الأصوام في كنيسة المشرق

المحرر موضوع: الأصوام في كنيسة المشرق  (زيارة 962 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل nori mando

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 173
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الأصوام في كنيسة المشرق
« في: 11:56 13/02/2010 »
الأصوام في كنيسة المشرق
الشماس: نوري إيشوع مندو
   المقدمة: من خلال مطالعتنا الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، نجد أن الصوم كان جارياً في جميع مراحل مسيرة البشر الخلاصية عبر الأجيال. ونشتفي من تعاليم الكتاب المقدس بأن الصوم عمل مرضٍ لله ومدعاة لخيرات عظيمة لبني البشر. فالصوم ممارسة تقوية، الغاية منها التوبة ونيل الغفران من الله. فهي دعوة للمؤمن للرجوع عن الخطايا والآثام، لكي ينتقل من الشر إلى النعمة، ومن الموت إلى وفرة الحياة. ويعتبر الصوم السلاح الذي يقاوم به المؤمن أعداء العالم والجسد والشيطان. فزمن الصوم هو فرصة للعودة إلى ألذات وإلى الآخر، أي إلى الله والإنسان.
   وسنتوقف في هذه العجالة عند ثلاث محطات هامة، نتحدث من خلالها عن الصوم منذ البدء وحتى يومنا هذا.
   1_ الصوم في العهد القديم: من خلال مراجعتنا أسفار العهد القديم نستطيع التوقف عند محطات هامة تحدثنا عن الصوم في هذه المرحلة من تاريخ شعب الله. فقد صام النبي موسى  في طور سيناء  " وأقام هناك عند الرب أربعين يوماً وأربعين ليلة، لم يأكل خبزاً ولم يشرب ماءً فكتب على اللوحين كلام العهد الكلمات العشر ". ( خروج 34: 28 ).
   وصام بنو إسرائيل في المصفاة  من دان  إلى بئر سبع  وأرض جلعاد  " فصعد بنو إسرائيل الشعب كله وأتوا بيت إيل  وبكوا وأقاموا هناك أمام الرب وصاموا ذلك اليوم إلى المساء وأصعدوا محرقات وذبائح سلامةٍ للرب ". ( قضاة 20:   26  ).
   وصام أهل يابيش جلعاد  على مقتل شاؤل  وابنه يوناثان  وعلى شعب الرب وعلى آل إسرائيل لأنهم سقطوا في الحرب " وأخذوا عظامهم ودفنوها تحت الأثلة التي في يابيش وصاموا سبعة أيام ". ( الملوك الأول 31:13 ).
   وأمرت إيزابيل  زوجة آحاب  ملك السامرة  الشيوخ والأشراف للصوم " فنادوا بصومٍ وأجلسوا نابوت  في صدر القوم . . . وأرسلوا إلى إيزابل يقولون قد رجم ومات ". ( الملوك الثالث 21: 12_ 14). ولما علم آحاب أنه فعل شراً في عيني الرب لأن إيزابيل امرأته قد أغوته " مزق ثيابه وجعل على بدنه مسحاً وصام وبات في المسح ومشى ناكساً ". ( الملوك الثالث 21: 27 ).
   وصام إيليا النبي  بعد أن دعاه الملاك للذهاب إلى طور حوريب  لملاقاة الرب " فقام وأكل وشرب وسار بقوة تلك الأكلة أربعين يوماً وأربعين ليلة إلى جبل الله حوريب ". ( الملوك الثالث 19: 8 ).
   وفي زمن إرميا النبي  نودي بصوم " وكان في السنة الخامسة ليوياقيم بن يوشيا  ملك يهوذا في الشهر التاسع قد نودي بصوم أمام الرب لشعب أورشليم وكل الشعب الآتين من مدن يهوذا إلى  أورشليم ". ( إرميا 36: 9 ).
   وجاء في نبوة باروك  عندما أخذ الكلدانيون أورشليم  وأحرقوها بالنار، تلا باروك الكتاب على مسامع جميع الشعب الساكنين في بابل  على نهر سُودٍ " فبكوا وصاموا وصلوا أمام الرب ". ( باروك 1: 5 ).
   ويتحدث النبي دانيال  عن صومه بالقول " فجعلت وجهي إلى السيد الإله لممارسة الصلاة والتضرعات بالصوم والمسح والرماد ". ( دانيال 9: 3 ).
   ويتحدث النبي نحميا  عن صومه عندما علم أن من بقي في أورشليم بعد الجلاء يعيشون بضيق شديد " فلما سمعت هذا الكلام مكثت أبكي وأنوح أياماً وصمت وصليت أمام إله السماوات ". ( نحميا 1: 4).
   أما يهوديت  فقد روي عن صومها " وكان على حقويها مسح وكانت تصوم جميع أيام حياتها ما خلا السبوت ورؤوس الشهور وأعياد آل  إسرائيل ". ( يهوديت 8: 6 ).
   أما النبي زكريا  فينقل إلى الشعب دعوة الرب للصوم " هكذا قال رب الجنود إن صوم الشهر الرابع وصوم الخامس وصوم السابع وصوم العاشر سيكون لآل يهوذا سروراً وفرحاً وأعياداً طيبة ". ( زكريا 8: 18 ).
