الصفحات الأدبية في صحافة البصرة بعدعام 2003
3/5
د. ذياب فهد الطائي
الشعرعند الحديث عن الشعر العربي ، قد يمكن تحديد نقطة الشروع ولكن وبالتأكيد ليس من السهل تحديد نقطة النهاية ذلك لأن الشعر العربي ظهر مع ظهور العرب في تاريخ الأمم وظل لأكثر من الفي سنة يمثل الوعاء الثقافي الذي يشتمل على تاريخ الأمة و لغتها والمعبر الأكثر غنى في لغتها وشخصيتها .
ربما يمثل ظهور المعلقات ، الأهمية التي كان العرب يولوها للشعر حتى قيل (أن الشعر هو ديوان العرب) وقد كان في تاريخ الشعر محطات أساسية ابتدأت بأمرئ القيس ثم بأبي نؤاس ثم محطة المتنبئ وأبو تمام والبحتري وكان آخر هذا الخط المستقيم محمد مهدي الجواهري.
وفي أواخر النصف الأول من القرن الماضي تغيرت زاوية مسار الخط بظهور السياب ونازك الملائكة فقد جرى استبدال بحور الفراهيدي الستة عشر ببحور التفعيلة ويمكن أن يعزى هذا الى تأثير الأدب الأنكليزي على وجه الخصوص على الشعراء العرب
ثم تنوعت التفعيلات وكأننا أمام قطع موسيقية لايضبطها الا الأيقاع الموسيقي فظهر بلند الحيدري وسعدي يوسف وصلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي وأحمد الفيتوري .
ولكن وبحكم التأثيرات المستمرة للاداب الأوربية ولتغير نمط الحياة الأجتماعية العربية فقد مر الشعر ابتداء من بداية النصف الثاني من القرن الماضي بمرحلتين تمثلتا بما يلي:
1- توسع حركة الشعر الحديث لتسيطر على المزاج الثقافي العربي ولتحتل أكبر مساحة في وسائل الأعلام المختلفة وتقلص صوت الشعر الكلاسيكي
2- ابتدأت هذه المرحلة مع ابتداء ماسمي ب(الحداثة ) ولكنها بدأت تحتل مكانا أوسع فأوسع منذ سبعينات القرن الماضي وكان من نتائجها قصيدة النثر ،لقد انعكس تأثير الحداثة على المضامين الأدبية العربية فظهرت الروايات الوجودية والروايات التي تحمل تأثير مدرسة الوعي الأنكليزية ثم العجائبية السحرية ( أمريكا اللاتينية )ولكنها اقتصرت في الشعر على ظهور قصيدة النثر
أن مصطلح قصيدة النثر يمثل إلتباسا إشكاليا ولكن ورغم كل مايثار من اشكاليات فالملاحظ انها تتصدر اوسع المساحات في وسائل الأعلام كما ان معظم ماينشر اليوم تحت هذا المصطلح لايتجاوز كونه نثرا يمتاز بالضبابية وتعمد عدم الوضوح ، هذا رغم ان أسماء كبيرة قد بنت شهرتها الشعرية على هذا النمط الشعري الجديد كأدونيس وأنسي الحاج ومحمد الماغوط وحسين مردان وسركون بولص وفاضل العزاوي
من هنا ولأن الباحث وجد أن صحف العينة تنشر في مساحة تقرب من 95% قصيدة النثر فقد أولى هذ الجنس الشعري في بحثه مساحة أكبر
ماهي قصيدة النثر يجب التأكيد أولا، على أن ظاهرة قصيدة النثر حالة أصيلة وان كانت تبدو متخيلة فهي ليست خارجة على التكوين اللغوي والقومي بالمعنى التاريخي ، كما ان أية مقاربة لقصيدة النثر ولتاريخها في الفضاء الأدبي العربي لا تأخذ بعين الأعتبار هذه الخصوصية سوف تكون مقاربة خاطئة من الأساس لأنها تكون قد
