المحرر موضوع: السر والغربال...!! قصة قصيرة  (زيارة 1530 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل andros57

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 109
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
السر والغربال...!!

عانق زوجته بقوة شديدة . دارا في مكانهما دورتين. كان ( أبو شوطا ) لا يكف... يهتف:‏
- افرحي لي يا أم (شوطا ) هنئيني... باركي لي..‏.‏
أحس بنفسه في لحظتها بأنه يطير. راح يدور حول زوجته كفراشةً بلون البهجة والسرور. كان يتباهى وكأنه عثر على كنز ثمين لا يملكه سواه . زوجته الحائرة شاركته الفرحة، قبل أن تسأله عما حصل. والواقع أن ( أبو شوطا ) لم يترك لزوجته فرصة للاستفسار، كان يمطرها بوابل من القبلات المشبعة بالصوت والصدى ، ويصيح:‏
- الحظ... لقد حالفني الحظ يا أم (شوطا)... باركي لي...
-  ربحت (اللوتو) ؟‏ أم حصلت على فيزا ؟ قالتها أم (شوطا ) بتنهيده تنم عن تذمر من رتابة الحياة.
علق أبو (شوطا ) معاتباً ، و شاجباً:‏
) - لوتو) ؟!  (فيزا) يا هبلا ؟!..لا...إنه ليس (اللوتو)...ولا الفيزا ... لقد حصلت على عمل ، يشدد على اللفظة " لقد حصلت على عمل" أتعرفين ما معنى عمل "لقطة" يا مجنونه ؟! وهل هناك في الدنيا أهم من فرصة العمل ؟!‏
ضحكت أم (شوطا ) من قلبها، وقالت مهنئة:‏
- مبارك عليك... إنشالله خير. احكي لي عنها يا أبو (شوطا )... فضفض... كيف.... وأين ؟!!‏
- لا... لا...هذا كله غير مهم.‏
- ألا تشركني يا رجل في افراحك؟ ألسنا زوجين لنا مصير واحد شئنا أم أبينا؟‏
أخذ أبو (شوطا ) نفساً عميقاً ... وتراخى جالساً... أغمض عينيه ليستريح قليلاً ومضى في رحلة مع غيمة محملة بأفكار تقلب موازيين حياته رأسا ً على عقب ، و تصنع لأيامه مذاقا ً آخر ، يرى خلالها الحياة  كما  يجب لها أن تكون ، أو كما تصورها أن تكون  . وانطلق يناجي نفسه، لكأنه نسي وجود زوجته معه  ؛ زوجته مثل كل النساء القرويات تصحو مع الفجر لتحلب البقرة الوحيدة مصدر رزقهم الوحيد ، التي طالما صرفت على زوجها  وأولادها من ثمن الحليب الذي تبيعه... هي في الثلاثين من عمرها 00 سمراء ، متوسطة الطول، مضمومة الجسد ، يلوح على صفحة وجهها الأسمر لون مغبر .
 أما هو فطويل، رفيع القوام متناسق الأعضاء ، كأنه جذع شجرة( السرو ) خشن الجلد ، قمحي اللون.. شعره بني مائل للسواد... وحواجبه مشجرة ، عيونه عسلية حادة ، يرتسم تحت انفه شارب رفيع ناعم . 
 لم يوفق في الحصول على عمل دائم ، فأصبح متقلب المزاج... لا يستقر على رأي ولم تكن معاملته وعشرته سهلة. عندما يحتاج إلى المال لقضاء حاجة ما، يصبح عصبياً نزقاً، متعكرا منكدا , فتراه لا يحتمل أي شيء و يثور غضبه لأتفه الأسباب ، يعامل أسرته بخشونة وغلاظه، وخاصة زوجته وابنه الكبير(شوطا )، فلا يفتأ يوبخ الولد على كل تصرفاته ، ويوجه إلى أمه قوارص الكلام. فيثور الابن وينفجر في وجه أبيه محتجاً على إهانة أمه .
بدا أبو (شوطا) رجلا هادئا واثقا يحمل القليل من الألم والكثير من الأمل ، وقد لان جانبه ،وخفض صوته ، وحسّن ألفاظه.
تأملت أم (شوطا) خيراً ، بتغير أبو شوطا من حال إلى حال وتوقعت  استئناف الأسرة عهداً جديداً يصير فيه الرجل الجافي إنساناً رقيقاً. أدارت برأسها نحوه ، اقتربت منه، طبعت قبلة على وجنته الشاحبة، رافعة يديها للسماء متضرعة إلى الله. وفي رأسها ألف سؤال تريد إجابات عليها في لحظة واحدة.
ـ لكنك لم تخبرني عن نوع العمل ؟ ومن هو الشخص صاحب العمل ؟ وكم سيكون راتبك الشهري أو اليومي ، ومتى تباشر بالعمل ؟ وكم ساعة تعمل باليوم ؟ ومتى تكون عطلتك الأسبوعية ؟ والأجازة والتقاعـ.... (يقاطعها أبو شوطا ) صارخا غاضبا:
- ـ يا لثرثرة النساء! أقول لك اصمتي يا امرأة. أوجعت رأسي.... متى سينتهي تحقيقك هذا ؟! (حاول خفض صوته شيئا ما ) .. ثم تابع حديثه ـ اعتبري ما قلته سراً بيني وبينك ؟
ـ أمسكت أم (شوطا ) غضبها و تحاملت على نفسها قائلة بلهجة تشبه التحدي: إن أردت أن يحفظ سرك .. فلماذا لا تحفظهُ أنت ؟؟ أن مسألة حفظ السر هذه تعود على صاحبها ، فهو إن لم يتمكن من حفظه فلا ملامة إن أفشاه غيره . والمثل يقول : (إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ، فصدر الذي يستودع السر أضيق  ) .

