التعصب والعنصرية معاول تدمير الحضارة وتهديم الامم

المحرر موضوع: التعصب والعنصرية معاول تدمير الحضارة وتهديم الامم  (زيارة 2915 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

متصل خوشابا سولاقا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 958
    • مشاهدة الملف الشخصي
التعصب والعنصرية معاول تدمير الحضارة وتهديم الامم

بقلم: خوشابا سولاقا


تنص المادة "7" من الدستور العراقي على
"يحظر كل كيان او نهج يتبنى العنصرية والارهاب والتكفير او التطهير الطائفي او يحرض او يمهد او يروج او يبرر له وبخاصة البعث الصدامي في العراق ورموزه وتحت اي مسمى كان، ولايجوز ان يكون ذلك ضمن التعددية السياسية في العراق"..
بغرض توضيح اهمية هذه المادة من الدستور العراقي في الحياة العراقية وجعلها مفتاح الحل لكل ما يعانيه من التمزق والتشظي والاقتتال وما يقدمه من التضحيات البشرية يوميا، لابد لنا ان نسوق نماذج من التجارب الانسانية التي توضح بجلاء للمواطن العراقي كيف يتحول التعصب بكل اشكاله والعنصرية بكل الوانها المقيتة الى معاول لتهديم كيانات الامم وتدميرها وليس كما يسوق لها الاقزام من المتعصبين والعنصريين الشواذ، عندها يتمكن المواطن العراقي المخلص الصادق ان يختار من الافكار ما تكون اداة صالحة لبناء صرح الوطن وان ينبذ ما يمكن ان يكون منها معول لتهديم الوطن وتدميره.