طرحت تساؤلا مراوغا وزائفا لن تكون نتيجته في النهاية غير مجموعة من الأتهامات التي تفضي الى المصادرة
إن قصيدة النثر، التي يكتبها الشعراء العرب ، هي جنس أدبي ( يعني الباحث النصوص الشعرية المبدعة مما ينشر ) ومن هنا يجب أن ينصب التساؤل على :
1- ماهي مواصفات هذا الأسلوب وماهي أسسه البنائية
2- ماهي علاقة قصيدة النثر كنص بالنصوص الشعرية في انماطها المختلفة
3- ماهي تأثيرات قصيدة النثر على القصة القصيرة ،على وجه الخصوص
4- وأخيرا وبما أن الباحث يكتب عن الصحافة ، فأن سؤالا مهما يثار وهو مامدى التأثير المتبادل بين لغة الصحافة وقصيدة النثر
تأريخ قصيدة النثر يمكن القول اعتمادا على إجماع النقاد ومؤرخي قصيدة النثر ، ان هذ الجنس الأدبي قد وجد صيغته الحديثة حين نشر الشاعر الفرنسي (بودلير )[1][1] ديوانه الشعري (سأم باريس )في عام 1857
وقد بدأت قصيدة النثر في العراق بديوان حسين مردان (طراز خاص ) في أواسط خمسينيات القرن المنصرم وفي الستينيات ظهر حميد المطبعي (رئيس تحرير مجلة الكلمة التي صدرت لبعض الوقت في النجف ) وسركون بولص و الشاعر جان دمو ويوسف الصائغ وفاضل العزاوي وسامي مهدي ، وهؤلاء الثلاثة قاموا باصدار مجلة (الشعر68 ) في بغداد ، ولكن الباحث وبعد متابعته اليومية لشعراء البصرة اثناء زيارته للمدينة للبحث في الجوانب المتعلقة بالدراسة وجد ان البصرة كما كانت مدينة انطلاق التفعلية على يد بدر شاكر السياب ، كان لها ايضا دورا رياديا في قصيدة النثر ولكنه دور( مهمل )
في اثناء البحث وجدت ديونا صادرا عام 1958عن مطبعة الاديب للشاعر عبد الرزاق حسين بعنوان (وجوه الصغار وقصائد اخرى ) يتضمن قصيدة نثر واحدة بعنوان دعوة للحياة منها :
في غابة الليل الرمادي
الذي يغطي رأسك الحزين
تنكمش افراحي
كحمامات بيض محزونات
فوق شجرة سرو ذابلة وحيدة
عند غدير يجري ببطئ
كمرهق
وماؤه متخثر كصديد اخضر
واوراق صفر يابسة تتفتح في اعماقه اللزجة
كما تتفتح ذكريتنا
في اعماقنا
لقد حفزني هذا الى البحث تماما عن عنوان الشاعر الذي كان قد اعتزل مبتعدا حتى عن اصدقائه في بيته المتواضع استقبلني ، سألته عن الموضوع فاطلعني على رسالة من الشاعر الكبير سعدي يوسف يطري فيها القصيدة
التوزيع التكراري للنصوص الشعرية في صحف العينةجدول رقم 2
تحليل بيانات الجدولالتحليل الكمي
ذكر الدكتور سهيل ادريس رئيس تحريرمجلة الاداب اللبنانية ،(مجلة الآداب عدد شباط 1956) إن مايستلمه في البريد الوارد الى المجلة من رسائل من العراق يتركز بشكل اساس في قصائد الشعر المتنوعه وان هذه النسبة قياسا الى مايرد اليه من البلاد العربية مرتفعة بما لايقارن وخلص الى القول ان طبيعة الشعب العراقي الرمانسية والمهومة والحالمة هي التي تدفع بشبابه الى تفضيل الشعر كنمط واسلوب