فكر قليلاً أبو (شوطا )... زفر بشيء من الضيق .. وقال في نفسه : إن عاتبتها قد تغضب ويعلو صوتها كالعادة ، والبقرة حامل في شهرها الأخير ، ويلزمها المزيد من العناية والاهتمام ، وأنا الآن في غنى عن هذه المشاكل وإن تغاضيت وسكت ارتحت ومضت سفينتنا على خير... !!
ثم ما لبث أن قطب حاجبيه المشجرة و هو يقول: اليوم بالذات ليس لدي مزاج للشجار يا أم (شوطا ) ، كما أنني وعدت نفسي أني لن أتشاجر معك من الآن وحتى إشعار آخر .
أما ملخص القصة فهي: أن  رجلاً  لا داعي لذكر اسمه  ! لاشك أنك تعلمين جيداً عمن أتحدث !! أنه من أصدقائي القدامى من أيام الطفولة ، التقيت به صدفة في السوق ، هو شاب عمره‏ ثلاثون عاما  ، حاصل على شهادة من المعهد الفني الصناعي  ، ويعمل في هذا المجال منذ فترة طويلة ، لم يطلب طريقاً إلا سهله الله له، ولم يقرع باباً إلا فتحه الله في وجهه، ولا تمنى أمراً من الخير إلا يسر الله له سبيله. فأصبح مالكاً لمعمل كبير في المدينة القريبة من قريتنا ، يعمل فيه العشرات من العمال ، أخبرته بحاجتي ورغبتي في العمل لديه ، وقد وعدني بأنه على استعداد تام لمساعدتي في إيجاد فرصة عمل مناسبة‏ بالمعمل ، وقد حذرني قائلاً : لا تخبر أحدا بما  اتفقنا عليه ، فقد ينسفون الموضوع من أساسه ،  وتحرجني أمام من هم في زحمة طابور العاطلين والباحثين عن العمل من أصحابي وأقربائي  وأبناء قريتي ،قلت له :  جربني، ستجدني نعمَ الشخص الذي ترغب، نحن ( آل شوطا) صحيح لسنا تحت النظر، لكن عندما تُوكل إلينا مهمة، نعمل على إنجازها بأدق صورة، أُأمرْ، ستجدني ملبياً لك كل ما تطلب. اعتمد على الله، سأكون عند حسن ظنك في ما طلبت مني . وبناء عليه وعدني بمباشرة العمل بعد غدٍ ... ـ أي الاثنين القادم . هذا كل ما في الأمر يا أم (شوطا ) . !
ـ نظرت أم (شوطا ) نحو الأرض ...و التقطت نفسا عميقا ... تحدثت بعدها ... بهدوء... و شيء من الود...و نبرة صدق شديدة قائلة : إن البوح بالسر لمجرد العلم أو الفضفضة التي كثيراً ما نمارسها مع من حولنا ، ليست صفة سيئة .
ـ ليس بالضرورة أن يكون السر ذنب أو خطأ يا أم ( شوطا ) ـ فقد يكون شيء سامي ، في الكثير من الأحيان نحتفظ  بأسرارنا داخل قلوبنا ، قد يكون بسبب رغبتنا أو لأننا لم نجد من نثق بهم ، فالقلب شبيه بالبحر يحتمل الكثير ، هل ترضين أن أخبر كل من هبّ ودبّ بأن بقرة أم ( شوطا ) حامل وفي شهرها ... (قاطعهما صوت دقات قوية على الباب كان الليل يضرب بأطنابه أركان الوجود ...  ثمة غيوم سوداء تملأ سماء القرية قادمة من الشمال ، تنذر بيوم شديد المطر ... فيما تصفر في أزقة القرية الخاوية ريحاً صقيعية .
عقد أبو ( شوطا ) حاجبيه المشجرتان ثم نظر إلى زوجته نظرة شك وارتياب ، وقال بحيرة : من سيأتيننا في هذا الوقت ؟ ثم سمع صوت أجش من رجل يوحي صوته بالخشونة يناديه بأسمه (يا أبو شوطا ... هل أنت هنا ) فيجيب أبو ( شوطا ) بصوت مرتعش نعم ... نعم .