ان للتعصب والعنصرية انواعا والوانا، منها تعصب وتعنصر للقومية او للدين او للمذهب او للطائفة او للقبيلة او للعشيرة او للطبقة الاجتماعية او للجنس او للون او الى ماهو اوسع واشمل من كل ذلك كالتعصب والتعنصر المركب القاري كما كان يرى الاوربيون البيض بانهم من ارقي شعوب الارض في عصر الاستعمار الكولونيالي عصر التوسع واحتلال البلدان والسيطرة على ثرواتها والتحكم بمقدراتها ومصادرة ارادتها وقرارها السياسي واقامة امبراطوريات مترامية الاطراف لاتغيب عنها الشمس كالامبراطورية البريطانية وغيرها من الامبراطوريات الاوربية والتي كانت تدعوا إلى نشر رسالة الرجل الابيض لانقاذ الشعوب الاخرى في ارجاء المعمورة من براثن التخلف الفكري والثقافي والاجتماعي والاقتصادي، حيث سعت تلك الامبراطوريات الى تصدير ثقافتها وانماط حياتها وتقاليدها الاجتماعية تحت واجهات مختلفة الى الشعوب التي استعمرتها بالقوة العسكرية. وجرت من خلال هذه العملية محاولات وحروب ابادة شنت في هذا الجزء من العالم او ذاك في مختلف قارات العالم مثل محاولة الاوربيين البيض بعد اكتشاف العالم الجديد لابادة الهنود الحمر سكان القارة الاميريكية الاصليين بسبب التعصب والتعنصر القومي والديني واللوني، وكما حصل ايضا في القارة الافريقية حيث سعت الشعوب الاوربية البيض الى استعباد الافارقة السود واستخدامهم في اعمال السخرة وغيرها من الاعمال الحقيرة في المزارع والمصانع بغرض تحقيرهم والحط من قيمتهم الخلقية واعتبارهم شعوب منحطة تصنف من الدرجات ما قبل القرود، واقاموا في بعض اجزاء افريقيا نظام الفصل العنصري في كل من جنوب افريقيا وروديسيا زمبابوي حاليا حيث مورس فيها ابشع اشكال التعصب واقذر الوان العنصرية ضد السود، وكذلك نشأت في افريقيا بعد استعمارها من قبل الاوربيين البيض تجارة الرقيق القذرة المخلة بالقيمة الانسانية للانسان حيث كان يساق الالاف من الافارقة السود الى اوربا والعالم الجديد في امريكا لاستعبادهم واستخدامهم كعبيد في الحقول والمزارع والمصانع التي يمتلكونها البيض والعيش تحت شروط سيئة للغاية لاتليق بالانسان. وليست بخافية على احد المظالم البشعة التي عانى منها ومايزال الى حد ما السود في اوربا واميركا على ايدي البيض وما ارتكب من مذابح بحقهم ليس لسبب او لجريمة ارتكبوها وانما لمجرد سواد لون بشرتهم.. وكذلك ليست خافية على احد ممن اطلعوا على التاريخ الانساني كيف كان التقسيم الاجتماعي وتصنيف البشر الى طبقات اجتماعية يجري على اساس عنصري وفق معايير معينة مثل طبقات النبلاء الاشراف والامراء وقادة الجيوش وطبقات الاقنان والعبيد وكيف كانت تشرع قوانين تكرس هذا التصنيف غير الاخلاقي وتكرس التمايز العنصري بكل اشكاله بين الناس في المجتمع، وكذلك ليست بخافية على احد كيف كانت مكانة المرأة في المجتمعات قديما وكيف كانت تحتقر، حيث لاتعد المرأة الاّ كائنا بشريا من درجة ادنى من الرجل ولا تصلح الا ان تكون مجرد وسيلة لمتعته وخدمته بتقديم له كل ما يحتاجه من الخدمات في البيت وان تكون له بمثابة معمل لانتاج الاطفال، هكذا كان وضع المرأة في المجتمع في مختلف مراحل التاريخ، كائن بشري مسلوب الارادة والحرية وتابعة للرجل في كل شيء وبالتالي هي جزء من ممتلكاته الشخصية له حق التصرف بها كيفما يشاء ويحلو له وعدَّها كائنا اجتماعيا من الدرجة الثانية في المجتمع وفي بعض المجتمعات تأتي المرأة حتى في درجات أدنى بالتصنيف لممتلكات الرجل من حيث الاهمية. هذه الامور كانت واضحة وجلية في التاريخ، وكان التمييز والعنف الذي يمارس ضد المرأة عبر مراحل التاريخ وفي مختلف بقاع الأرض ومايزال قائماً الى اليوم ولو بنسب متفاوتة بين هذا البلد وذاك.   
ان هذا التعصب والتعنصر لصالح تفوق الرجل ضد المرأة لهو أبشع أشكال العنصرية التي عملت على تعطيل وهدم نصف طاقات المجتمع ومنعته من العطاء والمساهمة في تقدمه. وبهذا يكون معول التعصب والتعنصر لصالح تفوق الرجل وتميزه ضد المرأة قد هدم ودمر نصف الامم وترك النصف الآخر منه لغيره من اشكال التعصب والوان العنصرية الهدامة.
أما الحروب الدموية الكارثية التي نشبت بين الامم والشعوب والقبائل عبر مختلف العصور وفي مختلف بقاع الارض في العصور القديمة والحديثة من التاريخ على خلفيات التعصب بكل أشكاله والعنصرية بكل الوانها فأن ضحاياها كانت بعشرات الملايين من البشر وخسائرها المادية لاتقدر، لو كانت كل تلك الطاقات والامكانيات قد استغلت واستثمرت لصالح تقدم البشرية على نحو ايجابي لكان وضع البشرية وحالتها في كل مجالات الحياة اليوم على ما يفترض ان يكون عليه بعد مئات من السنين من الان، ولكن ما العمل ان سنن وقواعد وقوانين التعصب والعنصرية لاتعمل ولاتقود الأنسان الا الى التخلف والخراب والدمار والآلام والمعانات والبؤس والشقاء... متى سيأتي اليوم الذي ندرك مضار وعواقب التعصب والعنصرية على تقدمنا وتطورنا وسعادتنا وأمننا عسى أن يكون ذلك قريباً.!!
