شتيمة من ناقص في عقر داري


المحرر موضوع: شتيمة من ناقص في عقر داري  (زيارة 1430 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل د. دنحا طوبيا كوركيس

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 145
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
شتيمة من ناقص في عقر داري
« في: 20:26 02/02/2010 »
مرثية ذاتية لها بقية...
خاطرة قصصية رقم (10) بعنوان
:


شتيمة من ناقص في عقر داري

بقلم: أ. د. دنحا طوبيا كوركيس

جامعة جدارا/ الأردن


حبّذا لو اخذونا في نزهة بين الحملان برعاية كلب يحمينا من الذئاب وراع يهدينا إلى مراع تتغنى ببرسيم نيساني أخضر تزينه ازهار البيبون ذات اللب الاصفر والاجنحة البيضاء وقالوا لنا: ها هنا انتم قاعدون سالمون غانمون، ولكن كالدجاج اقتادونا إلى معسكر "درنجوخ" لتدريب الجيش الشعبي وقالوا لنا: ها هنا تصنع الفحول وليس في الحقول. كان ذلك في صيف سنة 1984 من تاريخ جامعة الموصل، صيف لاهب تنقلب فيه المعادلة بين الاستاذ والطالب لتصبح مفردة "الرفيق" جسرا يعبر عليه الأمير والحمير. والأنكى من ذلك، يُخاطب بها من تلصق به تهمة أو يحاكم بالخيانة العظمى. هكذا شاء منظرو "الاشتراكية" و "الوطنية" في العراق، ومن على الجسر سقط اساتذة جامعات اجلاء، ومنهم ابن خالي قرياقوس ميخا خمي الذي ابتلعه نهر "القارون" في الحرب مع ايران. يبدو أن قيادتنا لم تقرأ مذكرات تشرتشل، رئيس وزراء بريطانيا، الذي رفض أن يرسل اساتذة الجامعات إلى جبهات القتال في الحرب العالمية الثانية. ولكن حصل الذي حصل وما علينا سوى كتابة التاريخ كما عاصرناه بأمانة.

استغربت من تسمية "درنجوخ" للمنطقة الواقعة في الطرف الجنوبي لناحية الرشيدية/ قضاء تلكيف الواقعة على الضفة الغربية من نهر دجلة. قد تكون الكلمة كردية أو تركمانية لأن اغلب ساكني الناحية هم من التركمان الذين استقبلونا بالاهازيج والتصفيق على حافتي الطريق المؤدية إلى المعسكر ظنا منهم أننا في طريقنا إلى تحرير المناطق العراقية التي وجدت فيها القوات الايرانية "موطأ قدم" بينما تتبادل الدولتان قصف المدن. كان الطلبة، خاصة الراسبين والمكملين في الدور الأول من الامتحانات النهائية، فرحين بتواجدهم مع اساتذتهم الذين يشاركونهم خيمهم وقصعتهم ودس اصابعهم فيها لتناول وجبات الغداء والعشاء، ناهيك عن انتعاش آمالهم في النجاح. للمقاتل "الصنديد" خياران، إما دس الأصابع في القصعة المشتركة، أو الامتناع عن الطعام بانتظار سائق التموين، الاستاذ سليمان، كي يأتيه بما يتيسر له من السيكاير والمعجنات في طريق عودته إلى المعسكر. كنت أنا وزميلي الاستاذ صبحي نمتنع عن تناول الطعام في الأيام التي يرى احدنا بأن حاوية الشِـجر (الكوسة، بلهجة الشام) تكسوها طبقة سوداء وخضراء وزرقاء. تأملنا مرة الوعاء (الطشت) الذي يحتويه الشـِجر المقطع. تغاضينا عن الاتربة وحبات الرمل التي كانت تأتي بها الرياح لأن الشـِجر سيغسل بالماء قبل وضعه على النار، ولكن ماذا عن جيوش الذباب؟
علق صبحي بفكاهته المعهودة: اشبع اليوم بروتينات!
-   ولكن الذباب الأخضر، يا أبا بسمان.
انفجر صبحي ضاحكا لأنه يعلم بأن هذا النوع من الذباب يعيش على فضلات الانسان وروث الحيوانات وكل ما هو "فطيس" (أي نافق).
وفي حضرة ملايين المايكروبات، تبدأ الاتصالات والمشاورات للحصول على فتات من الخبز أو بقايا المعجنات.

مرّ اسبوعان على تواجدنا في المعسكر الذي تأقلمنا مع سلوكيات القائمين عليه. اقتصر التدريب على الرياضة والانضباط والتوجيه المعنوي. كنت انتظر بفارغ الصبر صدور الامر الجامعي الذي يقضي مشاركتي في مؤتمر دولي بالنمسا. لم يكن صبحي متفائلا حول امكانية حصولي على موافقة جامعة الموصل بايفادي إلى الخارج في ظل الحرب الدائرة بين العراق وايران، ناهيك عن أننا كنا في معسكر تدريبي لا يسمح بالخروج منه سوى للضباط المجندين. انتهزت فرصة وجود (النقيب) الدكتور مؤيد معنا، وطلبت منه متابعة الموضوع.
وجاء الجواب بالايجاب...
لم يصدق احد عينيه وهو يقرأ الأمر الجامعي القاضي بإيفادي، كما لم اصدق سماع سيل من كلمة "مبروك" من افواه الزملاء والطلبة. هرعت إلى آمر المعسكر، النقيب (م ح) للحصول على موافقته بترك المعسكر. عندما وصلت إلى خيمته كان يتناول طعام الغداء (الخاص) مع معاونه الملازم الأول (س ص). اديت التحية العسكرية التي لم اتقنها، حالها حال الرقص والغناء، في حياتي، وقدمت الأمر الجامعي له. تأمل في الكتاب قليلا، ثم علق ساخرا:

-  هـَم "دنحا"، وهـَم "طوبيا" وهـَم "النمسا"؟

تسمرت في مكاني دون تعليق، وارتفع الدم إلى رأسي، وشعرت بالغثيان بينما راح قلمه يذيّل الكتاب بالموافقة. ومع ذلك، شكرته، لكنني توجهت مسرعا إلى الرفيق (ص م)، عضو فرع نينوى للحزب، آمر القاطع، وشكوته بالذي بدر من المسئول العسكري. حاول الرفيق امتصاص غضبي بقوله:
-  هذه نماذج سيئة تسىء إلى الحزب والثورة. أما يعلم بأن القائد المؤسس والرفيق طارق عزيز مسيحيان؟ توكل على الله، وامض في مشوارك. رافقتك السلامة.
لم تسعفني مواساة الرفيق كثيرا لأن البيئة التي تخرج منها السيد النقيب موبوءة، بل كانت خشيتي في الذي سيحصل لمسيحيي الموصل تحديدا. لو كان معلمه قد تبرع فعلمه بأن اسم "دنحا" اسم عراقي أصيل وأسمه دخيل على العراق، فضلا عن كونه حاملا لشهادة الدكتوراه، ما سخر هذا الناقص من الأسماء السريانية التي وهبتها السماء.

وإلى الملتقى في مرثية قادمة...

الأردن في 2/2/2010