 يخرج أبو ( شوطا ) من حجرته مسرعا، يضع طاقيته فوق رأسه، وتتبعه زوجته. يسرع ليفتح الباب . يأتي صوت الرجل من الخارج: الحمد لله أنكم ما زلتم ساهرون !.
ـ أنه صوت أخي (شيرو)... (خير اللهم اجعله خير) !! قالتها : أم (شوطا ) بنبرة المؤمنة المتيقنة ، وهي تسرع في خطواتها باتجاه الباب، في حين أن أبو ( شوطا) خفف من سرعته ، ولم يعد يسرع فذلك ليس من طبعه (حين يكون الضيف من طرف زوجته )  ـ فسح المجال لزوجته كي تسبقه إلى المقدمة ،وتابع هو بخطواته المتأنية  ، كأنه يسير على قوارير يخشى كسرها... وهو يردد بصوت مهموس: ( يا ما جاب الغراب لأمه ) .
فتحت أم (شوطا ) الباب بسرعة ، وفتحت معه أذنيها وعينيها وفمها ، ووقفت مذهولة تتملكها حيرة وتتصارع في نفسها مشاعر شتى .
سألت بلهفة:ماذا جرى لأمي يا (شينو )؟‏
ـ أمّنا بخير، اطمئني يا أختي  وهي في أحسن أحوالها . ( قالها بلهجة الواثق من نفسه  )  ثم تابع حديثه بنبرة حادة ومخارج للحروف واضحة، و نغمات مختلفة ليست على وتيرة واحدة ...كنت هناك في بستاننا المجاور لزريبة بقرتكم ، اقضي حاجتي فقد هاجمني إسهال لعين في هذا الوقت المتأخر من الليل !! لا أدري ما سببه  ! خرجت من البيت اجري إلى البستان وأنا ماسك معدتي وبصوت من الألم ، تعلمين يا أختي  إننا بصدد بناء حمام . ولكن ،... قاطعته أخته أم ( شوطا) قائلة :
ـ أخي أرجوك هات من الأخير وبدون مقدمات ... لم أعد أحتمل ، لقد جف حلقي وهربت الدماء من عروقي ، واشعر أن كل ذرة في جسدي ترتجف .
ـ نعم ، يا أختي ، نعم ، سأختصر ، وتابع بنفس النبرة السابقة... طوال الوقت الذي كنت فيه مقرفصا أقضي حاجتي، كنت اسمع أصوات ضربات قوية علي باب الزريبة  ، وكذلك ارتفاع ضجيج بقرتكم الغير مألوف لدي في تلك الساعة المتأخرة من الليل ، وحين فرغت من قضاء حاجتي ، وزال ألم المغص نهائياً ، هبت من مكاني ، وحملت معي عصا غليظة كإجراءات أمنية احترازية تحسبا لأي طارئ، وبعدها تقدمت لخطوات فقط  ناحية الزريبة لأستطلع الأمر... قاطعته أخته أم ( شوطا) ثانية وقالت بنبرة المستجدي :
ـ أرجوك ارحمنا يا أخي...قل لنا ماذا حصل؟!! يكفي لقد حرقت أعصابي... هل أصاب البقرة مكروه.. لا قدّر الله؟
ـ لا يا أختي لا ، البقرة بخيـ ... بدا (شيرو) يشعر بالغثيان وبالرغبة في القيء ثم هاجمته نوبة جديدة من المغص الشديد ، اخذ يتلوى في مكانه ويصرخ... آخ... آخ ، المغص ... المغص ثانية ... ضغط على بطنه بكلتا يديه... حاول مغادرة  المكان  ليعود إلى البستان ثانية ،وهو يترنّح من ألم عميق يقطع أمعاءه .
وقفت أم (شوطا ) حائرة مذهولة ، تدور حول نفسها، لا تدري ماذا تقول ؟ وماذا تفعل ؟
