مَنجَمُ ذهبٍٍ إسمُه الصمت
شمعون كوسا رُبّ قارئ يقول ، قد حَمَلنا العم شمعون مرّةً قبل الان داخل قارب في احدى جولاته الخيالية ، فلنرَ على أيّ بساط ريح سيطير بنا لنحوم حول موضوعه الجديد ، وهل سيقوم باختلاق قصص جديدة ؟ اني استبق هذا التساؤل الذي لم يسأله أحدكم ، كي اقول باني سوف لن أبحِر ولا اطير ولكني ساقص عليكم ما يلي :
في احدى سنوات السبعينات ، كنتُ جالسا في مكتبي مع زميل نتجاذب اطراف الحديث في بعض المواضيع . ساقنا خيط ُحديثنا الى ذكر اسم شخص لم يكن لزميلي معرفة كافية به ، ومحاولة منه في تذكّرِ هذا الشخص قبل ان اقوم بذلك ، قال لي : ألستَ تتكلم عن فلان الذي يقال بانه عضو في الحركة الفلانية ؟ كلام كان له وقع صاعقة على كامل جسمي ، كلمات هزّت بدني. فقمتُ كمن لدغته حية ووضعتُ يدي على فمي بغضب شديد مُشيراً اليه الكفّ حالا عن الكلام. وفي هذه الاثناء طرق الباب أحد المراجعين في استفسار بسيط وخرج .
بعد خروج الزائر ، توجهت من جديد الى زميلي وسورة الغضب لا زالت على اشدّها داخل نفسي ، وقلت له : كيف تتكلم هكذا وبصوت عالٍ عن موضوع بهذه الحساسية والخطورة ؟ الا تدري بان الانضمام الى هذه الحركة محظور ؟ ومِن أين لك هذه المعلومات؟ الا تخشى ان يكون قد سمعنا احد ؟ الم تسمع بان للحيطان آذاناً ؟
لكي لا اطيل عليكم ، أقول بانه فعلا في ذلك اليوم كان للحيطان آذانا ، والحائط كان يحمل آذاناً من لحم ودم ، يلتقط حتى الهمس باذن تتكوّن من صيوان وغشاء وطبلة ، حائط ينقل الكلام بأمانة ويشي دون وازع ضمير لقاء حفنة من الدراهم ، لأن الفلان الذي أتينا على ذكره في سياق حديثنا أنا وزميلي ، وجد نفسه بعد يوم واحد فقط ضيفاً على اجهزة التحقيق ، كي يختفي ويقضي خمسة ايام خاضعا لاستجواب قاسٍ تخللته لحظات ترفيهية اشتركت فيها الايادي وبعض الآلات الكهربائية والاجهزة الميكانيكية . بعد هذا ، أخلِي سبيله لان ما قيل عنه كان مجرد اشاعات .
كان هذا في زمن كنا نخشى التكلم حتى في بيوتنا ، وكنا نرى حتى في اطفالنا الابرياء حيطان صغيرة ، وبما ان اغلب الامور كانت مُحاطة بخط احمر ، كان بعض الكلام العادي يؤدي الى متاعب ، وانا متأكد بان الكثيرين منا مرّوا أو سمعوا بمثل هذه الحالات .
هذه روايات حقيقية ، وكما اقول دوماً دون ان اتسبب بازعاجكم بتكراري هذا ، حياتنا مليئة بمثل هذه الحالات والوقائع . قد يحدث هذا مثلا في مجالات اخرى من العلاقات بين الناس ، بين الشباب مثلا ، كَأنْ يورد احد من الذين لا سيطرة لهم على لسانهم ، بعضَ ملاحظات عن شابة دون أن يعرف وجود خطيبها بين مستمعيه ، فيؤدي كلامه ، بغضّ النظرعن صحته أوعدمه، الى تأزّم الحالة ولربما الى الفسخ والفراق. لاننا في كثير من كلامنا ، في هذا المجال ، لا نستطيع ان نحزر ردّ فعل الطرف المقابل او الشخص المعني .
لقد قال الحكماء : خيرُ الكلام ما قلّ ودلّ . وهذا معناه ، يجب أن يأتي الكلام عند الحاجة وعلى قدر الحاجة . إنّ احتمالات الوقوع في الخطأ عند الرجل الكتوم قليلة جدا او شبه معدومة . أمذا مع مَن يطلق العنان للسانه او الذي يمتهن البلاغة الفارغة أو يتخذها شعاراً، فانه قلمّا يخرج من محفل أو يُنهي موضوعا دون أن يُصبح هدفاً لانتقادات سامعيه وتقريعاتهم ، لانه يكون ، في حديثه الطويل ، قد أخطأ في احكامه وأساء للناس من حيث لا يدري ، أو ربما نقل احاديث غير مؤكدة أو كاذبة .
عند الكلام أو لزوم ابداء الرأي ، يجب الاخذ بالحسبان ثلاثة اعتبارات وهي : المكان الذي نتحدث فيه ، الموضوع الذي نتناوله ، والشخص الذي نخاطبه . فبعض الكلام لا يناسب كلّ المحافل ، وبعض المواضيع تتّصف بحساسية دون غيرها ، وبعض الاشخاص يجب مراعاة شعورهم بنوع خاص ، لان ما يتقبله شخص لا يستمرؤه غيره .
لماذا نقول : لتكن شيمة الانسان السكوت على قدر الامكان ؟ لان الكلام في حالة الغضب محفوف بكثير من الاخطار ، والكلام الصادر عمّن لا يجهد نفسه بالتفكير أرض مزروعة بالالغام ، والكلام عند الحكم على مواضيع شائكة ، مغامرة تؤدي براكبها غير المتمرس الى فاجعة .
