المظلـومـون إنـقـلـبـوا الى ظـالـمـيـن
كان مِن الصعب على الكلدان وهـم المُكـوِّن الأكبر بـين المُـكـوَّنات ِالمسيـحـية في العـراق وثـالـث قـومـيةٍ بعـد العـرب والأكـراد أن يُـصَـدِّقـوا بأنَّ الأمـة الكُـردية التي كانـت واقـعـة ً تـحـتَ نـيـر الظلـم والإضطهاد مهمَّـشة َ الحقـوق مسلـوبة َ الإرادة مِن قبـل الحكـومات العـراقية التي تعاقـبـت على حـكم العـراق منذ انبـثاق حـكـمه الـوطـني بعـد أن وضعـت الحـرب العالـمية الأولى أوزارها ،أن تـَنسى قـيادتُها ظـُلـمَ امتـها وتـقـومَ بممارسته على ألاخـرين . وقـد تضاعـفـت مِحـنـَـة الأمـة الكُـردية بعـد الـثـورة عـلى الحُـكـم الملكي وقـيام الـنظام الجـمهـوري ولا سيما بعد استيلاء حـزب الـبعـث عـلى السلـطـة في عام 1968 حيـث باشـرَ بإخـضاع الـمنـطـقـة الـمُسَمـَّـاة الـيـوم بـ " كُـردستـان " وكانـت معـروفـة َ بـ " الشمال " آنـذاك عسكـرياً وصهرها سياسياً تـحـت الشعار المعـروف " امـة عـربية واحـدة مِن الخليـج الى المُحيـط " فلا قـومية إلا القـومية العـربية وكُــلُّ مَن يـدَّعي بغيـرها فـهـو خائـن ويسعـى الى تـَمـزيـقـها .
وهنا أود أن أسأل القيادة الكُـردية ، لماذا حـمـل الأكـرادُ السلاح ضِدَّ الحكم البعثي ؟ الـم يكن حكام البعث مسلمين ومذهبُهم سنياً كما هو الحال لدى الأكـراد ؟ طبعـاً هو كذلك . إذاً لماذا قـام الأكــراد بالثـورة ضِدَّ مَـن يجمع بـينهم وبـين حـكام العـراق مِن ديـن ٍ ومذهـب ؟ ألـيست القـومية الكـردية وحـقـوقـها المشروعة هي التي دفعـت بالأكـراد لخـوض حـربٍ دمـويةٍ هائلة وطـويلة ؟ الـجـواب بديهي هو اختـلاف القـوميتين بالرغم مِن الديـن والمذهـب اللذين يجـمعان بـينهـما . وقـد ساهـم أبناءُ العـديد مِن القـوميات القاطـنة في شمال العـراق ( كردستان اليوم ) ولا سيما أبناء الكـلـدان الذين لعـبـوا دوراً مشرفاً في نـُصرة حـركة التـَحَـرُّر الكُـردي منذ إعـلانـها في أيلـول عام 1961 بقـيادة زعـيمها المرحـوم المُـلا مصطـفـى البـرازاني ، حيـث انـخـرطـ في صـفـوف المقـاتـلــيـن الأكـراد مقاتـلـون كـلدان أشدّاء ، إسـتشهـد العـديـدُ مـِنهم ولـوحـقَ أفـراد عـوائـلـهم واستـشـرد البعـض الآخـر ، وقـد تـَـعـرَّضَت للـتـدمير بضعـة كـنائس ودياراتٍ كـلـدانية ، ولا زالـت جـريـمة قـرية صـوريا الكـلدانية الـبشعـة حاضـرة في الأذهـان كان ضحايــاها بَـشراً أبـرياء شـباباً ونساء ً وشيـوخاً وأطفـالاً .