   ودعا عزرا الكاهن  اليهود المسبيين للصوم " فناديت بصوم هناك عند نهر أهوى لنتذلل أمام إلهنا مبتغين منه طريقاً مستقيماً لنا ولصغارنا ولجميع أموالنا . . . فصمنا ودعونا إلى إلهنا لأجل ذلك فأستجبانا ".  ( عزرا 8: 21- 23 ).
   أما النبي يوئيل  فيبلغ شعب إسرائيل دعوة الرب لهم للصوم "  قدسوا الصوم نادوا باحتفال اجمعوا الشيوخ وجميع سكان الأرض إلى بيت الرب ". ( يوئيل 1: 14 ). ويؤكد عليهم النبي يوئيل ذلك بالقول      "  فالآن يقول الرب توبوا إليَّ بكل قلوبكم وبالصوم والبكاء والانتحاب . . . فالرب رأوف رحيم طويل الأناة وكثير الرحمة ونادم على الشر ". ( يوئيل 2: 12_ 13 ).
   ونجد في سفر يونان النبي  كيف قبل الرب توبة أهل نينوى  من خلال الصوم " وآمن أهل نينوى بالله ونادوا بصوم ولبسوا مسوحاً من كبيرهم إلى صغيرهم ". ( يونان 3: 5 ).
   وأمر يهوذا  الشعب للصوم عندما بلغه أن أنطيوكس  قادم إلى اليهودية  بجيش كثيف " ففعلوا كلهم وتضرعوا إلى الرب الرحيم بالبكاء والصوم والسجود مدة ثلاثة أيام بلا انقطاع ". ( مكابيين ثاني13: 12 ).
   وخاطب الملاك رافائيل  البار طوبيا  قائلاً: " صالحة الصلاة مع الصوم والصدقة خير من ادخار كنوز الذهب ". ( طوبيا 12: 8 ).
   وكان النبي داود  مثابراً على الصوم، وذلك واضح من خلال مزاميره " وأنا عند مرضهم كان لباسي مسحاً وكنت أعني نفسي بالصوم وكانت صلاتي ترجع إلى حضني ". ( مزمور 34_ 13 ). وأيضاً " وأبكيت بالصوم نفسي فصار ذلك عاراً عليَّ ". ( مزمور 68_ 11 ). وأيضاً " ونت ركبتاي من الصوم وهزل جسدي عن السمن ". ( مزمور 108_ 24 ).
   هذه البينات التي استقيناها من العهد القديم، تؤكد لنا بشكل قاطع أن الصوم الذي مارسه شعب الله عبر تاريخه القديم، قد جنبه غضب الله وغضب الشعوب.
   2_ الصوم في العهد الجديد: من خلال مرجعتنا العهد الجديد نتوقف عند محطات هامة تحدثنا عن الصوم في هذه المرحلة من تاريخ شعب الله. فإنجيل لوقا يحدثنا عن صوم حنة النبية  " وكانت حنة النبية ابنة فنوئيل من سبط أشير قد تقدمت في الأيام . . . ولها أرملة نحو أربع وثمانين سنة لا تفارق الهيكل متعبدة بالأصوام والصلوات ليلاً نهار ". ( لوقا 2: 36_ 37 ).
   ويحدثنا إنجيل متى عن صوم الرب يسوع " حينئذ أخرج يسوع إلى البرية من الروح ليجرب من إبليس. فصام أربعين يوماً وأربعين ليلةً وأخيراً جاع ". ( متى 4: 1_ 2 ).
   ويحدثنا إنجيل لوقا عن سؤال الفريسيين  ليسوع عن سبب صوم تلاميذ يوحنا المعمدان  وعدم صوم تلاميذه " لماذا تلاميذ يوحنا يصومون كثيراً ويواظبون على الصلاة . . . وتلاميذك يأكلون ويشربون. فقال لهم يسوع: ستأتي أيام يرتفع فيها العروس عنهم وحينئذ يصومون في تلك الأيام ". ( لوقا 5: 33 _  35 ). ويحدثنا إنجيل لوقا عن الفريسي الذي كان واقفاً في الهيكل يصلي " أللهم أشكرك . . . فإني أصوم في الأسبوع مرتين وأعشر كل ما هو    لي ". ( لوقا 18: 11 _ 12 ).
   ويعلمنا المخلص يسوع كيفية الصوم لنيل الأجر العظيم فيقول: " وإذا صمتم فلا تكونوا معبسين كالمرآءين فإنهم ينكرون وجوههم ليظهروا للناس صائمين. ألحق أقول لكم إنهم قد أخذوا أجرهم. أما أنت فإذا صمت فاذهن رأسك واغسل وجهك لئلا تظهر للناس صائماً بل لأبيك الذي في الخفية وأبوك الذي ينظر في الخفية هو يجازيك ". ( متى 6: 16_ 18 ). ويعلمنا يسوع أيضاً أن الصوم المقرون بالصلاة يمنحنا قوة عظيمة على طرد الشيطان والأرواح الشريرة فيقول: " وهذا الجنس لا يخرج إلا بالصوم والصلاة ".            ( متى 17_ 20 ).