ابتعد (شيرو) بضع خطوات... ثم توقف لينظر من جديد إلى أخته أم ( شوطا ) فوجدها جامدة، ينتابها قلق وريبة ، أومأ لها برأسه قائلاً : ( لا تخشي عليّ يا أختي ... سأعتني بنفسي )... ثم انتبه فجأة إلى نفسه،  وبتوتر راح يعلي حواجبه ويهز رأسه، وبراعم دهشة نبتت على أطراف خديه وامتدت جذورها إلى بقية وجهه، كمن تذكر شيئا في غاية الأهمية ... الحقي البقرة يا أختي لقد ولدت عجلا ً يغلب على لونه البياض ، ويوشّحه بعض السواد ، ولابد إن المشيمة قد نزلت الآن، حاولي أن تبعديها كي لا تأكلها البقرة  ، فتعرضها للخطر . سرت قشعريرة في بدنها ... أرادت أن تبتسم فرحة ... لكنها لم تستطع... دخلت أم (شوطا ) مسرعة إلى المنزل ، ونادت على زوجها بصوت مرتفع وفرح للغاية قائلة : يا أبو ( شوطا ) ، هيا ألحقني إلى الزريبة لقد ولدت البقرة ، أجلب معك الفانوس ؛ انه مركون في الطاقة الصغيرة في غرفة المونة ، كانت ( أم شوطا ) قد خرجت حاملة ( زنبيلها ) المصنوع من القش والخشب ، وقد وضعت فيه كل ما يلزم لتنظيف وقطع الحبل السري بالإضافة إلى مادة مطهرة ، وبصلة يشمم بها المولود لتنبيهه .
لحق بها ( أبو شوطا ) بعد أن لف رأسه (بالياشماغ )، ثم أحاط جسده بعباءته الصوفية السوداء  ، جهز الفانوس الذي راح ينشر ضوءه الخافت في أرجاء الزريبة ، حمله بيده ، واخذ يحرك عتلته الصغيرة باليد الأخرى ... عندها امتلأت الزريبة بضوء اصفر شاحب ليبدد بالكاد بعضاً من كتلة ذلك الظلام 0
كانت البقرة الأم واقفة على قوائمها ، وهي تلحس عجلها بحنان الأمومة الشديد بينما كان العجل يبدأ بالوقوف الغير مستقر ، وهو يبحث جاهداً عن حلمة الضرع ليرضع غذاءه الضروري و الغني بالمواد الملينة والمواد المعالجة .
قالت أم  (شوطا ) وهي تحاول إزالة جميع المواد المخاطية من على فم العجل، وفتحتي الأنف ليسهل التنفس، ثم تقدمه لأمه لتلعقه بلسانها، وتنظف ما عليه من مواد مخاطية: نحمد الله على الصدفة التي أوجدت أخي (شيرو ) هنا بالوقت المناسب ، من يدري ؟ ربما كان سيحدث ما لا يحمد عقباه!.
ـ وبصوت أكله التثاؤب تمتم أبو ( شوطا ) مع نفسه وهو يلف عباء ته السوداء المهترئة الحواف ، على جسده الخاوي: أن الحيوانات المتوحشة و البرية تلد بصورة فطرية , لذلك فإن التدخل في ولادة الحيوان هو هراء
ـ بعينين حانيتين ، رمقت أم (شوطا )زوجها وكأنها تطلب منه أن يكون أكثر رحمة : سامحك الله ، دائماً تنظر إلى نفسك بإكبار ومغالاة ، وتنظر إلى غيرك باستصغار وإجحاف ، فلا نظرتك إلى نفسك صحيحة ، ولا نظرتك إلى غيرك سليمة . (طول عمرك ناكر جميل ، وأناني ) .
قال أبو شوطا : وهو يشعل سيكارته الثانية ، ويسحب منها نفساً عميقاً ليبعث الدخان من منخري انفه الكبير المعقوف بتلذذ ، و ماذا تريدين مني أن أفعل لأكافئه وأجازيه ؟!