كانت نتائج تلك الحروب كلها كارثية ومدمرة لحياة الامم وتقدمها، ويكفينا أن نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر الحرب العالمية الثانية والتي كانت حصيلة الفكر النازي في ألمانيا والفاشي في إيطاليا العنصريين القائمين على أساس الإيمان بتفوق الجنس الآري على غيره من الأجناس ومعاداة السامية حيث كان النازيون الألمان والفاشيون الطليان يعتبرون غيرهم من الأجناس بأنهم أجناس وضيعة ومنحطة يستوجب إبادتها لفسح المجال أمام الجنس الآري المتفوق بالسيادة على العالم وكانت النازية قد استخلصت واستنبطت افكارها العنصرية من فلسفة الفيلسوف الألماني "نيتشه" الذي كان يبشر بتفوق الجنس الآري على غيره من الأجناس والتي كانت ضحاياها قد تجاوزت الخمسين مليون انسان، وما الحرب الامريكية اليابانية وقنبلتي هيروشيما ونكازاكي الذرية وتداعياتها الكارثية الى اليوم مثالا اخر، وما تمتلكه الدول النووية من ترسانة ضخمة من السلاح النووي بكل اشكاله والوانه ووسائل ايصاله الى أي مكان من كوكبنا والذي يكفي لتدمير الكوكب مئات المرات وما يسود الآن على الجانب الاخر من الحياة من افكار التعصب والعنصرية والحقد والكراهية في نفوس الكثيرين من الشواذ المتعصبين والعنصريين في العالم الذين يقودون الارهاب بكل أشكاله من حقنا ضمن هذا الواقع ان نتساءل ماذا سيكون مصير العالم والبشرية لو قدر لهؤلاء وأمثالهم السيطرة والتحكم بمثل هذه القدرة النووية المدمرة...؟
وما الصراع العربي الاسرائيلي اليوم الا شكل آخر من اشكال العنصرية الذي تمارسه اسرائيل ضد العرب الفلسطينيين منطلقين في ذلك من أفكار الصهيونية المبنية على أساس التميز وتفوق العنصر اليهودي مستندين على مقولة ان "الشعب اليهودي هو شعب الله المختار" الواردة في التوراة، وما يحمله للمستقبل من مخاطر جمة لو استعملت فيه ما متيسر من اسلحة الدمار الشامل الموجودة لدى طرفي الصراع وما يحتمل أن ينسحب على المنطقة العربية والاسلامية والعالم كله من مضاعفات لو استمر اطلاق العنان للتعصب والعنصرية السائدة الآن لدى الطرفين... علينا أن نفكر ونقرر ونختار ما هو الداء وما هو الدواء...؟ وكذلك لانغفل النظر الى ما يشاهده العالم بشكل عام والعالم الاسلامي والعربي على وجه التحديد من تصاعد المد الاسلامي السياسي وانبعاث الفكر الاسلامي التكفيري المتشدد بعد قيام الثورة الاسلامية في ايران واحتلال الاتحاد السوفييتي السابق لافغانستان وتوسع النشاط الارهابي في العالم على اثر ذلك إلاّ مظهراً من مظاهر التعصب والعنصرية الذي قاد العالم إلى حرب عالمية غير معلنة رسمياً وإنما أعلنت باسم الحرب العالمية ضد الارهاب، وظهرت في المقابل أيضاً في الجانب الآخر من العالم بوادر قيام الفكر المسيحي المتشدد باسم المحافظين الجدد الذي يدعو إلى التصدي بكل الوسائل للفكر الاسلامي التكفيري الذي أصبح من وجهة نظر هؤلاء خطراً يهدد أمنهم وحضارتهم ونمط حياتهم. هكذا أصبحت أو قد تصبح الساحة العالمية في المدى القريب مهيئة ومعبئة فكرياً لحرب كونية مدمرة قد تستخدم فيها كل اشكال اسلحة الدمار والابادة التي ابتكرها عقل الانسان والقادرة على تدمير كوكبنا وافناء البشرية من الوجود هكذا هي الصورة وهكذا قد تكون في غاية السواد لو سيطرت على عقولنا مفاهيم التعصب والعنصرية ويصبح وجودنا الانساني معرضا للفناء.
وما حصل في العراق ويحصل منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة الى يومنا هذا بما في ذلك الحرب في كوردستان والحرب العراقية الايرانية وغزو العراق للكويت  وحروب الخليج الاولى والثانية وسقوط النظام الدكتاتوري وما تلاه وتلك الضحايا البشرية الكبيرة التي قدمها شعب العراق ليس الا النتيجة الحتمية الطبيعية للتعصب والعنصرية القومية والدينية والطائفية وغيرها من العصبيات القبلية والعشائرية، التي تتجلى سماتها في هذا الصراع المرير والاقتتال الدموي بين الأخوة أبناء العراق اليوم بوضوح، مما يجعلنا أن نجد في المادة "7" من الدستور العراقي مفتاح الحل لكل ما يعانيه العراق اليوم من المشاكل والمأساة والكوارث والخراب التي تهدد كيانه بالانهيار، في حالة تبني وتطبيق هذه المادة بحرفية ومهنية عالية في ممارسات مؤسسات الدولة الرسمية منها المؤسسات التعليمية والتربوية والاعلامية ومؤسسات المجتمع المدني ومناهج الاحزاب السياسية.
حيث يكون الجهد والعمل المؤسساتي والجماهيري منصبين بأتجاه محاربة كل شكل من اشكال التعصب وكل لون من الوان العنصرية وكل نوع من انواع الارهاب المسلح والارهاب الفكري ومحاربة التكفيروالتطهير العرقي والطائفي والدعوة لتأسيس ثقافة وطنية قائمة على أساس المحبة والتسامح الوطني من أجل بناء عراق ديمقراطي تعددي حر يتساوى فيه كل العراقيين مهما اختلفت خصوصياتهم القومية والدينية والطائفية والسياسية في الحقوق والواجبات أمام القانون وأن يكون الدستور هو الفيصل في كل ما يحصل من خلاف واختلاف بين مكوناته المتنوعة.