   ويحدثنا سفر أعمال الرسل عن الرسل القديسين " بينما هم يخدمون للرب ويصومون ". ( أعمال الرسل 13: 2 ). وقد استعد الرسل للتبشير بالإنجيل بالصوم " . .  قال لهم الروح القدس افرزوا لي شاول وبرنابا للعمل الذي دعوتهما إليه. فصاموا حينئذ وصلوا ووضعوا أيديهم عليهما وصرفوهما ".
   ويحدثنا الرسول بولس  عن أصوامه قائلاً: " وفي التعب والكد والأسهار الكثيرة والجوع والعطش والأصوام الكثيرة والبرد والعري ". ( كورنتس الثانية 11: 27 ).
   وإذا ما طالعنا سير الرهبان منذ زمن إنشاء الحياة الرهبانية، نجد كيف كانوا يكثرون من الصوم والصلاة، لكي يرتقوا إلى كمال الحياة المسيحية. وهكذا حذا حذوهم آباء الكنيسة القديسين الذين استعملوا سلاح الصوم والصلاة للتغلب على المصاعب التي كانت تواجههم في رسالتهم التبشيرية.
   3_ الأصوام في كنيسة المشرق الكلدانية: من المعلوم أن فريضة الصوم كانت جارية في جميع الكنائس المسيحية منذ الأجيال الأولى، إلا أن طقوس الصيام وأزمنته كانت تختلف بين الكنائس المتعددة المنتشرة في المعمورة.
وقد اهتمت كنيسة المشرق منذ بداية قبولها البشارة بهذه الفريضة المقدسة، وهذا واضح من خلال الطقوس التي وضعها آبائها القديسين، وتركوها لنا أرثاً ثميناًُ نجد فيه تلك النفائس التي أنتجتها قريحتهم المشرقية، وقد بذلوا قصارى جهدهم في إثارة أفعال التوبة وتجديد روح الإيمان وإنشاء أسس الرجاء في نفوس مؤمنيها. وسوف نستعرض الأصوام التي كانت متبعة في هذه الكنيسة، وحسب موقعها في الدورة الطقسية:
   أ_ صوم الميلاد: كان صوم الميلاد في كنيسة المشرق الكلدانية يستمر خمسة وعشرين يوماً قبل حلول العيد. وفي العصور المتأخرة قلص الصوم إلى تسعة أيام. وحالياً تفرض الكنيسة الصوم ليوم واحد. وجاء في قرارات المؤتمر البطريركي العام للكنيسة الكلدانية سنة 1998 حول صوم الميلاد " يجب على المؤمنين الانقطاع عن أكل اللحم ليلة الميلاد أي يوم 24 كانون الأول، وإذا صادف هذا اليوم يوم أحد، فيعوض باليوم السابق. ولا يجوز الاحتفال بالزواج عشية الميلاد ". أما المؤمنين حتى يومنا هذا فمنهم لا يزال يصوم 25 يوماً، ومنهم 9 أيام، ومنهم يوماً واحداً. وتتضمن صلوات الفرض في هذه الفترة طابع الفرح والانشراح استعداداً لاستقبال عيد ميلاد المخلص. 
   ب_ صوم باعوثة  مار زيعا ( مار زيا ): يبدأ هذا الصوم يوم الاثنين الذي يلي الأحد الثاني من الميلاد، ويستمر هذا الصوم مدة ثلاثة أيام. وقد وضع هذا الصوم إكراماً للقديس زيعا وذكرى للباعوثة التي أقامها ثلاثة أيام بالصوم والصلاة، فنجا الشعب بصلواته من وباءٍ كان قد تفشى في شمال بلاد أثور ففتك بسكانها. وكان أبناء كنيسة المشرق يتوجهون في فترة هذا الصوم من جبال هكاري  وأذربيجان  وشمال العراق إلى القرية المعروفة باسم هذا القديس في مقاطعة جيلو ، ويختمون صومهم هناك باحتفالات شائقة يقيمونها لذكرى هذا القديس الجليل. وفي العصور المتأخرة ترك المشارقة الكلدان هذا الصوم، وبقي محصوراً عند المشارقة الآشوريين.
   ج_ صوم باعوثة العذارى ( البتولات ): يبدأ هذا الصوم يوم الاثنين الأول الذي يلي عيد الدنح، ويستمر ثلاثة أيام. وقد اختلف المؤرخون في زمن ومكان ظهور هذا الصوم. فهناك من يقول أنه في الجيل السابع بلغ مسامع عبد الملك بن مروان  أن في الحيرة  فتيات جميلات، فأرسل إلى هناك من يختار له الجميلات من البالغات ويحضرهن إليه. وعندما سمع المسيحيون بهذا الخبر اجتمعوا في الكنيسة، وصاموا وصلوا مبتهلين إلى الله كي يزيل عنهم هذا الغضب، وفي اليوم الثالث بلغهم موت عبد الملك. ومنذ ذاك اليوم أخذ المؤمنين يصومون هذا الصوم كل سنة.