لقـد تـَكَلـَّلـت الثـورة الكـُردية بالنجاح وحظـيَت منجـزاتـُها بالحماية الأمريكية منذ أوائـل تسعينات القـرن الماضي ، واعـتـُرفَ بإقـليم كُـردسـتان بعـد الإطـاحـة بـنـظام صدام وأصبـحَ سـيـِّدَ نـفسـه واستبشرت الأقـليات الـقـاطـنة ضمـن حـدوده والمـَناطـق المجـاورة لـه ، بأن الـقـيادة الـكُــرديـة بعـد أن خـَبـَرَت الظـلـمَ وعانـَتـه ستـَكون عادلة ً ومُنصفة ً معها ، ولـن تـَقـبـل لـذاتها أن تـُمارس الظـلـمَ ضِدَّهـا ، وتـَـجعــلَ مِن ذاتـِها المـظـلـومة زَمـَنـاً ظالـمة ! وبالـفـعـل مارست الـعَـدلَ في السنـوات الأربع الـتي تَـلـَت سقـوطـ الـنـظام الـصدامي الـفاشي ، لكـنـَّـها وللأسف البالـغ ومـنذ ظـهور الـداعــيـة الآشوري الذي أوجَـدَتـهُ هي ذاتـُهـا وعـَهـَدت إلـيه بتـَنـفـيذ أجـنـدة سياسية مُـعـيـَّـنة ظاهرها كَسر شوكـة سكـرتير ما تـُسمَّى بالـحركة الآشورية ( زوعـا ) إلا أنَّ باطـِنـَها هـو مُـعـاداة الـقـومـيـة الكـلـدانية وشعـبـها الأبـي المخـلـص ، وقـد تـَجَـلى ذلك في إصرار هـذه الـقـيادة عـلى تـَهـميش الحـقـوق القـومية للشعـب الكـلـداني رغـم عـِلـمها الأكـيـد بـأنَّ أسـلاف الكـلدان الـعــظام كـانـوا الأصحاب الأصليين لهذه الـديار ويشهـد على ذلك أسلافُ الأكـراد القـدماء أنفسهم ، وكانوا مِن أبـرز وأكـبَر المساهـميـن في بـناء الحـضارة على أرض بـلاد الرافـديـن ، فالكـلدان هـم بـحـقٍّ هـنـودُ حُـمْـر العـراق ، وعلى الحـكـومة المـركـزية وحـكـومة اقـليـم كُـردستان رعايـتهم وإبـداء كُـلِّ التسهـيلات لـهم .
لـيست الـقـيادة الكـُردية بـحاجـةٍ الى تذكـيرها بأنَّ الـقـومية الكـلدانية تـُـعـَـدُّ مـِن حيـث التسلسل ثـالـث َ قـوميةٍ في العـراق ، وإنَّ الـدستـور العـراقي الإتـحادي قـد أقـرَّ بـها ، وضَـمِـنَ لأبـنائـها حـقـهـم في الـوجـود والعـيش المشترك مع الأطـياف العـراقية المتـواجـدة على أرض العـراق ، وهم يُـساهمون ببناء العـراق الجديد بجِدٍّ وإخلاص رغم المعاناة الثـقيلة التي قاسوها ولا زالـوا يُـقاسونهـا بكُـلِّ أشكالها مِن قـتـل وخطـفٍ وابتزاز وتشريد ، ولكن وإن لم يحدث للكـلـدان مـثـل هذه الأمور في اقـليم كُـردستان ، إلا أنَّ ما يَجري لـهم فيـه يـؤلمهم جـداً ويجرحهم عـميـقـاً في كـرامتهم ، فهنالك مؤامرة تـُحبـَك بإتـقان مدروس مدعومة مِن قـبـل أفـرادٍ متـنفذيـن في القـيادة الكردية لتهميش القومية الكلدانية وجـعـلها تابعـة لجـماعـة الكـلدان النساطـرة الإنـفصالية التي خـُدعـت مِن قبـل أساطـيـن الخـداع والخـيانة رجال المخابـرات الإنكـليـزية بشخـوص مُـرسَـلي كنيسة كانـتيربري الأنكليكانية حيث خدعـوهم لقاء وعـودٍ كاذبـة بتبَـنـّي التسمية الآشورية تلك التسمية التي أطلـقـها آشوريو التاريخ القـدماء على دولتهم تيمـُّناً باسم الإلـه الـوثني" آشور " اولئك الآشوريون الذين حكـم علـيهـم التاريخ بالفناء الأبـدي، وليس لمتبني الآشورية الـيوم أيَّة صلـةٍ بهم لا من قـريبٍ ولا مِن بعـيد لأنـهم " كلدان نساطـرة " قـد تنكـَّروا لقـوميتهم الكلدانية وتبنوا التسمية الآشورية الوثنية الاسطـورة الويكـرامية الشهيرة .
