من سيقف في قفص الإتهام ؟
صباح دمّان في منتصف السبعينات قرر مغادرة وطنه ليقوم بالتدريس في إحدى مدارس العاصمة الجزائرية ، وكما روى لي ، كان يلتقي عادة هناك مع الأساتذة العراقيين في إحدى المقاهي الخاصة بالجالية العربية في مركز المدينة وسط منطقة سياحية وتجارية جميلة مكتظة بالمارة وتدعى " اللوتس" ، وكان يرتاد المكان غالبية المدرسين والمعلمين العرب وخاصة المصريين والفلسطينيين إضافة الى العراقيين . كانت تدور أحياناً بين رواد المقهى نقاشات وأحاديث الساعة يتخللها في بعض الأوقات جدلاً سياسياً صاخباً حيث إعتاد كل أستاذ أن يطرح همومه ومعاناته للأخرين ويشكو غربته أو ينتقد حكومته أو حكومات الدول الأخرى عندما كانت الساحة الدولية في السبعينات ساخنة بالتحديات والأوضاع السياسية العربية حبلى بالأحداث اليومية والمفاجئات المرتقبة، خاصة حينما تصاعدت حدة المواجهة بين القيادتين العراقية والفلسطينية على كافة الأصعدة . كان من بين الرواد الدائميين للمقهى أحد الأساتذة العراقيين من المغضوب عليهم ، ويدعى " أبو علاء " الذي كان هارباً من الوطن وعلى خلاف دائم وشجار مع موظفي الملحقية في كثير من الأمور ، وكان يجلس في كثير من الأوقات في المقهى مع العراقيين فيشهّر بالحكومة وينتقد سياستها ويهاجم المسؤولين في النظام السابق . في أحد الأيام بينما كان أبو علاء جالساً لوحده في أحد أطراف المقهى بجوارهم ، يحتسي قدحاً من الشاي وهو يتأمل تراكم رماد سكارته التي كادت تحرق أصابعه ، كان أحد الأساتذة الفلسطينيين يتحدث بالقرب منه مع أصدقائه بصوت عالٍ موجهاً إنتقادات لاذعة وشتائم وإتهامات خطيرة للقيادة العراقية . فجأة ووسط ذهول وإستغراب كافة الرواد، نهض أبوعلاء وتصدى للمتكلم وكاد يهاجمه وهو يحذره من تكرار ذلك أمامه . ثم إلتفت إلى العراقيين وأخذ يخاطبهم واحداً واحداً قائلاً " إن ذلك الكلام إهانة موجهة إليك... وإليك ... وإلى كل عراقي ، عند قيام أي عربي بشتم أو قذف أحد المسؤولين العراقيين أمامك في الغربة ، لأنه بشكل غير مباشر يهدف إلى إهانتك وطعن كرامتك وإستصغار شخصيتك ليوَّلد لديك حالة من الإحباط والإرتباك تؤدي إلى قطع صلة الرحم بشعبك وبجذورك التاريخية ." علما ً بأن أبا علاء بالرغم من رفض الملحقية العراقية تجديد جوازه أو تلبية طلباته عند مراجعاته الرسمية ، فإنه لم يتنكر لشعبه يوماً ، بل كان على العكس يتفاخر بإنتمائه ويتغنى بتاريخ بلاده ويعتز بقومه ، وكان دوماً يردد بحسرة وألم " بلادي وإن جارت علي عزيزة ، وأهلى وإن شحَّوا علي كرام . " . أتذكر ما حكى لي ذلك الأستاذ عن أبي علاء ، وأقارن بين مواقف ذلك الإنسان النبيل وهو في غربته القاسية وظروفه المعاشية الصعبة ، وبما يفعله اليوم بعض أشقائنا الذين تجري في عروقهم دماء كلدانية ، تذكرته وأنا أطالع مع الأسف الشديد ، مقالات عدد منهم والذين أصبحوا ملكيين أكثر من الملك في هجومهم على كل من يفتخر بقوميته الكلدانية ويتمسك بكنيسته ، موجهين إلى رؤوسائنا الدينيين الأجلاء إتهامات مخجلة وإنتقادات ظالمة ومطاليب غير مشروعة ، وعلى مرئ ومسمع من الذين يبحثون عن خلافاتنا بقنديل في الظلام ، وبنفس الوقت يمتدحون كل من يتنكر لقوميته ويشكك بنزاهة مرجعيته الدينية ، حتى وصل الأمر الى قيام بعض رجال الدين من أبائنا المحترمين وغيرهم بمهاجمة كنيستهم على صفحات الإنترنيت بإدعاءات منقولة عن إجتهادات شخصية ومستوحاة من تحليلات وإفتراضات غير دقيقة في هذه الظروف المعقدة والأيام الحالكة الظلمة التي يمر بها شعبنا وبحجة وجود أخطاء في مسيرتها وتقاعس في معالجتها للأمور، وإظهار حرصهم الشديد ورغبتهم المخلصة لتقويمها وبمقالات نقدية غير مسبوقة وبالتزامن مع الحملات الإعلامية الحاقدة والمشاريع المشبوهة التي تستهدف القومية الكلدانية والكنيسة الكاثوليكية بالذات. ولو إفترضنا جدلاً وجود سلبيات في مسيرة الكنيسة أو تجاوز في إدارة أحد رجالها ، وهم بشر مثلنا وليسوا مُنزلين من السماء ، فهل تعالج يا أبائنا الكرام ويا أشقائنا بهذه الطريقة في وسائل الأعلام عن طريق التشهير بقادتها والتشكيك بنهجها والطعن برسالتها وأمام أعدائها الألداء المتربصين بها في هذه الأيام التي غدت فيها كنائسنا المضطَهدة في كل بقعة من وطننا وأكثر من أي وقت مضى ، أهدافاً مشروعة للتفجير ورُسِلها معرضين للإختطاف والقتل والتهجير ، وأمسى شعبنا المسالم ضحية لصراعات قومية وعرقية أو قطع شطرنج لأجندات سياسية لا ناقة لنا فيها ولا جمل ؟ ألا يوجد وسيلة أخرى وأماكن هادئة بعيدة عن الأضواء المعادية الكاشفة والصخب الإعلامي الموبوء لمناقشة مثل هذه الأمور الحساسة بتقديم مقترحات أوعقد لقاءات صريحة وإجتماعات هادفة ضمن أروقة الكنيسة المباركة ، إذا كان الهدف الحقيقي منها النقد المخلص البناء النابع من الشعور العالي بالمسؤولية تجاه كنيستنا ومصلحة أبنائها وليست لمقاصد مشبوهة أو دوافع سياسية مبطنة ؟ ثم أين كانت كل هذه الأراء والنصائح والإنتقادات وإظهار السلبيات حينما كانت أجراس الكنائس تقرع بعيداً عن الإهتمام القومي ؟ ولماذا بدأ الهجوم عليها حينما شعرت بالمخاطر التي تواجه شعبنا وإضطرت للتدخل وإتخاذ موقف ثابت شجاع لإيقاف عملية سلب هويتنا وتهميش قوميتنا ؟ وهل تتعارض مسيرتها مع تعاليم الرسل في الكتاب المقدس وجوهر الديانة المسيحية في الدفاع عن كيانها ومستقبل أبنائها ؟ هل وُجهت إنتقادات مماثلة بهذه الطريقة لرجال دين الكنائس الأخرى من قبل أبنائهم بسبب تمسكهم بقوميتهم أو عند وجود مأخذ عليهم؟ يجب أن لا ننسى أيها الأشقاء مواقف كنيستنا المشرفة طيلة العقود المنصرمة في دفاعها عن شعبنا عند الشدائد والمحن وضمن المساحة التي سمحت لها ظروفها في حالات كثيرة وأماكن مختلفة كما حدث حينما تدخلت في الساعات الأخيرة وأنقذت بلدتنا العزيزة ألقوش من هجوم غادر مُبيت لقوى باغية كانت تحاصرها بعدما رفضت بإصرار وكبرياء تسليم إشقائنا الأشوريين الهاربين من مجازر سميل عام 1933 إلى القوات المعادية التي كانت تلاحقهم ، إضافة إلى دورها في تثبيت كثير من الحقوق الثقافية والإجتماعية والدينية وإلغاء قرارات مجحفة صدرت من بعض وزارات النظام السابق ، وحكمتها في التعامل مع الأحداث الطارئة وسياستها العقلانية في الحفاظ على أبنائها ورؤيتها الثاقبة للمستقبل . لقد طفح الكيل يا أشقائنا وبلغ السيل الزبى . إن التاريخ سوف لن يسامح كل من حاول هدم ركائز كنيستنا في هذه الظروف البالغة الخطورة التي يمر بها شعبنا وفي هذه الأيام العصيبة التي يواجهها أبناء نينوى المسالمين الطيبين وهم يحملون صليبهم ويسيرون لوحدهم وسط أعداء كثر في طريق مجهول ، يُجلدون وينزفون دماً فوق أرض أبائهم ، وهم أبرياء من ذنب لم يقترفوه أو جنحة لم يرتكبوها .... ولن ينسى كل من تنكر لقوميته ووقف ضد مصالح أهله وقومه ، وكل من حاول سرقة حلم الأجداد وإغتيال أمنية الأبناء ومصادرة تاريخنا والتشكيك حتى بحضارتنا وهويتنا التي حافظنا عليها منذ ألاف السنين رغم المجازر الدامية والإضطهادات المتواصلة والحملات الظالمة التي طالت وجودنا وإستهدفت قوميتنا الى أن أشرقت علينا ، كما تصورنا ، أنها شمس الحرية لنعلن للعالم كله بفخر وإعتزاز بأن هويتنا كلدانية أصيلة المنبع كنقاوة هواء وعذوبة مياه ورسوخ جبال وخضرة سهول وعبق بساتين وطيبة نفوس أهالي : أم الشهداء صوريا وألقوش وتلكيف وكرمليس ومنكيش وتللسقف وبطناية وبيقوبة وعينكاوا وقرى ونواحي نينوى ودهوك وزاخو وعمادية وأنشكي وكافة البلدات الكلدانية المنتشرة على خارطة الوطن العزيز . ولكن كان الأشقاء هذه المرة لنا بالمرصاد ليحرمونا من فرحة إستعادة حقوقنا وتقرير مصيرنا وإختيار الطريق المشترك معهم بإرادتنا لنمضي معاً لتحقيق أمال وطموحات شعبنا المغلوب على أمره والذي يدفع بإستمرار ضريبة الإنتماء الديني والشعور القومي من دماء أبنائه وتضحياته وتهجيره القسري ، ففرضوا علينا حق الدفاع عن النفس في أن نكون أو لا نكون . لذا من حقنا أن نتسأل بكل موضوعية عن الطرف الذي يجب عليه الوقوف في قفص الإتهام في محكمة التاريخ يوماً بسبب التشرذم المخزي والإنقسام المخجل والواقع المشتت الذي يعيشه أبناء شعبنا في السنوات الأخيرة والذي أدى إلى ضياع حقوقنا وسلب أرضنا وتلاشي الفرص التاريخية التي كانت بحوزتنا أو على مرمى حجر منا ؟