الديمقراطية والعملية السياسية ومقصلة هيئة المساءلة والعدالة...!!
بقلم: خوشابا سولاقامن المفروض أن تكون الديمقراطية حاضنة أمينة للصراع والتنافس الفكري والسياسي بين الأراء والأفكار المختلفة للكتل والاحزاب السياسية من أجل التناوب على السلطة بالطرق السلمية وبشفافية من خلال صناديق الاقتراع والأحتكام الى جماهير الشعب وليس أن تتحول الديمقراطية سيفاً بتاراً على الرقاب لأقصاء الخصوم وإسقاطهم سياسياً بأعتماد أساليب ملتوية ذات شكل ديمقراطي مغلف بالقانون ولكن بمحتوى يقود الى الديكتاتورية من خلال إستغلال وإستثمار سلطة القانون ومؤسسات الدولة لصالح القائمين عليها وبالاستناد الى خلفيات الماضي السياسية وثقافة الثأر والانتقام والشك بالآخر وتخوين الخصم السياسي وبالتالي إسقاطه سياسياً، إن مثل هذه الاساليب تشكل بحد ذاتها إسقاطاً للديمقراطية نفسها وإقصائها من الحياة السياسية.
عند تحليلنا ودراستنا للواقع العراقي وتاريخه السياسي وخارطته السياسية من حيث تواجد وإنتشار القوى والتكتلات السياسية المتنوعة في قيمها وأيديولوجياتها وتوجهاتها السياسية ومنطلقاتها الفكرية وخلفيات تكوينها تاريخياً وإجتماعياً على الساحة العراقية سوف لانجد بديلا أفضل للديمقراطية كمنهج سياسي وكنظام لادارة شؤون الدولة والحكم في ظل هذا التنوع والتعدد، إذا كان ذلك محكوماً بمعايير أخلاقية شفافة ونوايا وطنية صادقة لأجل توسيع قاعدة المشاركة لكل القوى السياسية العراقية في العملية السياسية الجارية لغرض استقرار الاوضاع السياسية والامنية والاقتصادية والاجتماعية في البلد عندها سوف لايكون أمام النخب السياسية العراقية الوطنية المخلصة غير العمل والبحث لأيجاد صيغة لأدارة الدولة بالشكل الذي تعبرعن إرادة هذا التنوع والتعدد القومي والديني والطائفي والسياسي في العراق الجديد، وعندها سوف لانجد صيغة اكثر ملاءمة وتعبيراً من الديمقراطية الليبرالية ذات التوجه العلماني وذات الرؤية الوطنية لأقامة دولة القانون والمؤسسات البعيدة عن مبدأ تقديم وتكريس الخصوصيات في الواقع السياسي على الأرض على مبدأ تقديم وتكريس المشروع الوطني وإحترام الخصوصيات الأخرى لكافة أبناء الشعب العراقي، وليس دولة الأحزاب والاشخاص والجماعات. إن ماجرى من إقصاء واستبعاد للمرشحين للانتخابات البرلمانية القادمة لمجلس النواب العراقي تحت يافطة تطبيق القانون والدستور من خلال هيئة المساءلة والعدالة ماهو إلا عملية خلط الاوراق وتضليل المواطن وتشويه قناعاته في إختيار من يراه الافضل لتمثيله في شغل مقاعد مجلس النواب من جهه واسقاط الخصم سياسياً من جهه أخرى وذلك من خلال تسييس هذا الموضوع الحساس جداً من قبل أطراف لها وجود مؤثر في تركيبة هيئة المساءلة والعدالة ومهيمنة على توصياتها وبالتالي توجيهها لأسقاط البعض سياسياً لحساب البعض الآخر من الكتل المتنفذة في صياغة وصنع القرار السياسي العراقي وبذلك يكون قد تحولت هيئة المساءلة والعدالة الى مقصلة على رقاب الخصوم السياسين الآخرين.
وقد استغلت ظاهرة إجتثاث البعث والبعثيين في كل المناسبات من قبل البعض من القوى السياسية المتنفذة إستغلالاً سياسياً سيئاً بأمتياز الى أقصى الحدود كوسيلة فعالة لأقصاء وإسقاط المتنافسين من المرشحين من القوائم الأخرى من جهه وإرباك الوضع السياسي المرتبك والقلق أصلاً بسبب نشاط الارهاب والارهابيين من جهه ثانية في سبيل خلق وضع خاص يلائم تطلعات واجندات ذلك البعض الانتخابية.