   وهناك من يقول أن كسرى أبرويز  طلب من النعمان الثالث  ملك الحيرة أن يرسل له عشرين من بنات عمه ليزوجهن على أبنائه، وعندما وصل رسول كسرى عند النعمان وعرض عليه طلب سيده كسرى، فرفض النعمان هذا الطلب. ولما بلغ هذا الرفض مسامع كسرى غضب من النعمان وانتقم منه بعد زمان، إذ قيده وأرسله إلى خانقين. وهناك توفي بالطاعون وذلك سنة 613، فحزن العرب على النعمان وجاهروا ببغضهم للفرس.
   وهناك من يقول أن ملك الحيرة قبل الإسلام اختار من نساء قبيلة العباديين  عدد منهن ليتخذهن زوجات له، وما أن سمعنا بهذا الخبر صمنا ثلاثة أيام متواصلة، وفي اليوم الثالث مات الملك ولم يمسهن. وهناك رأي يقول أن هذا الصوم كان موجود في كنيسة المشرق منذ الجيل الخامس. وفي العصور المتأخرة ترك المشارقة الكلدان هذا الصوم، وبقي محصوراُ عند المشارقة الآشوريين.   
   د_ صوم باعوثة نينوى: يبدأ هذا الصوم يوم الاثنين الثالث السابق للصوم الكبير، أي قبل 20 يوماً من بدء الصوم الكبير، ويستمر ثلاثة أيام. ولهذا الصوم شأن عظيم عند المشارقة، وفيه تغص الكنائس بالمؤمنين الذين يتقاطرون إليها من كل حدب وصوب لإقامة الفرائض الدينية والرتب المختصة بهذه الأيام تكفيراً عما اقترفوه من الذنوب. وتستغرق تلك الصلوات معظم النهار وقسماًُ معتبراً من الليل. وفي يومنا هذا تدوم الصلاة من الصباح حتى الظهر وتنتهي بإقامة الذبيحة الإلهية، وتتكون هذه الصلاة من جلستي صلاة تتخللها تلاوة مزامير، وأبيات من الشعر الكنسي " عونياثا "، ومناداة " كارزوثا "، وميامر " أشعار "، مأخوذة من أشعار مار أفرام النصيبيني  ومار نرساي الملفان . وحتى يومنا هذا نجد الكثير يصومون هذا الصوم من مساء الأحد وحتى صباح الخميس، لا يتناولون ولا يشربون فيه شيء.
   ومن الأسباب الداعية إلى تنظيم هذه الباعوثة، هي أحياء ذكرى توبة أجدادنا في نينوى على يد النبي يونان. ولهذا وضع أباؤنا اسم نينوى على هذه الباعوثة، لأنها نشأت لأول مرة في تلك البقاع. إلا أن كتبة كنيسة المشرق يرون في أصل الباعوثة عللاً أخرى منها قول الجاثليق يوحنا بن إيشوع  ( 900_ 905 ) أنه في سالف الزمان حدث في بلاد باجرمي  موت جارف حصد الكثير من الناس، وكان أسقف تلك البلاد هو مار سبريشوع. فجمع رعيته ودعاهم لإقامة الباعوثة فلبوا دعوته، فصام الجميع حتى الأطفال والأغنام ولبسوا جميعاً المسوح، فدفع الله عنهم ذلك الغضب. ولما علم الجاثليق حزقيال ( 570_ 581 ) بالأمر كتب إلى جميع المراكز التابعة لجاثليقية المشرق ليصوموا ويصلوا ثلاثة أيام، وحدد أن يبدأ هذا الصوم يوم الاثنين قبل بدء الصوم الكبير بعشرين يوماً، وأطلق عليها باعوثة نينوى تشبهاً بأهلها الذين أمنوا وتابوا فقبل الرب توبتهم وأبعد غضبه عنهم.
   ونستطيع القول أن الباعوثة كانت موجودة قبل هذه الحادثة، لكنها لم تكن فرضاً. إلا أن المسيحيين كانوا يمارسونها كلما اشتدت عليهم أزمة أو فاجأتهم كارثة من الكوارث، وهذا ما تؤكده ميامر مار أفرام النصيبيني ونرساي الملفان.
   ففي اليوم الأول ترتل كنيسة المشرق من ميامر مار أفرام النصيبيني: " هذا زمان التوبة هيا بنا نبتهل، نلقي هموم الدنيا العالقة بنا، ونشخص بأنظارنا إلى السماء، لنطلب الرحمة والحنان. هلموا بنا نتب عن خطايانا الجمة، وبالصوم نزرع زرعاً وافراً للحصاد، بالصلاة نفلح كرماً خمره الأفراح، ولتبنِ عقولنا بيوتاً تليق بالله. مضى ليل الخطيئة واتى نور النهار، علينا أن نسلك سلوكاً مستنيراً، حتى متى نغط في سبات الخطايا، لماذا لا نستيقظ ونغتسل بالتوبة. فالراعي قد خرج، يطلب الخروف الضال، ما بالنا لا نعود تائبين إليه، فهو يعود بنا إلى موطن الحياة. ".
