الفيلسوف الكبير افلوطين والافلاطونية الحديثة


المحرر موضوع: الفيلسوف الكبير افلوطين والافلاطونية الحديثة  (زيارة 9557 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1790
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
                             الفيلسوف الكبير افلوطين والافلاطونية الحديثة
بقلم يوحنا بيداويد
ايلول 2008


نبذة تاريخية عن عصره

يطلق على الفترة التي عاش فيها افلوطين بمرحلة الذبول والانحطاط الفكري، الفترة المظلمة،  وهذه الفترة معروفة ايضا بالهلسينية. تمتد هذه الفترة من زمن ارسطو الى حوالي القرن السابع الميلادي. وهي تنقسم الى مرحلتين مرحلة الاولى هو ظهور الفلسفة الرواقية والابيقورية المحدثة والثانية الافلاطونية الحديثة (1).
 سادت الانقلابات العسكرية و السياسية في القرن الثالث بعد الميلادية في الدولة الرومانية بسبب تدخلات الجيش في الحكم وتغير الاباطرة مرة تلو الاخرى،  الامر الذي ترك  خيبة واثراً كبيرا ً على الجنود الموجودين في الخطوط الامامية في المعارك . فمن جهة الشمال كانت هجمات قبائل الالمان (البربر) ومن الشرق كان الصراع الدامي مستمر مع الفرس ومن الداخل كانت المعركة اشد مع مرض الطاعون  فقد  قضى على ثلث سكان الامبراطورية، هذا بالاضافة الى زيادة الضرائب اضعافا ادى الى انتشر الفقر ، فأضطر سكان المدن الكبيرة الى الهرب الى الريف  تجنبا من حمل الضرائب، فاثرت على مراكز الثقافية كثيرا. تولى البربر مقاليد الحكم، كذلك انهيار الديانات الوثنية امام الديانة المسيحية والديانات الشرقية الاخرى مثل ميثرا والزداشتية الفرسية والالهة ايزيس في مصر والاله سيبل في اسيا الصغرى. كل هذه العوامل ساعدت على التفكك بين اركان الامبراطورية الى ان جاء عهد  قسطنطين ليحميها موقتاً من السقوط.

حياة افلوطين ( 204-270 م)
يعد افلوطين مؤسس الافلاطونية الحديثة اعظم فيلسوف بعد افلاطون وسقراط. وهو اخر الفلاسفة العظماء في تاريخ الفترة المظلمة. يشتق اسم افلوطين من الفعل الاغريقي  (بليو او بلوو) التي معناها ابحر او يبحر، ومنها تشتق بلوتينوس اي المبحر وفسرت الكلمة بمعنى المسافر، اي المسافر من الشرق والغرب او بمعنى مجازي المبحر بين الفلسفات الشرقية والغربية من اجل الممعرفة.

المصدر الوحيد عن حياة افلوطين هو تلميذه ( فورفوريوس الصوري) الذي لخص حياة و فلسفة استاذه في كتابه المشهور (التساعيات)،  ما بين سنة 263 – 270 م ) كذلك ما جمع الاخير عن احداث حياة استاذه عن طريق  الاتصال باصدقائه وبقية تلاميذ افلوطين بعد مماته.

ولد افلوطين في 205 م في مدينة ليقوبولس (اسيوط الحالية في مصر). لم يذكر اي شيء عن اسرته ووطنه. لكن اغلب المصادر تميل الى ان افلوطين بقى في ليقوبولس حتى بلغ العشرين من العمر. في سنة 232م ترك مدينته وتوجه الى مدرسة الاسكندرية (3) باحثا عن العلم والمعرفة. بعد تفحصه افكار المعلمين لم يجد ما يرضيه او يروي عطشه للمعرفة والفلسفة لحين ان التقى عن  طريق صديق له بأمونيوس ساكاس(1)  ما ان انتهى حديث الاخير حتى صاح افلوطين : " هذا هو الرجل الذي كنت ابحث عنه". اصبح تلميذا لساكاس لمدة 11 سنة ، فإطلع على الفلسفة اليونانية بالكفاية، ثم  قرر السفر الى الشرق لكي يطلع على الفلسفات الشرقية كالفارسية والهندية ، البعض الاخر يقولون التحق بحملة الامبراطور جورديان الثالث ضد الفرس، بسبب صغر سن هذا الامبرطور وقلة خبرته قتل على يد قائد جيشه الذي يدعى فيليب في سنة 244م في وادي الرافدين، فترك افلوطين الجيش وهرب الى سوريا ومن هناك الى روما التي بدأ فورا بالتدريس هناك.

افلوطين لم يذكر اي شيء حياته ولا عن هذه احداث في كتاباته، عزا نفسه من الحياة السياسية، وجعل اهتمامه كله منصبا على عالم اخر، عالم الخير والجمال. لم يكن في تعارض او منافس مع احد في حياته ، لا مع المسيحية ولا مع الوثنية . يبدو انه اقتنع بأن العالم الواقعي العملي لا امل فيه خاصة في وقت كان مرض كوليرا والانقلابات والحروب تضرب الدولة من كل الجهات . فانتقل اهتمامه الى  العالم الاخر، عالم الاخر يقابله  في المسيحية "ملكوت السماء" الذي  يتمتع الانسان في في الحياة الاخرى بعد موته.