حيث من الملاحظ بوضوح أن تركيز دولة السيد رئيس الوزراء في كل خطاباته ولقاءاته بالجماهير في الفترة الأخيرة كان منصبا على التحذير من خطر البعثيين ومحاولة عودتهم للحكم وإن كان ذلك للاستهلاك والدعاية الانتخابية إلا أنه ساهم بشكل فعال في تحشيد الشارع وتوجيهه بهذا الاتجاه بغرض جعل الناخب الذي تضرر من البعثيين ونظامهم وعانى منهما الأمرين الابتعاد في تصويته عن تلك القوائم المتهمة بالولاء والترويج لفكر حزب البعث... وهذا الاسلوب أو هذا النهج السياسي كان من الاسباب التي دفعت بهيئة المساءلة والعدالة الى التوصية بأقصاء واستبعاد الكثير من المرشحين وبالأخص من تلك القوائم التي تبنت الخطاب الوطني ونأت بنفسها عن الخطاب الطائفي والمعروفة تاريخياً بتوجهاتها الوطنية والديمقراطية وغير المؤمنة بالطائفية والمحاصصة الطائفية والقومية على حد سواء. وقد خلق هذا التوجه مناخاً ملائماً وظروفاً مناسبة للعودة بالعملية السياسية الى المربع الاول بعد كل ماقدمه الشعب العراقي بكل اطرافه المشاركة في العملية السياسية والاطراف الداعمة والساندة لها من التضحيات البشرية والمادية من اجل إنجاح هذه العملية والوصول بها الى شاطيء الأمان والخروج بالعراق من هذا النفق المظلم الذي حشر فيه حشراً وإنقاذه من السقوط في مستنقع الحرب الاهلية الطائفية والقتل على الهوية، هذا إضافة الى ما شكله هذا الاسلوب من خلال هذه الأجراءات بصورة غير مباشرة من ترويج لأفكار حزب البعث وإذكائها في المجتمع وبالتالي أصبح الحديث في الشارع كله يدور حول حزب البعث وإمكانية عودته الى السلطة من جديد وإظهاره بمظهر الضحية والمظلوم وليس بمظهر الجلاد الظالم كما ينبغي أن يظهر دائماً، الجميع متفق على وجوب إقصاء البعثيين الصداميين ومنعهم من التسلل والعودة على المسرح السياسي ممن إرتكبوا الجرائم بحق الشعب العراقي وتلطخت أيديهم بالدماء العراقية وفقاً للقانون ومن خلال القضاء، ولكن ليس كل المنتمين الى حزب البعث والمرتبطين بأجهزة الدولة البعثية التي دامت قرابة الاربعة عقود لأن ذلك سيشكل ظلماً على الكثيرين من أبناء الشعب العراقي اضافة الى انه سيشكل اضعافا لامكانيات الدولة وخسارة الكثير من خبراتها المقتدرة والمتدربة والمؤهلة في مختلف الاختصاصات والتي هي بامس الحاجة اليها الان، ولذلك يتطلب التمييز بين هؤلاء وأولائك المجرمين لكي تكون هيئة المساءلة والعدالة منصفة في عملها لا أن تكون نظيراً للصدامية السياسية التي كانت تعتبر كل من ليس معها فهو ضدها وعدواً لها يجب إقصاؤه من الحياة، هذا ما يتطلب من القائمين على هيئة المساءلة والعدالة أن تتذكره دائماً وتعيه بعمق لكي لاتظلم من لايستحق الظلم وتساوي بين الجلاد والضحية لأن أغلب المنتمين الى حزب البعث وتنظيماته العسكرية والامنية والنقابية وغيرها أجبرتهم ظروفهم المعاشية وطبيعة الحياة والقوة الغاشمة للحزب والسلطة على الانتماء وبالتالي هم ضحية وليسوا الجلاد ليكون التعامل معهم على أساس الجلاد.