   وفي اليوم الثاني ترتل أيضاً من ميامر مار أفرام النصيبيني: " نادى يونان النبي في نينوى العظيمة، منذراً مهدداً بالدمار والهلاك، مدينة الأبطال ارتجت لصوته، مثل البحر اضطربت ومن الموت دنت. ظل ملك نينوى حزيناً مكتئباً، أمر جنوده بالصوم والصلاة، نادى فيهم اعملوا بالرفق والوداعة، فهذا خير سلاح لإحراز الانتصار. ابن نمرود الجبار  الباسل في القتال، يقاتل الخطايا بهمة عالية، ويصطاد السيئات من داخل شعبه، وينقي المدينة مما فيها من آثام. وصف الصوم لهم هذا الدواء الشافي، وطارد الخطيئة بالمسوح والرماد، وبالتوبة قضى على أصل الخطايا، والله منحهم جزيل غفرانه. نزعوا ثوب الحداد وارتدوا أزيائهم، بفرحة عارمة وبصوت الترانيم، سبحوه تعالى على وفر لطفه، وفيض غفرانه للخطاة التائبين. ".
   وفي اليوم الثالث ترتل من ميامر مار نرساي الملفان: " من البدء بعفوك شملتنا، والصالحون نالوا أفضل ألطافك، ثوابهم غفرانك عما مضى، وغفرانك يستبق دعاءهم. حنانك بحر عظيم بلا حدود، لا علو ولا عمق يساويه، آياته ظاهرة في الخليقة، أتقنتها بقولك منذ القدم. لا يا ربي لا يستكبر الماردون، فقد زالت سلطتهم واندحروا، لا يسروا هزءاً بنا بقولهم، كيف صار المائتون لا مائتين. ".     
   وحتى يومنا هذا لا يزال هذا الصوم يستمر ثلاثة أيام، يتم فيها الانقطاع عن الزفرين والصيام حتى الظهر في أيام الباعوثة الثلاثة. وقد أكدت قرارات المؤتمر البطريركي للكنيسة الكلدانية سنة 1998 على هذا الصوم  " يجب على المؤمنين الانقطاع عن الزفرين والصيام حتى الظهر في أيام الباعوثة الثلاثة. ولا يجوز الاحتفال بالزواج في أيم الباعوثة  ".             
   ه_ الصوم الكبير ( الصوم الأربعيني ): الأربعون من الأعداد التي لعبت أدواراً هامة عبر مسيرة شعب الله الخلاصية. فقد هطلت الأمطار في طوفان نوح  أربعين يوماً تباعاً. وتاه بني إسرائيل أربعين سنة في البرية بعد خروجهم من أرض العبودية. وصام موسى أربعين يوماً في طور سيناء قبل أن يستلم لوحي الشريعة. وصام إيليا أربعين يوماً قبل ملاقاة الرب في طور حوريب. وتاب أهل نينوى ولبسوا المسوح أربعين يوماً فصرف الرب غضبه عنهم. وحددت الشريعة الموسوية أربعين ضربة لمعاقبة المجرمين، وفرضت أيضاً على التائبين أن يقيموا أربعين يوماً في الهيكل. واعتزل ابن البشر أربعين يوماً في البرية وهناك جاء إبليس ليجربه بمكايده الذي وعده باللذة وحب المجد وعبادة المال. لكن يسوع انتصر عليه وقال له: اذهب يا شيطان فإنه قد كتب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد. فهرب خاذلاً إذ لم يستطيع الإيقاع بيسوع، كما فعل في بدء الخليقة عندما اسقط أبوينا الأولين. وقد افتخر ملافنة كنيسة المشرق الكلدانية بهذا الانتصار الباهر. وقد ترنم مار أفرام النصيبيني بهذا الحدث الرائع بقوله: " هلم بنا إلى الأردن أيها الخداع الذي قتلنا في عدن، وانظر جسدنا المطهر من المعاصي بالمعمودية، وأصغِ مع الجموع إلى صوت الأب الذي يدعونا أبناء حبه. أغويتنا في عدن بأن نكون آلهة، وها قد تم لنا ذلك بالمسيح. سخرت بنا لما ألقي رئيس قبائلنا من الفردوس إلى منفاه، والآن ما عساك أن تفعله وقد صعد إلى السماء وارتكز في العلاء. خيل إليك أنه أصبح أكلة للموت النهم لما أكل من الشجرة، فلقد خابت آمالك وكذبت أفراحك بعد موت وقيامة ابن جنسنا. إن الباسل الذي ناوشك القتال هو واحد منا، وقد خرج إلى العراء وناجزك القتال، وكشف عن خدائعك شهوة الجسد وحب المجد واسم السلطة، تلك أسلحتك الشيطانية. وفيما أنت شاكي السلاح بحيلك، عاجلك الفناء والدمار بكلمة من فمه الطاهر ".       
