الـمُضحك الذي لا يُسِر
عبد المنعم الاعسم
aalassam@hotmail.com من زاوية معينة يبدو الامر كما لو انه فصل من فصول الكوميديا السوداء، ولولا هذا "الانفلات الاعلامي" الذي تمر به الحالة العراقية، لما امكن توليف هذا النص الغريب المحيّر من الاحداث والمفارقات التي لا يمكن ان تحدث إلا في مكان اسطوري، خارج المتخيَّل والمتصوَّر والمنظور، وربما هذا ما دفع مراسل تلفزيوني اجنبي الى ان يعتذر عن مشاهديه بانه لم يعد يعرف ما يحدث، وان كثرة التصريحات والتسريبات والاسماء المطروحة للفريق الحكومي زادت من اضطراب المشهد وتشوّش الصورة.
وليس من دون مغزى ان تضرب كرة النار وشظايا الجدل حول تشكيل الحكومة الجديدة وحوادث التنكيل والتمثيل بالجثث وانتشار قطاع الطرق في العاصمة وانقطاع شبكة الكهرباء طوال ايام متتالية منظومات التحليل والمراقبة والرصد في كل مكان، لتحصل، في نهاية الامر، على اطرف واكثر الاراء تضاربا وتشتتا وتناقضا حينما تسأل: ماذا يحدث في العراق؟ او: ماذا بعد ذلك؟.
ولعل الاكثر غرابة يتمثل في الفصول اليومية الدرامية ذات الصلة بتشكيل الحكومة الجديدة، واعني تحديدا، هوس البعض من الساسة الجدد من اصحاب المشاريع التي نطّت عن غفلة تاريخية الى واجهة المسرح، وقتالها وشراستها من اجل "استملاك" مقاعد حكومية، معبّرٌ عن ذلك في هذا السباق المحموم المضني، اللامبدأي، الذي يجري على واجهات الاعلام وصولا الى خط النهاية بـ"وزارة سيادية" وقد زل لسان احد فرسان الشاشات الملونة ليقول، مجازا، بان ما يجري يشبه لعبة حظ، او ما اسماه "سباق لياقة" في عصر كفت ان تكون سباقات اللياقة او مباريات الحظوظ واليانصيب سبيلا الى الحكم، إذ يفصلنا حوالي الف وخمسمائة عام عما حدث حين احتكم المتصارعون على مقاطعة كورنول الانكليزية الى المراهنة على سباق الحلزون على مائدة صقيلة، وقيل ان المقاطعة وصلت الى مالكيها الحاليين عن طريق هذه اللعبة العابثة، إذ حاول المالك الاول ان يحفز حلزونه على الجري بوخزه بالدبوس، غير ان "مزاج" الحلزون آنذاك كان عنيدا فلم يستجب للوخز واستمر يتبختر الهوينا دون اكتراث..
وهكذا تمت الخسارة، كما تفصلنا الف سنة تقريبا عن زمن كانت فيه شعوب حلت مشاكلها عن طريق القرعة، وقد اشار عالم الاجتماع السير ادورد تيلور الى قدرة المراهنة واليانصيب كوسيلة بشرية قديمة للتحكم في الارادات والرغبات، فقبائل الماوري في نيوزيلاندا استخدمت القرعة في معالجة الصراعات بين فروعها المتقاتلة، وسكان البولونيز اعتمدوا على لعبة جوز الهند في توزيع الامتيازات فتوضع الجوزة على قاعدتها وتترك لتميل وتتدحرج ليشير رأسها الى من يكسب الرهان او "مقعد الوزارة".
وربما، فرط ما يحدث من مفارقات شنيعة في العراق الجديد الذي خرج توا من علبة الدكتاتورية الخانقة، نُقل عن طيب الذكرالشيخ جلال الحنفي قوله: ما كنت اريد ان اعيش حتى اليوم الذي ارى فيه ما ارى.
ـــــــــــــــــــــــ
..كلام مفيد
ــــــــــــــــــــــ
"منافع الدنيا مشتركة، محصورة، وحبسها على بعض الناس قبيح عقلاً".
الفخر الرازي [/b] [/size] [/font]