إن استمرار هيئة المساءلة والعدالة والتي لا تمتلك لحد الآن بأشخاصها الحاليين الشرعية القانونية والدستورية على هذا النهج في تعاملها مع هذا الموضوع الحساس وبهذه الطريقة الانتقائية وبأيحاء وتأثير ثقافة الثأر والانتقام من أجل إقصاء الخصوم السياسين في العملية الانتخابية، تشكل خرقاً للدستور وطعناً بنزاهة وشفافية وشرعية الانتخابات إضافة الى تحول عملية المساءلة والعدالة الى مذبحة للعملية الديمقراطية وحرية الفكر والرأي في العراق وبالتالي تشكل مقبرة للمصالحة الوطنية والعملية السياسية المتعثرتان أصلاً، في الوقت الذي يتطلب الأمر من الجميع بشكل عام ومن القائمين على صنع القرار السياسي العراقي بشكل خاص غير ذلك تماماً، أي العمل لأجل استمرار المصالحة الوطنية والعملية السياسية وضم كل القوى السياسية الوطنية العراقية الى هذا الموكب المتنوع التكوين والشامل لكل الاطراف العراقية المتخاصمة والحريصة على مصلحة الوطن للوصول بسفينة العراق الى بر الامان والحياة الكريمة، وأن ترفع شعار تحقيق المصالحة الوطنية وفق مبدأ "مصالحة الشجعان" القائمة على اساس تقديم التنازلات المتقابلة من اجل هدف اسمى مع تشديد الأقصاء والاستبعاد للقيادات والكوادر البعثية الصدامية العليا ومنعهم من تولي مناصب مهمة وحساسة في الدولة، وكذلك إقصاء من يثبت عليه بالدليل القاطع إرتكاب الجرائم أو سبب بأرتكابها عن عمد من البعثيين وأزلام النظام السابق من الاجهزة القمعية من غير البعثيين ممن أرتبطوا بهذا الشكل أو ذاك بأجهزة النظام القمعية برغبتها وقناعتها دون إجبارها على ذلك من أجل تحقيق مكاسب شخصية غير مشروعة وتلطخت أيديهم بدماء العراقيين وان تطبق هذه الاجراءات بحق الاخرين من الاحزاب والحركات السياسية ممن لهم جرائم وتوجهات فكرية مماثلة تروج للعنصرية والتعصب القومي والديني والطائفي واثارة النعرات والفرقة بين مكونات الشعب والتي تخالف مضمون المادة السابعة من الدستور وعلى أن يجري ذلك من خلال القضاء وفقاً للقانون والدستور والمواثيق الدولية ولائحة حقوق الانسان، وأن يكون التعامل مع غير هؤلاء تعامل سياسي كمواطنين عراقيين لهم من الحقوق والواجبات ما لغيرهم.
وعليه فأن الدولة العراقية بكل مؤسساتها الرسمية التشريعية والتنفيذية والقضائية مع المؤسسات الأعلامية ومؤسسات المجتمع المدني تتحمل مسؤولية العودة بالبلاد الى المربع الاول، أي بعبارة أخرى العودة من جديد الى نقطة البداية، في الوقت الذي من المفروض به أن تستمر الجهود وتتظافر في تحقيق المصالحة الوطنية لدفع العملية السياسية بقوة الى الامام نحو أهدافها الاستراتيجية على مسارها الصحيح وأن تطور آلياتها الوطنية وتعزز من الثقة المتبادلة بين أطرافها وأن تعمل على إزالة كل المعوقات من طريق تقدمها الى الامام والتغاضي عن إثارة كل ما يعكر صفاء جو الحوار الوطني الديمقراطي الأخوي بين الفرقاء القائم على أساس نشر مباديء الحرية والعدالة والمساواة ومحاسبة الجريمة بالطرق القانونية وإشاعة ثقافة التسامح الوطني والمحبة الوطنية على حساب إقصاء ثقافة الثأر والانتقام على خلفيات الماضي السياسية، إن كل هذه المتطلبات الموضوعية التي يقتضيها نجاح المصالحة الوطنية وبالتالي العملية السياسية في تحقيق هدفها الوطني في بناء دولة ديمقراطية تعددية مدنية دولة القانون والمؤسسات الدستورية وليس دولة أشخاص أو أحزاب تتقاطع بل تتناقض مع ما جاءت به هيئة المساءلة والعدالة وخصوصاً في ظل الظروف الانتخابية التي يمر بها العراق الخارج توا من تحت مظلة النظام الشمولي الذي دام عقودا من الزمن والذي كان كل شيء فيه مسّيس للنخاع كما يقول المثل.
حيث كان يجبر العراقيون مقابل لقمة العيش والحصول على وظيفة أو فرصة عمل في مختلف دوائر ومؤسسات الدولة على الانتماء الى حزب البعث ومؤسساته الامنية والعسكرية وكان يتم مساومة السياسين من الاحزاب الأخرى بعد إسقاطهم سياسياً بالاساليب البشعة بالعمل والتعاون مع الاجهزة الامنية مقابل حياتهم، امور كثيرة من هذا القبيل كانت تحصل في عراق البعث الصدامي، لذلك يستوجب على هيئة المساءلة والعدالة ان تميز بين هؤلاء واولائك المجرمين الذين تلطخت ايديهم بدماء العراقين.