تبتلع أم ( شوطا ) ريقها بشكل ظاهر وهي ترفع رأسها  ،وتركز نظرها عليه في لهجة لا تخلو من الجدية و العتب : كان بإمكانك مساعدته ولو لمرة واحدة في حياتك وذلك في تأمين فرصة عمل له لدى صاحبك هذا صاحب المعمل ! لا اظن إن عاملاً أضافياً يؤثر على ميزانية المعمل !!
ـ سيدتي المثل يقول: (لما نشوف الصبي بنصلي عالنبي )،الرجل أحب أن يسدي لي خدمة ، وهو ليس بحاجة إلى قوى عاملة إضافية البتة ،وقد وعدته بأنني سأحتفظ  بسري لنفسي ولن يعلم به أحد ((ووعد الحر ديناً عليه)) كما يقال ! غداً الاثنين عندما أباشر بالعمل بإذن الله ، واستطلع الأمر عن قرب ، سيكون لكل حادث حديث . أن أخاك المدعو ( شيرو ) كالغربال ،لا يحفظ سراً  ، ولا يقيم على عهد ، وهذا ما تعرفينه جيدا !!
صمتت أم ( شوطا ) لحظة كأنها تسترد أنفاسها وتستجمع قواها ، ثم استمرت تقول: طالما منيت نفسي أن نتفق، ولو مرة واحدة في الحياة . ما الذي غيَّرك يا رجل؟ كنت زوجاً تقياً حنوناً، ولو كنت أعرف أن مصيري معك سينتهي إلى ما انتهى إليه الآن لما تزوجتك.‏
- هل أنهيتِ كلامك ؟ .. أنا ما كنت محتاجاً لمناقشتك كي أكتشف فيك حقاً ما ترينه فيَ باطلاً، كنت دائماً أقول لك مثل هذا الكلام وأنت تتهمينني بالجهل
ـ لا تجعلني أمل من أفكارك .. أرجوك
ـ اسمعيني و لا تقاطعيني.
ـ قد مللت من الكلام، إذا قاطعتك قطع الله لساني.
ـ لا بأس، لا بأس، لنؤجل هذا الكلام. هيا الآن نعود إلى البيت. لقد صار الوقت متأخراً وسيهطل المطر .
وفيما هما يلملمان ما يلزم إعادته إلى البيت ، فاجئهم صوت ( شيرو ) من طاقة الزريبة  بنبرة حادة أشبه بالفحيح :
ـ يا صهري أبو ( شوطا ), أنت رجل طيب.. والجميع يقدرّك ويحترمك.. وأنت تعلم مدى احترامي لك.. لكنك تجرحني  دائماً بكلامك ، أنا أقدّر وضعك...على المرء أن يؤازر أخيه وقت الشدّة, ويعلم الله كم فرحت عندما سمعت أنك حصلت على فرصة العمل هذه!!
دبّ الذعر في قلب  أبو (شوطا ), وامتقع وجهه, وارتعشت أطرافه, وللحظات تحرك هنا وهناك على نحو أخرق كأنه لا يعرف ما يتعيّن عليه فعله...
كان قلبه يتقد من الغيظ ، وعيناه ترسلان وهجا من نار .. فقد أدرك ما يدور في ذهن شيرو ... كونه من أصحاب السوابق العديدة في مجال البوح بالأسرار ، وخاصة العائلية منها . قال في نفسه : ليس لدي ذرة من الشك أن أمري قد أنكشف ، مع أنني قد اتبعت كل أساليب الحيطة والحذر...!! ثم غادر المكان تاركا زوجته خلفه يفكر كيف يتخلص من هذه الأزمة .
تلك الليلة، ظل يتقلّب في فراشه.. سرحت أفكاره في عالم ضبابي.. طال الليل، وطالت همومه.. لم يغمض له جفن، وظل طوال الوقت يساءل نفسه "هل أخطأ حين أباح بالسر لزوجته، وهل أخطأت عندما قالت له : (إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ، فصدر الذي يستودع السر أضيق  ) .

