كوردستان والبيشمه ركه ... صنوان لا يفترقان
كفاح محمود كريم
ربما يتساءل البعض عن سر قدسية البيشمه ركه لدى الكورد وكثير من العرب الذين انخرطوا في تنظيماتها عبر عشرات السنين من تاريخ كوردستان والعراق، وربما أيضا يسمح البعض لنفسه بمقارنتها مع جماعات مسلحة أنتجتها نظما سياسية أو أحزاب تسلطت على الشعب كما حصل مع تجربة البعث وحرسه القومي ثم جيشه الشعبي والتي كان هدفها الأول والأخير الإرهاب بعينه والدفاع عن ذلك النظام المستبد، ويعرف العراقيون جيدا دون غيرهم ماذا كانت تعني مجموعات الحرس القومي والجيش الشعبي وتاريخها مع الشعب وقواه الوطنية.
ورغم أن تاريخ شعوب الشرق الأوسط نادرا ما يعرف في تراثه تنظيما عسكريا وشعبيا متينا إذا ما استثنينا تنظيمات الفدائيين الفلسطينيين والجزائريين كالذي عرفه في نظام البيشمه ركه التي بزغت للوجود في أواخر النصف الأول من القرن الماضي حينما قاد البارزاني عدة مئات من الفدائيين الكورد باتجاه أول جمهورية كوردية في التاريخ المعاصر بكوردستان الشرقية (إيران) والتي كونت فيما بعد أساسا لحركة شعبية عسكرية استمدت قوتها وبعدها الروحي والأخلاقي من مأساة الكورد عبر التاريخ فتحولت خلال السنوات الأولى من ستينات القرن الماضي بقيادة البارزاني مصطفى إلى مؤسسة قومية وطنية ضمت بين صفوفها كل شرائح المجتمع وطبقاته واتجاهاته من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين يجمعها وحدة الهدف وحرية الفكر والتعبير وسمو الأخلاق ومصداقية التعامل والسلوك وشجاعة الفرسان وبطولتهم، وسرعان ما تحول أفرادها إلى رموز اجتماعية وشعبية وتحولت تسميتها ( البيشمه ركه ) إلى واحدة من المصطلحات العسكرية والوطنية ذات الوقع النفسي والتأثير الوطني البالغ في سيكولوجية المجتمع ومفهومه للوطنية والمقاومة.
لقد أدرك البارزاني مصطفى ضرورة بناء مؤسسة عسكرية غير اعتيادية أو كلاسيكية تعتمد في سياقاتها العملية علوما عسكرية بحتة وابتكارات غير اعتيادية في حرب العصابات دونما الإخلال في قوانين الحرب والفروسية، متجاوزة تلك القيود البيروقراطية في العلاقات ضمن المؤسسة العسكرية المعمول بها في الجيوش وأيضا دونما المساس في هيكلية التنظيم الذي تميزت به قوات البيشمه ركه ابتداءً من القيادة العامة ومرورا بالهيز والبتاليون والى الوحدات الصغيرة من تشكيلاتها.
ومنذ أن بدأت قوات البيشمه ركه أعمالها الوطنية في المقاومة والتحرير منذ الحادي عشر من أيلول 1961 وضعت نصب عينيها الجانب الأخلاقي لأفرادها في التعامل الفروسي مع العدو واعتماد قوانين الحرب المتفق عليها دوليا في التعاطي مع تفاصيل ما تنتجه المعارك من أسرى وجرحى وقتلى، وكانت توجيهات البارزني مصطفى تنصب في كل سنوات القتال على إن الجندي والضابط في جيش العدو ليسوا أعداءً بل مضطرين أو محكومين بتنفيذ إرادة النظم السياسية في العراق، وعليه وجب التعامل معهم في حالات الأسر والإصابة كأفراد من أفراد البيشمه ركه، بل والاعتناء بهم أكثر من ذلك، ولقد شهدت كافة تشكيلات البيشمه ركه وفي كل سنوات الحرب منذ اندلاع الثورة الكبيرة في أيلول 1961 وحتى سقوط الفيلق الخامس بأسره تحت أيديهم في مطلع التسعينات من القرن الماضي أروع الصور في الفروسية والتعامل بأخلاقيات قل نظيرها في الشرق الأوسط والعالم الثالث.