بالنسبة لافلوطين كانت فكرة عالم المُثل لافلاطون الذي له صورة ناقصة في ا لعالم الارضي الطبيعي،ذلك العالم المملوء من الشر، حجر الاساس لفلسفته . يقول بعض المؤرخون ان اللاهوتيين المسيحيين جمعوا هذه الافكار وهذه الاراء في تفسيرهم اللاهوتي لشخصية السيد المسيح. يصف (دين انج) في كتابه الفريد عن الافلاطونية عن هذا الموضوع حيث يقول :" ان المسيحية مُدِينَ لافلوطين بإكتسابها التركيبة اللاهوتية في موضوع التثليث منه".  ويردف قائلاً:" من المستحيل ان تكون الافلوطونية منبثقة من المسيحية بدون ان يتم تفكيكها الى اجزاء.  لذلك ان كل الافكار اللاهوتية المسيحية ماهي الا تجسيد لافكار افلوطين ، وان فكرة التثليث هي من انتاجه الفكري لوحده تبناه اللاهوتيون المسيحيون" واستشهد بكلام القديس اوغسطينوس الذي قال عن نظام المُثل لافلاطون :"انه الاكثر اشراقا من كل افكار الفلسفية، وان افلوطين كأنه هو الرجل عاش فيه افلاطون مرة اخرى، واذا كان عاش فترة قصيرة اخرى لك يكن يحتاج الا بعض العباراة والكلمات فقط واصبح مسيحياً"( روسيل ص 290)

يقول  (دين انج) ايضاً :  " ان توما الاكويني هو اقرب الى فلسفة افلوطين من ارسطو" . وفي مكان اخر يقول " ان اهمية افلوطين ليست منحصرة في وضعه تركيب ثابت للفلسفة الميتافيزيقية لمدة 1500 سنة وانما في فلسفته عن موضوع الجمال ايضاً.)
 يقول الفيلسوف الانكليزي روسل: " ان افلوطين كان اكثر واضحاً من افلاطون وتلميذه ارسطو في وصفه للعلاقة الموجودة بين الجسد والروح او النفس" .

افلوطين في روما:
عندما وصل الى روما اسس مدرسة خاصة لنفسه ، كان عمره حوالي اربعين سنة في حينها ، فقضي بقية حياته معلما ومرشداً، احتوت مدرسته على الكثير من الطلاب من شتى الشعوب ومختلف الطبقات والمهن. حتى البعض يقول كان من بين طلبته المعجبين الامبراطور  جالينوس وزوجته سالونين.
لم يكتب افلوطين اي شيء خلال فترة احدى عشرة سنة الاولى من حياته في روما. فسر البعض ان سبب ذلك لم يرد ان يكتب شيئا تلقاه من استاذه او تعلمه من استاذه امونيوس ساكاس في مدرسة الاسكنرية.

تعليم افلوطين كان يشبه حياة الرهبان في الاديرة، التقشف و الزهد والابتعاد عن السياسة التقوى والصلاح التي ساعدته الى التوصل الى شفاء النفس عن التخلص من الرغبات الارضية واماته الشهوات والغرائز، فعاش حياة القديسين في وسط ترف طبقات البيرقراطية المنتشرة  في روما في حينها. حتى قيل انه لم يكن يخجل من جسمه بقدر ما كان يخجل من وجوده (روحه) في ذلك الجسد على حد قول تلميذه فورفوريوس.

فلسفته
اركان هذه الفلسفة هي ثلاثة اقانيم، لكن لكل من هذه الاقانيم خصوصيته، الاله الواحد او اله الاول الذي هو ساكن، ومنه يصدر العقل الكلي او اللوغوس الذي يحتوي على مُثل الاشياء لفلسفة افلاطون ومن العقل الكلي تصدر النفس الكلية ومنها تخرج النفوس الجزئية بشكل هيولي .

اولا الله الواحد:-
كان افلاطون هو اول من اشار الى الاله الواحد ( الباب السادس من جمهوريته)، ثم جاء بعده ارسطو ليقول انه المحرك الاول الذي لا يتحرك. افلوطين حاول رفع مكانة الله الى مرتبة اعلى في سموه  من اله في مثل افلاطون والعقل ارسطوي، ووصف بارمنداس الشعري انه غير قابل للوصف والتعريف.
اهم صفات الله عن افلوطين هي الطبيعة الواحدة، يضعه في قمة الموجودات فتارة يصفه بالله الخير (افلاطون) تارة اخرى بالاب ( مفهوم مسيحي)، سلط افلوطين نظره على المميزات الرئيسية  لهذا الاله هي انه غير متناهي مقابل المتناهي الموجود في العالم او المحدود، الاصل الواحد مقابل الكثرة المتميزة في هذا العالم، العقل المدبر والمعقولات.
افلوطين حاول ابعاد تدخل الله في هذا العالم كي لا تخل عن وحدانيته وسموه وكماله. لذلك لا يصفه بالعقل الاول بل ان العقل الاول صدر منه مثلما يصدر من الشمع النور. ولا يمكن اعطائه وصف لان الوصف درجات. انه الحاضر والماضي والمستقبلمثل الكرة.