   ومن المعلوم أن هذا الصوم كان جارياً في الكنيسة منذ الأجيال الأولى، ففي العصور الأولى كان المسيحيين الأولين يستعدون لعيد الفصح بالصوم في الأسبوع السابق لعيد القيامة، ومنهم من كان يصوم يوماً أو يومين. وفي المجمع النيقاوي  المنعقد سنة 325 تم تحديد الصوم الأربعيني وفرضه على مؤمني الكنيسة.
   أما كنيسة المشرق فقد فرضت الصوم الأربعيني على أبنائها منذ البدايات، وهذا واضح من مجمع مار إسحق  المنعقد سنة 410 حيث جاء في قراراته: " نصوم سوية وفي وقت واحد صوم الأربعين يوماً صوماً    كاملاً ". ويتضح مما سبق أن الصوم كان موجوداً سابقاً، إلا أن هذا المجمع قد حدد وقته وشدد أن يعمل به في سائر الأبرشيات الخاضعة لكرسي المشرق.
   ويصف لنا المؤلف المجهول  عن أيام الصوم في كنيسة المشرق بالقول: " يدوم الصوم أربعين يوماُ لا أكثر ولا أقل، أي ستة أسابيع في كل أسبوع ستة أيام. لأننا لا نصوم أيام الأحد، ويصبح المجموع ستة وثلاثون يوماً، ويضاف إليها أربعة أيام من أسبوع الآلام. ويوم الجمعة تمثل نهاية الصوم، لذا نحتفل مساء الجمعة بقداس الفصح. إن الجمعة والسبت هما أيام الاحتفال بآلام المسيح، وليس جزء من الصوم الكبير. لكننا نصوم فيها لأنها ذكرى صلب المسيح. فيصبح أيام الصيام اثنان وأربعون يوماً. منها أربعون يوماً إحياء لذكرى صيام ربنا يسوع، إضافة إلى يومي الجمعة والسبت التي فيها تألم ربنا ومات ". 
   وتصف لنا الترتيبات الطقسية أن الصوم في كنيسة المشرق يبدأ من الغروب إلى غروب اليوم التالي، وكان الصائمون يأكلون وجبة واحدة في العشاء، كما يتبين ذلك من صلاة السوباعا " الشبع " التي كانت تتلى بعد ذاك العشاء.
   وقد رتب أباء الكنيسة لهذا الزمن أوقات للصلاة. فيستيقظ المؤمنين في هجعة الليل ليغوصوا في بحر التأمل بصلاة الموتوبا " الجلوس وهي صلاة التاسعة أي منتصف الليل " التي تدعو إلى الرحمة والمغفرة. بعدها تبدأ صلاة قالا دشهرا " السهر " شكراً للإله الذي أنعم عليهم بنعمة التوبة. ومع شروق الشمس يصلون صلوثا دصبرا " صلاة الصباح ". ثم تتوالى نوبات النهار وهي صلاة القوطاعا " القطع وهي صلاة الساعة الثالثة أي التاسعة صباحاً "، وصلاة عدانا دبلكه ديوما " صلاة منصف النهار الساعة السادسة أي الثانية عشرة ظهراً "، وصلاة المساء " صلوثا درمشا " وتعقبها الذبيحة الإلهية. وبعد الطعام يصلون صلاة السوباعا " الشبع أي الصلاة قبل الرقاد ". ومن خلال هذا الترتيب نجد أن فرض الصوم يحتوي دورة صلوات الساعات السبع الرهبانية.
   هذه الدورة اليومية لزمن الصوم ومن خلال عمق لاهوتي للصلوات المستعملة فيه، ومن خلال التراتيل الشجية الآخذة بمجامع القلوب، تجعل النفوس تتهافت لسماع تراتيل التوبة، والعيون تفيض دموعاً لمعانيها الغنية، والصدور تنفجر عواطف الحمد لدى تلاوة أيات الشكر، وأوتار القلوب ترتجف لإلحان الرجاء والفرح بخلاص العالم.
   ومن خلال التمعن في الصلوات التي تتلى في كنيسة المشرق خلال هذا الزمن المقدس، نجد أهمية الصوم في حياة أبناء هذه الكنيسة: " هوذا الصوم البهي كالملك قادم، فليجعل كل منا نفسه كالمدينة المزينة، ولننقِ طرقاتها وشوارعها من الأدناس والأقذار، ولنجمع الأفكار صفوفاً، ولنقم العقل قائداً لها احتفاءً بالملك القادم، ولنصرخ جميعاً بطلب الرحمة والغفران ".
   وتصلي في الأحد الأول من الصوم: " يا رب أن محبة الصوم الطاهر عمل صالح، به استحق موسى أن يقتبل الشريعة، وإيليا صعد في مركبة مضطرمة، ويشوع بن نون  الذي كان مظفراً أوقف سير الشمس لأنه أحب الصوم والقناعة، ودانيال سد أفواه الأسود، والفتيان الثلاثة  اطفأوا اللهبات في أتون النار، فلأجل ذلك نحن أيضاً نتضرع إليك أن ترحمنا ".