ولعل الآلاف من الجنود والضباط العراقيون يتذكرون باعتزاز أيام أسرهم لدى قوات البيشمه ركه منذ اندلاع العمليات العسكرية في أيلول 1961 وحتى سقوط النظام عام 2003 وكيف كان أفراد هذه القوات يتخلون عن حاجاتهم الأساسية في التجهيزات الإدارية لصالح أسراهم من القوت العراقية في الوقت الذي كانت نفس هذه القوات تقتل أسرى البيشمه ركه وجرحاهم وتحرق قراهم وتنهب ممتلكاتهم وتهدم بيوتهم وبساتينهم، ورغم ذلك حافظت هذه القوات على ثوابتها الأخلاقية والقانونية التي اعتنقتها منذ الانطلاقة الأولى للثورة الكوردية ولم تتعامل بالمثل مع العدو لأيمانها بعدالة قضيتها وارتقاء مستوياتها الأخلاقية والحضارية كونها تمثل إرادة شعب وتاريخ وطن انتهكته قوى الظلم والظلام عبر عشرات السنين. ولم تنحدر هذه القوات في كل تاريخها إلى مستويات متدنية في الانتقام أو الاغتيالات الفردية أو الجماعية ولم تؤمن بالعنف طريقا أو أسلوبا في الحياة إلا دفاعا عن النفس ومقاومة للطغيان والاحتلال والاستبداد.
لقد أصبحت قوات البيشمه ركه خلال سنوات قليلة محط احترام وتقدير عال من كافة أوساط الشعب وشرائحه وطبقاته ومكوناته الدينية والاثنية وفعالياته السياسية وحتى أولئك الذين كانوا يحاربونها منذ عشرات السنين اعترفوا بأخلاقياتها وفروسيتها في الحرب والسلم.
إن البيشمه ركه لم تكن جماعات مسلحة أو ميليشيات كما يحلو للبعض في توصيفها بل كانت بحق مؤسسة كوردستان للمقاومة والفداء من اجل الوطن والشعب، وجيشا أنتجته مئات السنين من القهر والاضطهاد، حمل معه وعلى أكتافه قضية هذا الشعب وعبر عن أخلاقه وموروثه الحضاري في سلوك أفراده حربا وسلما.
ولم تكن قوات البيشمه ركه حكرا للكورد فقط، بل احتضنت المئات من البيشمه ركه العرب والتركمان والكلدان الذين كانوا يقاتلون من اجل قضاياهم العادلة بغض النظر عن آرائهم وأفكارهم ورؤاهم السياسية والتي ربما كانت تتقاطع في بعض تفصيلاتها عن الخطاب السياسي والفكري لهذه القوات، ويتذكر الشيوعيون والليبراليون العراقيون من غير الكورد وحتى القوميون العرب ممن آمنوا بأحقية القضية الكوردية وكثير من الفعاليات السياسية الدينية والمذهبية العراقية، كيف كانت مقرات هذه القوات ملاذا آمنا لهم ولكل القوى التي تقاطعت مع طروحات النظم السياسية العراقية الشوفينية منذ قيام الدولة العراقية وحتى انهيارها دونما التدخل في شؤونها السياسية وحتى العسكرية حينما كانت ترتقي إلى عمليات ضد الأنظمة الدكتاتورية منطلقة من كوردستان.
ومع تقادم السنين وتراكم الخبرة وارتقاء الأساليب المتحضرة في السلوك والتعامل أصبحت هذه القوات جزء كبيرا من الوصف الوطني والهوية القومية والحضارية لشعب كوردستان، بحيث ليكاد المرء أن يعرف وطنا اسمه كوردستان دونما مؤسسة اسمها البيشمه ركه، ولذلك فهما صفتان لبعضهما، تصف الواحدة الأخرى وتعرفها ولا يمكن الفصل بينهما لأنهما صنوان لا يفترقان.[/b][/size][/font]