للتعبير على بقية الاجناس الادبية ، بغض النظر عما في هذا القول من صدق وقرب من التوصيف الحقيقي لنفسية الشعب العراقي ،لابد من القول ان صحف العينة تشير الى نفس التوجه في تفضيل الشعر على سواه من أساليب التعبير ففي القصة ، كان هناك 120 قصة منشورة اما في الشعر فقد نشرت صحف العينة 174 قصيدة وقد لحظ الباحث ان قصيدة النثر تمثل 95% مما هو منشور في صحف العينة وان الـ 5% المتبقية تحسب لقصيدة التفعيلة
وفي محاورة جرت مع رئيس تحرير صحيفة الاخبار( خالد سلطان) في مقهى اتحاد الأدباء في البصرة بتاريخ 18-05-2009 ، قال بأنه كمشرف على الصفحة الادبية لاينشر الا قصيدة النثر لأنه يقف مع الحداثة ، ومن الجدول اعلاه نجد ان صحيفة المنارة قد نشرت العدد الاكبر من تلك القصائد ثم تليها الاخبار فالعشار والناس ، ومما لابد من الاشارة اليه ان رئيس تحرير صحيفة ناس هو الشاعر طالب عبد العزيز وعند مناقشته عن اسباب هذا الموقف وتراجع صحيفته عن نشر عدد اكبر من قصائد الشعر ،أجاب بانه مضطر أن ينشر أفضل ما يصله وليس كل ما يرد الى الصحيفة.
أما الشاعر عبد الرزاق حسين فيرى ان تتاح الفرصة كافية للشعراء الشباب ليقولوا ماعندهم وانه من مجموع هذا الكم ستجد شعراء حقيقيين [2][2]
تحليل فئات المضمونالشعر الحقيقي يهبنا القدرة على النظر الى العالم بعيون ملونة ، ربما اكثر من اية قوة سحرية تملأ خيالاتنا بآلاف الالوان لأنه يهبنا الجرأة ليس ان نحلم ولكن ان نقتحم الواقع ايضا خلف صمت الضوء وعلى حفيف اشرعة الرحيل
والشعر عند العراقيين بكاء الروح وهو ايضا فرح الطفولة واهزوجة الموت في معركة يدرك فيها العراقي انه خاسر حربه ولكنه يقتحم الزمن ويرفع رايته على تلة ربما هي قبره
ان سنوات طويلة من القهر ما تزال مرارتها في الافواه ويقول الشاعر عبد الزهرة لازم شباري من قصيدة له في صحيفة المنارة في العدد 582 بتاريخ 20 – 21- 2009
قلت للربيع
وانا ما أزال في منافي الغربة
ما اكثر المتعبين
اما آن ان نرتدي
الصباح ؟
ان قصائد صحف العينة تتسم بملامح مشتركة من حيث توجهها، وتعبيرها عن مزاج متوتر يحكمه قلق وجودي فأغلب شعر الشباب يتحدث عن الاوضاع الامنية ويقول الشاعر علي المنصوري ( انا اكتب عن الارامل واليتامى ، ولدي قلق لاعلاقة له بالرومانسية )
ويعبر الشاعر وحيد خيون عن شعوره بالمرارة من موقف العرب من العراق فيقول في قصيدته (لأني عراقي ) [3][3]
انا من تجلى لكم في الظلام
ومن ظل في جنبكم في المحن
دفعت الفواتير عنكم دما
وما قلت يوما أريد الثمن
لأني عراقي
بدأتم تطيرون عني بعيدا
ويتابع:
وللدهر يومان
يوم شديد الجفاء
ويوم شديد التلاقي
فلا تهربوا مرة من لقائي
ولا ترغبوا كلكم في فراقي
فما زال عندي جناح
وما زلت رغم الدار الكبير
ورغم تنامي الجراح
أغير حتى إ تجاه الرياح