   وتصلي في الأحد الثاني من الصوم: " هلم بنا يا أهل بيت الإيمان، لنكون نشيطين في الصوم، لنجتني منه ثمار المحبة والرجاء والإيمان، فإن الأبرار الذين صاموه بنقاوة انتصروا به، وفي ختام صومهم نالوا إكليل الغلبة ". 
   وتصلي في الأحد الرابع من الصوم: " جميل هو وبهي وشهي الصوم المقدس، وهو معين الخيرات وكنز اللذات، والعقل الحامل بتذلل تواضعه، يلبس زينة العفة وجمال الطهارة، وبالقداسة يضيء مصباحه بزيت الرحمة، وتلبس النفس والجسد بهاءً ومجداً نظير الملائكة. هلم يا أخوتي نحمل نيره الطيب، لنلبس المجد في ظهور ربنا له المجد ".   
   وهناك ثلاثة أنواع من الاحتفال الأوخارستي خلال زمن الصوم الكبير، يحتفل فيها كالتالي:
   أ_ أيام الآحاد: وفيها يحتفل برتبة القداس كاملة بكل أقسامها، لأن يوم الأحد ليس يوم صيام، بل هو يوم قيامة الرب.
   ب_ أسابع الأسرار: وتشمل الأسبوع الأول والأسبوع الرابع من الصوم الكبير. والأيام الثلاثة من الأسبوع السابع، وأيام الجمعة خلال زمن الصوم. ويحتوي الاحتفال الأوخارستي على سائر عناصر القداس ما عدا رتبة التقديس، لأنه احتفال خاص بالتناول.
   ج_ الأيام البسيطة: وهي رتبة تناول بسيطة كانت تجري بين صلاة المساء وصلاة الرقاد، وذلك في سائر الأيام البسيطة للصوم الكبير.
   ويمتاز طقس كنيسة المشرق على ثلاث عناصر هامة خلال نهاية هذا الصوم هي:
   أ_ أعداد المؤمنين للاحتفال بأعياد القيامة المجيدة.
   ب_ إعداد الموعوظين للعماد، حيث كانت تمنح لهم عشية عيد القيامة.
   ج_ إعداد التائبين لنيل الغفران والمصالحة التي تجري مراسيمها في سبت النور، حيث كان التائبون يقومون بأعمالهم التوبوية من صوم وصلاة خلال فترة الصوم الكبير.
   وفي المؤتمر البطريركي العام للكنيسة الكلدانية سنة 1998 حدد الصوم الكبير على الشكل التالي: " يكون الصوم الكبير في الكنيسة الكلدانية بالانقطاع عن أكل اللحم في الأسبوعين الأول والأخير، وبالانقطاع عن أكل اللحم خلال أيام الجمع ضمن هذا الزمن، والانقطاع عن الزفرين والصيام حتى الظهر في اليوم الأول من الصوم الكبير ويوم الجمعة العظيمة. ولا يجوز الاحتفال بالزواج في الأسبوع الأول والأسبوع الأخير من الصوم الكبير وليلة العيد  الكبير ".           
   و_ صوم الرسل: يبدأ هذا الصوم في الأحد الأول من زمن الرسل وينتهي بالمجمعة السابعة من هذا الزمن. ويستمر هذا الصوم أربعين يوماً. ويرتقي هذا الصوم إلى مل قبل القرن الرابع الميلادي، إذ يذكره مار أثناسيوس الإسكندري ، وتذكره السائحة إيجريا   ( نهاية الجيل الرابع ). ويحدد كتاب قوانين الرسل هدف هذا الصوم بالقول: " التذكير بجدية الحياة المسيحية بعد فترة أفراح واحتفالات القيامة التي دامت طويلاً أي خمسين يوماً ". وفي العصور المتأخرة ترك هذا الصوم، إذ لا نجد له ذكر في أصوام المشارقة الكلدان اليوم.   
   ز_ صوم انتقال مريم العذراء: كان لهذا الصوم مكانة مرموقة في كنيسة المشرق، ويمتد هذا الصوم خمسة عشراً يوماً تسبق العيد، وفي العصور المتأخرة خفض هذا الصوم إلى خمسة أيام ثم إلى ثلاثة أيام، وفي عصرنا هذا أضحى صوم السيدة يوماً واحداً. وجاء في قرارات المؤتمر البطريركي للكنيسة الكلدانية سنة 1998 حول صوم السيدة " يجب على المؤمنين الانقطاع عن أكل اللحم ليلة عيد انتقال السيدة أي يوم 14 آب، وإذا صادف هذا اليوم يوم أحد، فيعوض باليوم السابق ".
   ح_ صوم إيليا والصليب: يبدأ هذا الصوم في الأحد الأول من زمن إيليا وينتهي بالجمعة السابعة منه، وهي أيضاً الجمعة الرابعة من الصليب. لأننا كما نعلم أن سابوع إيليا وسابوع الصليب هما سابوعان متداخلان. ويستمر هذا الصوم أربعين يوماً تشبهاً بالصوم الكبير. ويبدو أن هذا الصوم قديم في كنيستنا حيث يذكره المؤلف المجهول في القرن التاسع. وفي العصور المتأخرة ترك هذا الصوم، إذ لا نجد له ذكر في أصوام المشارقة الكلدان اليوم. 
