الخليج وصورة المجتمع المدني
عبدالحسين شعبانيميل الاعتقاد السائد إلى أن دول الخليج العربي، أو ما يمكن أن نطلق عليه دول مجلس التعاون الخليجي الذي تأسس في العام ،1980 لا تمتلك تجربة كافية بخصوص المجتمع المدني، فإما أنها حديثة التكوين أو لا تزال ضعيفة ولم يشتدّ عودها، أو أنها لا تكترث كثيراً بهذا الحقل، أو أن هناك عقبات أمام الترخيص لتأسيس أو إنشاء مؤسسات خاصة بالمجتمع المدني، لكن بعض الدراسات ذهبت إلى القول إن هناك أكثر من 10 آلاف جمعية ومؤسسة خاصة بالمجتمع المدني، وإن عدد المنتسبين المنضمّين اليها يزيد على مليون شخص، في مجلس عدد سكانه حسب بعض الإحصاءات يقارب من 48 مليوناً .
لكن الباحث والمتخصص في المجتمع المدني، سيلاحظ أن المؤسسات التي نطلق عليها مؤسسات المجتمع المدني هي في الغالب مؤسسات خيرية أو يغلب عليها التوجّه الخيري - الإنساني والطابع الدعووي الإسلامي، في إطار حقوق الزكاة أو ما نسميه “التكافل الاجتماعي” لمساعدة من يحتاج اليه، لاسيما من ذوي الإعاقة أو الفئات الفقيرة أو الضعيفة .
وإذا كانت ثمة تطورات قد حدثت في دول مجلس التعاون الخليجي في ما يتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبخاصة الحق في التعليم والصحة والعمل والضمان والبيئة والتمتع بأوقات الراحة والاستفادة من منجزات الثورة العلمية- التقنية وفي إشباع بعض الحاجات الروحية والثقافية، فإن الأمر يحتاج إلى تعزيز جوانب أخرى تشكل منطلقاً لتعميق هذه الحقوق من جهة، ومن جهة أخرى لضمان استمرارها وتأصيلها، لاسيما الحقوق المدنية والسياسية، التي تنطلق في منظومة شاملة أساسها المساواة الكاملة والمواطنة التامة، خصوصاً في الموقف من تأهيل وإعداد المرأة وإدماجها في العمل العام، بما فيه حقوقها السياسية، كالحق في الانتخاب والترشيح وتولّي المناصب العليا من دون تمييز، ولا شك في أن هذه الحقوق لا بدّ أن ترتكز على أربعة أطر أساسية:
الإطار الأول: يتعلق بحرية التعبير بالقول والكلام والكتابة والنشر وتبادل المعلومات، وحق التظاهر والإضراب، وغيرها، تلك التي تكفلها الشرائع الدولية لحقوق الإنسان، والتي لا تزال بحاجة إلى تأطير وتقنين في العديد من بلدان الخليج .
والإطار الثاني: يتعلق بحق الاعتقاد، بما يفيد ذلك من حيثيات كما ورد في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، أي حق الإنسان في تبنّي وتغيير آرائه بحرية ومن دون إكراه، وهذا الأمر بحاجة إلى تطور تدريجي، تراكمي، طويل الأمد وإلى بيئة اجتماعية حاضنة، وقبول من النخب الفكرية والسياسية الحاكمة وغير الحاكمة، وإلى أجواء تتسم بالتسامح والاعتراف بالآخر وحق الاختلاف .
الإطار الثالث: يتعلق بحق التنظيم، وهذا يعني الحق في تأسيس الأحزاب والنقابات والاتحادات والجمعيات، السياسية والمهنية والاجتماعية والثقافية وغيرها، على نحو اختياري وبما تكفله المواثيق الدولية، وكانت بعض الخطوات الإيجابية قد بدأت في بعض دول الخليج العربي، وبخاصة في مطلع الألفية الثالثة، باستثناء الكويت التي كانت سبّاقة إلى ذلك منذ استقلالها العام 1961 .