وهنا لابد من ملاحظة انتقال الشاعر من عرض شعوره بالمرارة والالم الى روح الاصرار التي تتلبسه وهو يعض على جرحه
اما الشاعر خليل مزهر الغالبي فأن مأسوية عميقة تقف فوق كلماته في قصيدته بعنوان (كفى )[4][4]
غفت النجوم في عربات الخسائر
وموتك خارج الطوابير
فالفتنة لاتدب على ارضك
الارض لسكرك وصرير خطاك وتنزه الجنرالات
لتنكب في تصريف الشكاوى
على طاولة او منعطف أو صراخ
وتكمل هذا المشهد الشاعرة فليحة حسن حين تقول[5][5] :
ضجر ان تتقاضى دهرا
ثم تعده فوق اصابع لهجتك اليومية جدا
مبتدأ بضمائر هشة
هي:
قالت اهديك ملك:
آسف ما عندي قلاع للتدمير
هو : سيغدو ملكا
لكن التيجان صغيرة
هامش "مازال حوار الطلقات يناقش وجه نبوءته
نحن : ما أقسى اللهب الموبوء
هم : يتشبهون بالمياه
فينجرفون الى المنحدر
وربما يعطي المأساة صوتا اعلى ، ما يقوله الشاعر محمد طالب الاسدي في قصيدته بعنوان (حدث في زمن الحصار)[6][6]
في زمن للحصار البريء
تجفف روح العراق
صوت على حبل شنق يليق بك
أطفاله وكتاباته
ومآذنه والنخيل
سومر تسقط
تؤمر انهارنا بالتقشف
رعد يزمزم
من يتكلم
لاصوت
اذا لم تخافوا من الانس
خافوا من الجن .... فهي مسخرة لسليمان
هرول اطفالنا في الدرابين
والنمل فرّ..... و.....أش....ش
ماذا يريد الشاعر ان يقول ؟ ولماذا يطلب ان نصمت ؟ ولماذا يوجهنا نحو سليمان ؟ هل وراء الكلمات رمز يتخفى في دلالات السياق يعرضه الشاعر
ان الباحث يرى في الفصيدة نموذجا يحمل دلالات القهر السابق تتكئ علية تداعيات ما بعد الاجتياح
اما صحيفة العشار فانها تنشر قصيدة للشاعر ساجد الصالحي بعنوان إليك ياعراق يقول فيها :[7][7]
مزقوك يابلدي
وأصبغوا لوحاتي بدمك القاني
والقصيدة رغم ماتحمله من هم وهو يتحدث ببكائية عن الوطن الا إنها لا ترقى في مستواها الى ان تكون قصيدة نثر تحمل مواصفات فنية مناسبة
تبقى قصيدة الشاعر عبد الرزاق حسين (وهي من قصائد التفعيلة )التي اعادت نشرها صحيفة ناس هي افضل ما تم نشره من حيث المستوى الفني ، وربما يتحدث المقطع التالي عن نفسه من قصيدة (الذي يأتي )[8][8]
حين صار الوطن بيتا
ومنفى
إنطفأت في سماء الحكايات اقمارها
إختبأت أنجم في ضباب الزمن
فلا خبر عن أثر
عن حجر
عن كتاب تناثر في الريح
تحت المطر
عن بشر
اختفى أو تخفى
على اي وعد يقولون انك آت ؟
لقد شاخت الكلمات
ونحن على سفر
واخيرا فان الباحث يرى ان شعر البصرة في هذه المرحلة يحمل هما ويتماهى في رؤى التشكك ويحمل الكثير من روحية الاحباط ويغفو على وعد التصديق إن العراق قد وجد الطريق أخيرا
الشاعر الكبير عبد الرزاق حسين وهو من جيل الرواد في الصحافة وفي الشعر يردد (لقد شاخت الكلمات /ونحن على سفر ) وهو يجتاز عامه السادس والسبعين وبعد اكثر من خمسين عاما في الصحافة لايزال دون راتب تقاعدي يستحقه قانونا وقد تعب من المراجعات ونشر الشكاوى ، فماذا يقول ، غير ان الكلمات قد شاخت وهو اقرب الى القبر