في الساعة السابعة صباحاً من يوم الاثنين المرتقب  صعد إلى الباص , وقد بقي مقعد وحيد فارغاً وكان المقعد جانب السائق . أسرع إلى المقعد الفارغ وجلس ولم يكن قد جلس  بعد ـ حين شاهد ( شيرو ) متكوماً في المقعد الثالث من الطرف الأيسر للباص إلى جوار النافذة ، كان ينظر إليه بشكل غريب وكأنه يريد أن يلتهمه بناظريه . تفرس أبو( شوطا ) في وجوه المسافرين الآخرين وجهاً وجهاً ... أنه يعرف معظمهم ـ العديد منهم هم ممن قال عنهم صاحبه ( صاحب المعمل): (هم في زحمة طابور العاطلين والباحثين عن العمل ) .
 انطلق الباص يهدر بصوت مشئوم ينفث روائح المازوت إلى الداخل. مزعجاً عصافير الصباح التي كانت قد شرعت في زقزقتها الأولى .

شعر أبو( شوطا ) بأن صوتاً من الأعماق يقول له ( لا تخف تعال , تعال , كن مطمئناً بأنك ستجد مكانك في المعمل شاغراً ) صوتاً كان يشبه صوت صاحبه إلى حد بعيد , وكان قد أنشغل بدنياه الخاص به  ،ولم يكن يشعر بما يجري حوله . ما إن توقف الباص في محطة الباصات المركزية بالمدينة حتى التقط أبو ( شوطا ) حقيبته الصغيرة بسرعة البرق وقفز الى الشارع ، أحنى ظهره قليلاً محاولا إخفاء نفسه عن الأنظار ، وانطلق مسرعا كالبرق إلى جهة غير معروفة ...
في العاشرة تماماً كان على وشك الولوج من الباب الرئيسي للمعمل حين واجه صاحبه وهو يهم بالخروج بسيارته ( البيك آب البيضاء ) ، وحين لمحهه أوقف سيارته بمحاذاته ، وأطفأ المحرك، ، تقدم أبو ( شوطا ) بضع خطوات مقترباً من باب السيارة الشمالي ، رسم على وجهه ابتسامة خفيفة تلاشت سريعا  عندما انحنى قليلاً  ولاحظ  ملامح صاحبه وهي توحي كأنه قادم من ساحة الحرب. رفع يده متردداً ليحييه ، إلا أن صاحبه أشاح بوجهه عنه , مبدياً. مظاهراً الضيق والتذمر ، أحس أبو ( شوطا ) أن دقات قلبه تزداد ضجيجاً ، كما أحس بقشعريرة غريبة تغزو أوصاله ، وشعر بضيق في الصدر وصعوبة في التنفس ، فانهمر العرق غزيراً من شتى أنحاء جسده . وقبل أن ينبس بكلمة ، استدار صاحبه بنظره الذي ينم عن عدم الرضا  باتجاهه ، وقد ركز عيونه التي تقدح شرراً في عينيه هادراً : للأسف يبدو أنني بالغت في الثقة بك ، وها أنت قد نكثت بالعهد الذي عاهدتني إياه... سامحك الله ... حتى الصداقة لم تحترمها !... هيا أذهب هاهو ( شيرو ) و طابور العاطلين عن العمل يشربون الشاي بانتظارك في بوفيه المعمل...!! حاول أبو ( شوطا ) أن يدافع عن نفسه ولكن أنى لذلك المسكين من أن يحقق مبتغاه فالغلبة دائما ً للمقتدر...(آسف ليس لدي وقت أبذله في صداقة للتسلية والعبث) قالها صاحبه... وأدار محرك السيارة وانطلق بسرعة البرق. تاركاً أبو ( شوطا )  الذي ألجمته الدهشة ، يدمدم كلمات لم يفهمها سواه .