ولكن لماذا تُصـرُّ القـيادة الكُـردية على مُعاداة الكلدان بهذا القـدر مِن الإمعان ؟ وهل تعتقـد بأن هذه الشرذمة مِن الآشوريين المـزيـَّفيـن المتشرذمين ، يستطـيعـون ترجيح كفـة الأكـراد في أيِّ استفتاءٍ قـد يجـري بشأن عائـدية الـمناطـق الـمتـنازَع عليها بينهم وبين العـرب ؟ وهل أنَّ حجـمَهم العـددي الضَئـيـل يُساعـد على فعـل ٍ مِن هذا النـوع ؟ وهل تعـتقـد هذه القيادة بأن الكلدان خائني امتهم الذين اشترى ذممهم مؤسسُ ما يُسمَّى بالمجلس الشعبي زوراً يستطيعـون تـَرجيح الكفة ؟ كلا يا سادة ،
إنـنا نسوق لكم مثلاً واقـعـياً ، هل استطاع الخـونة الأكـراد مساعـدة العـرب ضِدَّ الأمة الكـردية إبان ثـورتها في تَرجيح كفـة العـرب على الأكـراد ؟ وهذا الأمر منطـقـي إذ إنَّ دور الخـونة يكون ضاراً دوماً وليس بنافـع إطـلاقاً .
ثـمَّ إذا كُـنتم أنتم الأكـراد تـدينـون بالإسلام على المذهب السني وكان الحُكام العـرب الذين يدينون بالإسلام السني على مثالكم ، لم تقبلـوا بالـوصاية العـربية عليكم ، كيف تُحاولـون فرض وصاية أتباع الآشورية المـزيـَّفـة على الكلدان الذين لا يجمعهم بهم إلا الدين فقـط ويختلفـون عنهم مذهبياً وقـومياً !ألستم بذلك تُمارسون ظـلماً سافـراً على الكلدان ؟ وهل تعتقـدون بأن الكلدان سيرضخون لأمر ٍ يفـرضَـه عليهم الآخـرون ؟ إنكم مُخطـئون أيها الإخـوة الأكـراد ، فإنَّ مصلحتكم تـكـمـن في جَـعـل الشعـب الكلداني شريكاً رئيسياً فاعـلاً للشعـب الكُـردي ، ومِن السهل عليكم جـداً فعـل ذلك وهو فعـل تصحيحي أولاً : قيام البرلمان الكـردستاني بإعادة درج القـومية الكلدانية في دستـور الإقليم على غِـرار ما هي مدونة في الدستور الإتحادي وثانياً : التعامـل المباشر مع شعبنا الكلداني مُـمَـثـلاً بأحـزابه القـومية الكلدانية الثـلاثـة وهي : 1 – حـزب الإتحاد الديمقـراطـي الكلداني 2 – المجلس القـومي الكلداني 3 – المنبر الديمقـراطي الكلداني المـوحـد . وكذلك الأمر مع منظمات المجتمع المدني الكلدانية كجمعية الثقافـة الكلدانية والإتحاد العالمي للكتاب والأدباء الكلدان وغـيرهما ، وثالثاً : إعـطـاء كنيستنا الكلدانية مكانتها المرموقة التي تستحقـها لأنها هي الأم الرؤوم لجميع أبنائـها الكلدان ، والتعامـل معـها دون أية وساطـةٍ مهما كان نـَوعـُـها .
إنَّ ما ورد ذِكـرُه ليس شروطاً أيها الإخـوة الأكـراد ، وإنما هي مطاليـب مشروعة لشعـبٍ مُعـتـدى عليه دون ذنـبٍ . نرجو النظـر إليها بهذا المعنى وتـُقابـلَ بالتَـرحابِ وسعَـة الصدر وفـقاً للنـهـج الحُـر والديمقـراطـي .
الشماس كوركيس مردو
عضو الهيئـة التـنـفـيذية
للإتحاد العالمي للكتاب والأدباء الكـلدان
في 11 / 2 / 2010