منكم. الشعب الموصلي قد قضى على المتآمرين بسرعة هائلة، ونحمد الله على مجيئكم إلى هنا . الكل يعلم أننا غير سفاكين، بل السفاكون هم الذين سفكوا دماء الأبرياء نتيجة الغدر والخيانة ولطخوا أيديهم بدم المؤامرة. أرجو أن يكثر الله من أمثالكم المخلصين"  . ولكن ما أن بدأت العلاقات تسوء ما بين عبد الكريم قاسم والحزب الشيوعي، حتى راح يستخدم محاكمات قادة الشيوعيين في الموصل، ورقة يشهرها بوجه الحزب، حتى حكمت عليهم محاكمه العسكرية بالإعدام، وقام انقلابيو شباط بتنفيذ هذه الأحكام.

وعاد عبد الكريم قاسم وصرح أمام الوفد الرياضي اللبناني، الذي زاره في مستشفى السلام بعد محاولة اغتياله في شارع الرشيد: "إن المسؤولين عن مذابح الموصل، هم الذين تآمروا علينا. نحن لم نتآمر. والمسؤول عن مجزرة الموصل هم أولئك. كان السلاح بيد الجيش، وبيد بعض القادة الذين خانوا البلد وكان الأهلون عزل من السلاح. فنادينا الأهليين وقلنا لهم الجمهورية في خطر، وأنتم ملزمون بالدفاع عن كيانها الذي تفانينا من أجله في الثورة"  .

الاغتيالات في الموصل

بعد قمع مؤامرة الشواف، حصل في البلد مد ثوري عظيم تحققت خلاله إنجازات وطنية. ولكن قبل الانتقال إلى تناول هذا الموضوع، نشير إلى التداعيات السلبية التي حصلت في الموصل بعد بضعة أشهر من قمع مؤامرة الشواف. لقد أدركت القوى التي وقفت إلى جانب التمرد، أن سياسة عبد الكريم قاسم قد اتجهت، منذ منتصف عام 1959، نحو التضييق على الشيوعيين واليسار عامة، والتي انعكست في الموصل بإجراء تنقلات واسعة في أوساط المسؤولين والموظفين المحليين شملت المتصرف ومدير الشرطة والضباط وحتى ضباط الصف في وحدات الجيش. وكانت التنقلات ترمي إلى إضعاف مواقع الحزب الشيوعي والقوى الديمقراطية الأخرى، وتعزيز مواقع خصومهم. وأرسلت هيئة تحقيق خاصة للتحقيق فيما دُعي بالأعمال التي ارتكبها "الفوضويون" وهي مزودة بأسماء الشيوعيين الذين يراد اعتقالهم ومحاكمتهم.

لذلك سارعت القوى المعادية للشيوعية بتدبير الاغتيالات. وتألفت لهذا الغرض لجان سرية خاصة تتولى تعيين من يراد اغتياله ومن يقوم بذلك، وجمعت الأموال لهذا الغرض. وسرعان ما اتسعت دائرة الاغتيالات لتشمل أناساً على الشبهات. ولم تعد حملة الاغتيالات تستهدف الشيوعيين أو مؤيديهم أو أقاربهم فقط، وإنما امتدت إلى عناصر من الحزب الوطني الديمقراطي والديمقراطي الكردستاني، وإلى أناس لا علاقة لهم بالسياسة أساساً. وارتفعت معدلات القتل إلى مستويات مخيفة حتى بلغت، في بعض الأوقات ما بين 8 و12 حادثة اغتيال في اليوم الواحد ولمدة أسبوعين متتالين. وقد قدر عدد القتلى ما بين 300 و600 قتيلاً. واضطر كثير من العوائل إلى الهجرة عن المدينة. وقدّر عدد العوائل المهاجرة ما بين خمسة آلاف و عشرة آلاف عائلة. وكان نصيب المسيحيين من التهجير هو الأعلى. ويورد الكاتب سباهي أكثر من عشرة أسماء من القتلة الذين اشتهروا آنذاك. وقد انتمى العديد منهم إلى الحرس القومي بعد انقلاب شباط الفاشي عام 1963  .
http://www.al-nnas.com/ARTICLE/SAlJamil/5musil.htm