ثانيا العقل او اللوغوس:-
هو الاقنوم الثاني في الثالوث الذي وضعه افلوطين. الاله الواحد الغارق في وحدته لايمكن ان يستمر في هذه الحالة دون انبعاث الخير منه ، يتم ابعاث او صدور العقل او اللوغوس الذي هو مبدئه الثاني دون حدوث اي نقص او تغير فيه. لكن العقل هو اقل كمالا من الله ،فالعقل هو صورة الواحد ( كما وصف ارسطو العلاقة بين الصور والمادة ليعطي الشيء هويته في الوجود) وهكذا سيكون النفس الكلية صورة للعقل الكلي. فكل شيء ادنى هو صور للذي اعلى من مستواه والذي هو علة وجوده.
العقل لدى افلوطين مرتبة من مراتب الروحية في ارتقاء الروح الى القمة الاخيرة اي الاتحاد مع الله ، لذلك يحتوي على مثل افلاطون ، وصور ارسطو، واله الرواقيين (العقل المسير العالم بالقدرية)
هذا النور او العقل هو الدليل الوحيد لوجوده ، لخيره وكرمه.

ثالثا النفس الكلية:-
النفس هي جوهر الهي عن طريق حمله لصور المعقولات التي بدورها هي الاخرى  صورة لاله الواحد. النفس هي نقطة الاتصال بين عالم المثل والمعقولات وعالم الحقيقي الواقعي الذي نعيشه في هذا العالم.
افلوطين يؤمن بأن النفس هبطت من عالم المعقولات الى عالم الابدان (عالمنا الواقعي)  (على غرار فكرة افلاطون ) واصبحت قابلة للانقسام وغير الانقسام، ولهذا احتفظت بصلتها مع عالم المعقولات .
اما لماذا ترغب النفس بالعودة الى اصلها؟
فجواب ذلك السؤال يفسر مبني على ميكانيكة العمل بين الاقانيم الثلاثة والعالم المحسوس.
لان العقل الكلي هو صورة الواحد ، وهو كلمته (لاحظ التشبيه مع عبارة يوحنا الانجيلي) ، فان العقل الكلي يتجه الى الواحد و يتأمله ويعشق للاتحاد به ومن هذه العلاقة يصدر مولود جديد هي النفس الكلية ، وهذه الاخيرة هي  كلمة العقل وفعلها.
اذا حسب هذه المتوالية يصبح كل مولود يشتاق الى الكيان الذي خلق منه لانه يحبه او يعشق اليه من اجل اكمال ذاته، لكن نتيجة هذا العشق هو ولادة مولودات جديدة اقل منها سموا وهي الانفس الجزئية.

النفس تكون العالم وتعطيه الوجود، تستمد النفس صفتها الغير قابلة للانقسام من العقل التي تصدره، لكن لابد للنفس ان تتحد بالبدن فمن هنا تستمد حالة اقسامها وحلولها في عددة ابدان. بهذا تكون لها  الصفتين المتعارضتين الانقسام والغير انقسام.
 فيقول افلوطين : ( ان النفس منقسمة لانها تحل في كل جزء من اجزاء البدن الذي توجد فيه، وغير منقسمة لانها لانها توجد بأكملها في جميع الاجزاء وفي كل جزء معين من ذلك البدن)

-------
1- -  الافلاطونية الحديث،هنالك خلط بين الفكر الفلسفي لمدرسة الاسكندرية التي كان روادها كل من امونيوس و ساكاس و افلوطين وابروقلس  والفلسفة الافلاطونية الجديدة التي ولدت في هذه المدينة على يد امونيوس ساكاس ( 185-250م) (1) وتطورت على يد تلميذه افلوطين ومن ثم تلميذ افلوطين فورفوريوس.

2- مونيوس ساكاس لم يترك اي كتابات كي يتم القاء الضوء على فكره لذلك البعض يعتبر افلوطين هو المؤسس الحقيقي لافلاطونية الحديثة.

3-  مدرسة اسنكدرية هي من اشهر مدارس فكرية ظهرت في الشرق الاوسط، اسسها اسكندر المقدوني في فترة البلاطمة اثناء حملته على مصر، ذاع صيتها بين الشرق والغرب وانتجت فلاسفة عظماء كثيرون امثال بطليموس وجالينوس وافلوطين واقليدس و امونيوس . وادباء مشهورين مثل كاليماخوس و ابولونيوس وثيكريتوس. المصد ر
كتاب الانسان والله ص 90