وعليه فأن اقل مايمكن ان يقال بحق اجراءات هيئة المساءلة والعدالة هو انها اجراءات غير مناسبة في ظروف وزمان ومكان غير مناسبة. لذا على المعنيين بالامر ان كان خدمة العراق وشعبه هدفهم ان يعيدوا النظر بهذه الاجراءات التي تثير الكثير من التساءلات والغموض حول طبيعتها وخصوصاً إنها اتخذت قبل فترة وجيزة من الانتخابات النيابية مما ألقى بظلال قاتمة من الشك على مصداقيتها وشفافيتها وشرعيتها القانونية، وعليه يتطلب إعادة النظر بتقييمها بواقعية وموضوعية في ظل ظروف العراق التاريخية التي تم التنويه إليها وإيقافها الى حين حيث يكون الوقت والظروف السياسية اكثر مناسبة لقبول التعامل مع مثل هذه الاجراءات بأيجابية اكبر مما هي عليه الآن، وذلك بعد أن يتم وضع معايير علمية تتضمن القدر الاكبر من الشرعية القانونية والدستورية لتحديد المستحقين فعلاً بالشمول بهذه الاجراءات، ولكي يكون الحد الفاصل بين الجوانب الجنائية والجوانب السياسية في عمل هيئة المساءلة والعدالة واضحاً وجلياً، هذا من جهه ومن جهه أخرى لكي تكون هيئة المساءلة والعدالة هيئة مهنية مستقلة تحدد المشمولين بأجراءات المساءلة والعدالة فقط دون أن تتحول الى محكمة جنائية وتأخذ دور القضاء وتضع نفسها محله وينحسب ذلك عليها خرقاً دستورياً ويطعن بشرعيتها القانونية ومهنيتها وإستقلاليتها...
وفي هذا الجانب ادعو الى الاقتداء بتجربتي اقليم كوردستان العراق وجمهورية جنوب افريقيا وغيرها من تجارب الشعوب في العالم بصدد التخلي عن ثقافة الثأر والانتقام وتحقيق المصالحة الوطنية والتخلص والتحرر من عقدة الماضي ووساوسه وننطلق الى المستقبل بروح مسامحة خالية من الحقد والكراهية، واعتقد جازما ان ذلك يصب في مصلحة حاضر ومستقبل العراق وخير ما يحتاجه الان واستكمالا لهذه الدعوة أشيد بمبادرة فخامة السيد رئيس الجمهورية "مام جلال الطالباني" التي اطلقها في مؤتمره الصحفي مع مجموعة من الصحفيين بتاريخ 21 كانون الثاني الجاري من عام/2010 التي تصلح لأن تكون قاعدة واساسا لتجاوز هذه الازمة التي يمر بها البلد.
واكثر ما يبعث الى الارتياح في هذه المبادرة هو كونها كانت موضع ترحيب وقبول الغالبية من القوى السياسية والتيارات الوطنية والشخصيات الديمقراطية العراقية، وأملنا كبير بكل المعنيين المخلصين الحريصين على مصلحة البلاد من المسؤولين في مجلس الرئاسة ومجلس النواب والحكومة والقضاء والأحزاب السياسية المختلفة ان يقفوا صفاً واحداً يدا بيد لدعم وإسناد هذه المبادرة وتطويرها وجعلها اساسا صالحا لحل وطني شامل من أجل الخروج من هذه الازمة التي وضعت العراق على مفترق الطرق وتجاوزها بسلام وتحقيق إنتخابات ديمقراطية نزيهة وناجحة ومعبرة بصدق عن إرادة الشعب وأن تكون موضع رضى وقبول الغالبية العظمى من جماهير الشعب وأن تكون رداً صاعقاً للمراهنين على فشلها وبالتالي فشل النموذج العراقي للديمقراطية وأن يكون نجاحها بمثابة وصمة عار وخذلان للمتربصين بمستقبل وسيادة العراق وأن تشكل سداً منيعاً بوجه تيارات الارهاب والارهابيين القادمين من خارج الحدود لتخريب وتدمير العراق وإشاعة الفرقة بين أبناءه ولتكون سيفاً بتاراً لقطع الأيادي الآثمة التي تتدخل في شؤون العراق وتتلاعب بمصيره من خلال قنوات الطائفية البغيضة وغيرها من الامراض التي تضر بوحدة الوطن والشعب... ولنرفع صوتنا عاليا يا أبناء الشعب العراقي إتحدوا من أجل حماية وحدتكم الوطنية ونجاح تجربتكم الديمقراطية في بناء العراق الجديد.