وإذا توقفنا عند هذه المسألة بقراءة دساتير وقوانين دول مجلس التعاون الخليجي، فإننا سنرى أنها لا تزال في أول السلم قياساً للمعايير الدولية، حيث قطع المجتمع الدولي أشواطاً بعيدة، في حين أن الكثير من دول مجلس التعاون الخليجي ما زال متردداً . ومع أن هناك خطوات أولى مهمة لكنها لا تزال محدودة ويحتاج الأمر إلى توفّر إرادة سياسية حازمة لولوج هذا الطريق، لاسيما أن هناك عقبات مجتمعية قد تحول دون ذلك .
الإطار الرابع: هو الحق في المشاركة، ذلك لأن تداول مفهوم الشراكة والتحول الكوني باتجاه الإصلاح والاعتراف بدور المجتمع المدني، جعل الدولة الخليجية الريعية أمام سؤال كبير لا يتعلق الأمر بالاقتصاد ودور القطاع الخاص والاعتماد على اقتصاد السوق حسب، بل في ما يتعلق بدور المجتمع المدني، خصوصاً أن دولاً خليجية كانت قد وقعت على عدد من الاتفاقيات الدولية الخاصة باحترام حقوق الإنسان، مثل العهدين الدوليين، الأول الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والثاني الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واتفاقيات المرأة والطفل وغيرها (رغم بعض التحفظات)، الأمر الذي يتطلب تكييف قوانينها وأنظمتها، فضلاً عن دساتيرها لتتماشى مع الاتفاقيات الدولية .
وإذا كان الخطاب الرسمي الخليجي يؤكد على قيمة المشاركة ودور المجتمع المدني فثمة كوابح منظورة وأخرى غير منظورة بحكم طبيعة المجتمعات الخليجية المحافظة التي تحول أحياناً دون مشاركة فعّالة، ناهيكم عن المركزية في شكل الدولة، يضاف اليها التماهي بين الحالكم والسلطة أحياناً .
لعل مناسبة الحديث هذا هو مؤتمر مهم حول البحث الأكاديمي في ميدان المجتمع المدني نظمته مؤسسة المستقبل “الدولية” في البحر الميت بحضور عشرات من الباحثين والناشطين العرب والأجانب، فضلاً عن خبراء دوليين، وكانت ورقة الخليج قد قدّمها الباحث البحريني المعروف عبد النبي العكري، وقدّم عرضاً معمقاً لستة بلدان خليجية ودور مؤسسات المجتمع المدني، لاسيما كشفاً مهماً ببيلوغرافيا الدراسات والابحاث، لكن باحثاً خليجياً آخر استاذاً في علم الاجتماع هو الدكتور باقر النجار كان قد كتب مشككاً في وجود المجتمع المدني، وإن وجد فهو غير قادر على فرض إرادته أو رغباته أو تأثيراته في قرارات الدولة، كما هي في حالة أوروبا الغربية والشرقية أو بعض أقطار آسيا وأمريكا اللاتينية، بمعنى آخر حسبما يقول “من الصعب أن نجد مجتمعاً مدنياً في المنطقة العربية مستقلاً عن الدولة وقادراً على التأثير فيها”، لكنه يقبل بفكرة منظمات غير حكومية أو أهلية مستقلة عن الدولة .
إن أي تطور للمجتمع المدني، بما فيه دول الخليج العربي، يحتاج إلى بيئة تشريعية مناسبة وقوانين تنسجم مع التطور الدولي ونظام تعليمي وتربوي مناسب وإعلام عقلاني لنشر الوعي القانوني والمهني ومجتمع مدني يكون شريكاً ورقيباً وراصداً، بجاهزية فكرية ومهنية وأداء ديمقراطي مستقل بعيداً عن الواجهات الدينية أو الطائفية أو السياسية أو العقائدية لهذا الطرف أو ذاك .
باحث ومفكر عربي