اندروس هرمز \ لبنان



غير متصل وردة الحمراء

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 674
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
رد: السر والغربال...!! قصة قصيرة
« رد #1 في: 15:09 20/01/2010 »
عاشت الايادي عالقصة الحلوة

غير متصل البغديدي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 893
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
رد: السر والغربال...!! قصة قصيرة
« رد #2 في: 20:38 31/01/2010 »
قصة رائعة وجميلة جدا
قصة قصيرة امتعتنا بها جدا
ولك فائق احترامي جدا جدا
افكارك راقية ونبيلة جدا جدا

غير متصل هبة هاني

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 785
  • الجنس: أنثى
  • انا عراقية الوجع
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
رد: السر والغربال...!! قصة قصيرة
« رد #3 في: 10:10 02/02/2010 »
الاستاذ اندروس

احببت ان اسجل حضوري واعجابي بنصك
واحييك على قصصك الانسانية الرائعة والملئية بالحياة

هبة هاني
للتواصل مع الشاعرة عبر الفيس بوك او الماسنجر او البريد الاليكتروني
اضف: hiba_hani@yahoo.com

غير متصل andros57

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 109
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
رد: السر والغربال...!! قصة قصيرة
« رد #4 في: 11:09 02/02/2010 »
الأعزاء
هبة هاني
البغديدي
الوردة الحمراء
اسعدني مروركم الأكثر من رائع ، وتفاعلكم الوجداني مع القصة .
دمتم بعون الله