يقول المثل الكلداني : (شْمَعْ سَـﮔـيّ ومَلّلْ قلِّلْ) ، أي اسمع كثيرا وتكلم قليلا . كان هذا المثل احد نصوص كتاب اللغة الكلدانية التي كان يتمّ تعليمها في الخمسينات . فهناك القليل من الكلام يجب ان يُقال ، وهذا القليل لا يقاس بطوله لانه كلام مفيد وبعيد عن اللغو والترهات . القليل من الكلام لا بدّ منه لاسداء نصيحة ، لكشف حقيقة نافعة ، لتوضيح امر غامض ، لانقاذ حالة معينة ، وفي بعض الاحيان لتلطيف حالة او ازالة توتر ، والى حدّ القيام بسرد طرفة .
ان الامثال كثيرة في هذا المجال ولا تخلو منها لغة او بلد . بعض منها تقول : (لسانك حصانك ، إن خنته خانك وأن صنته صانك ) . فخير وسيلة لصون اللسان هي اراحته عن الكلام ، الصمت .
يقال ايضا : ( حرّك لسانك سبع مرات في فمك قبل ان تتكلم) . قد يحتاج البعض، باعتقادي ، الى اكثر من سبع مرات ،لا سيما الذين لم يُشركوا عقلهم في العملية .
في كثير من الاحيان ، عندما يخلد الانسان قبل النوم الى مراجعة الذات وفحص الضمير ، ينتهي الى لوم نفسه ويقول بمرارة : يا ليتني لم اتكلم ، يا ليتني لم اردّ على فلان ولم اتفوّه بالجملة الفلانية . يا ليتني اغلقت فمي في الوقت المناسب وكان لي فعلا فرصة للسكوت، لاني جرحتُ صديقاً ، غير ان الاناء يكون حينذاك قد انفطر وتكسر . ونحن نقول : يا ليت كان لِكلامِه ووندمه قدرة اعادة الامور الى نصابها ولكن هيهات ، فالكلام كان قد خرج من الفم واخذ مجراه بسرعة البرق وفعل ما فعل . وبعض الكسور، حتى اذا افلحنا في لحامها ، فان اثر الشق يبقى ، وقد لا يراه الا النادم على فعله .
كثير من المشاكل في الحياة ، شبّت بسبب شرارة كلام بسيط كان يجب ان لا يُقال ، قد يكون هذا النوع من الكلام احيانا إيماءة بسيطة ، اشارة عين ، هزة ّ رأس ، كلمة واحدة كتبت دون تفكير ، وهذه كلها تدخل في نطاق التعبير والكلام .
كم مرّة سمعنا آباءنا وامهاتنا يوجّهون لنا لوما شديدا بالقول : لسانكم هذا يستحق البتر ، لماذا قلتم كذا وكذا ، لماذا اطلتم لسانكم بكشف الموضوع الفلاني ؟
انّ من لا يُحسن ضبط لسانه ، يقع في اخطاء كبيرة ، يندم عليها بعد فوات الاوان . لقد سمعنا في بعض فترات حياتنا عن حالاتٍ لعِب فيها كلام بسيط دورا في تقرير مصير اناس ابرياء ، كلام أودى بمستقبلهم ، وإنّ انقاذهم كان لا يحتاج الاّ الى صون اللسان والسكوت ، الى جهد لا يرهق ولا يكلف شيئا وهو الصمت .
يقال عن الانسان انه حيوان ناطق ، اعني حيوان متكلم . فالنطق هنا يرتبط بالمنطق ، اعني التعبير بتحكيم العقل وعملية التمييز، والعقل هو الذي يجب ان يقود تصرف الانسان قبل تسليم الامور الى اللسان وإدخاله الى الحلبة ، أعني يجب ان يُحدّدَ دورُه على ما قلّ ودلّ .
عطاشى الكلام وهواة اللغو هم أشحاص يحبّون الظهور . يقولون مثلا : كيف اسكت ، هل ترضون ان يعتبرني الناس غبيّا . ولكي يُبعد صاحبنا نفسه عن تهمة الغباء ، يتكلم وبحماس شديد فيتورّط في الكثير مما قاله ، ويبتدأ بعد ذلك بعضّ أصابعه ندماً . وبالرغم من كل هذا ، لا يكفّ عن تقديم الاعذار والذرائع قائلا : الذنب ليس ذنبي ، لقد استفزّوني وكانوا يتحدوني ويكذّبوني .
أما نحن فنقول : كان يكفيه السكوت او الاكتفاء ببعض كلمات يمليها عليه عقله وليس لسانه الجموح كالجواد والهائج كالثور ، لا سيما وان ما تفوّه به كان قد سمعه من غيره واتضح بعد ذلك بان نصفه كان كذبا .
نقول في الختام بان الصمت والكتمان يدعواننا الى التأمل ، الى التفكير في الامور بهدوء ، الى التروّي والسيطرة على الذات . فالصمت يزين النفس ويزيدها غنى ، انه منجم ذهبٍ مدفون في اعماق النفس ، ذهب بعيد عمّا يلمع من قشور وظواهر تبهر عيون من كان معتمدا فقط على سرعة لسانه . فالذهب الحقيقي والذي يرتبط بريقه بمنبع باطني خفي، هو الصمت الذي تكلمنا عنه ، هو معدن يصعب تقديره بثمن لانه يصون الذات من فقدان اعتبارها لدى الاخرين، ويُكسِبها ثقة الناس واحترامهم ، ويُؤمّن لها راحة الضمير ويُبعدها عن ندم قد يعذب الانسان طوال حياته .