    ط_ صوم يومي الأربعاء والجمعة: من خلال كتاب القوانين الرسولية " القرن الرابع " نجد أن الكنيسة تدعو مؤمنيها للصوم يومي الأربعاء والجمعة على مدار السنة، وللأسباب التالية كما يقول القانون الخاص بالصوم: " لا تصوموا في الوقت الذي يصوم فيه المراءون، إنهم يصومون في يومي الاثنين والخميس من الأسبوع. أما أنتم فصوموا إما خمسة أيام ما عدا يومي السبت والأحد، لأن السبت هو ذكرى الخلق، والأحد هو ذكرى القيامة. أو صوموا يومي الأربعاء والجمعة، لأنه في يوم الأربعاء صدر الحكم على الرب يسوع، وفي يوم الجمعة احتمل آلام الصلب ". وقد التزم المؤمنون بهذه الوصية عبر العصور، وفي عصرنا هذا أنحصر الصوم في يوم الجمعة فقط، عدا الجمع الواقعة بين عيدي القيامة والصعود، إذ لا يجوز فيهم الصوم. وجاء في قرارات المؤتمر البطريركي للكنيسة الكلدانية سنة 1998 حول هذا الصوم " يجب الانقطاع عن أكل اللحم في كل أيام الجمعة على مدار السنة، عدا الجمع الواقعة بين القيامة والصعود، أو الجمع التي يقع فيها عيد أو تذكار. ويجوز إبدال صوم يوم الجمعة بيوم الأربعاء السابق أو بيوم أخر لدى  الضرورة ". 
   ي_ أصوام متفرقة: هناك أصوام عديدة يمارسها المؤمنين باختيارهم، وهذه الأصوام غير مفروضة في الكنيسة. فهناك من يصوم يوم السبت على مدار السنة إكراماً لأمنا العذراء مريم ومن أجل خلاص الأنفس المطهرية. وهناك من يصوم خمسة عشر يوماً ثم أصبح ثلاثة أيام قبل عيد القديسين بطرس وبولس. وهناك من يصوم إكراماً لقديسين وقديسات طالبين شفاعتهم لنيل النعم. وهناك أشكال متعددة لهذه الأصوام، فمنهم من يصوم فترة محددة مكتفياً بأكل الخبز وشرب الماء فقط، ومنهم من يصوم عن أكل الحلوى، ومنهم من ينقطع عن التدخين ويمتنع عن المشروبات الروحية. جميع هذه الأفعال يمارسها المؤمنين بملء إرادتهم، والكنيسة تشجع هذه الأعمال التقوية التي ترتقي بالنفوس إلى النقاوة والطهارة.
   الخاتمة: مما سبق نجد أن الخطيئة والتوبة بينهما علاقة جدلية. فالصوم والصلاة هما سلاح المؤمن الذي يستعمله في محاربة الشرير وأعوانه، ومن يعي الخطيئة يشعر دوماً بحاجته الماسة إلى التوبة والتكفير عن الخطيئة والابتعاد عن أسبابها. من هنا يتوجب علينا أن نمارس الصوم ليس كعادة تعلمناها أو تسلمناها من أسلافنا، بل علينا أن نمارس الصوم بوعي وقناعة بأن هذه الممارسة التقوية تجعلنا أعضاء أحياء في جسد الكنيسة الحي، إذ بالصوم والصلاة نخلع الإنسان العتيق الفاسد بالخطيئة، ونلبس الإنسان الجديد النقي بالطهارة والفضيلة.
   ونختم مقالنا هذا بدرة ثمينة من مؤلفات نرساي الملفان، لا زالت كنيسة المشرق ترددها في زمن الصوم، ويسمع صداها المؤمنين فينتعشون بطلاوة معانيها الغنية: " أيها المائت الغاض عن الطبيعة المائتة. ليتشبه بالغير المائتين الذين لا يحتاجون إلى غذاء. أيها المادي الساخر من الأطايب المادية والمنصرف إلى الحياة الروحية. أيها الأرضي النابذ العوائد الأرضية وهو على الأرض يحاول البلوغ إلى الحياة السماوية. أيها الترابي جبيل الطينة بماء الآلام المشتد كالشجعان على قهر الآلام والأهواء. هناك يجزل الملك العطاء للجندي الباسل. فالبسوا قهر النفس سلاحاً لتقاتلوا وتنتصروا. بالصوم يختبر المعلم عبده الأمين. فيبذل له أجوراً تربو أضعافاً على نشاطه. لماذا منع الأدمي من الأكل. ولماذا جعله أن يحيا حياة الغير المائيتين. لقد أدلى للجسديين لابسي الآلام بأنهم بلا غذاء يعيشون في السماوات العالية. سيحيون بعد البعث من غير طعام. وعلمهم أن يعتبروا ذلك وهم بعد في حياة الأرض. وقد كشف لهم في الصوم عن تجدد أعضائهم التاركة ثياب الميتوتة برمز الفداء.