ضرورة الاصلاح والتغيير في فكر ونهج الاحزاب السياسية في العراق
خوشابا سولاقا بعد إنقضاء السنوات الطويلة التي عاشها الشعب العراقي وهو سجين القمع والظلم والديكتاتورية المقيتة وعانى ما عانى من مظالم وإضطهاد وكم الافواه وكبت الحريات واسكات الاصوات الحرة ومنع الناس من الكلام عن مايجرى لهم في بلدهم، إلا فيما يمجد ويمدح شخص الديكتاتور والحزب القائد والتفاخر بهزائم الحروب القذرة التي أفتعلها وشنها الديكتاتور ونظامه خلال فترة حكمه ألاسود، على إنها إنتصارات باهرة وناجزة على القوى الصفراء الظلامية التي تهدد العراق من الشرق والغرب والشمال والجنوب وكذلك لارجاع الاجزاء السليبة من الارض العراقية التاريخية وكذلك محاربة القوى الامبريالية العالمية والاعداء التاريخيين للعرب والعروبة، كما كان يدعي النظام والقوى الشريرة الطامعة بخيرات وثروات العراق، وكذلك أراد النظام أن يصور تلك الحروب التي شنها ظلماً وعدوانا على الآخرين والتي لايمتلك فيها الشعب العراقي لاناقة ولاجملا على إنها حروب وطنية مقدسة وحروب بين الخير المتمثل بالنظام والشر المتمثل بالاعداء المفترضين من غير قوى النظام والقوى المتحالفة معه والساندة له، وعلى إنها حروب بين القوى المؤيدة للحق العربي المغتصب في فلسطين وبين الصهيونية العالمية والقوى الامبريالية العالمية الداعمة لهاولمشاريعها التوسعية على حساب العرب والامة العربية لاقامة دولة اسرائيل الكبرى التي تمتد من النيل الى الفرات تحقيقا للحلم التوراتي لقادة الصهيونية العالمية، وكذلك على انها حروب بين جبهة الحق والباطل جبهة الايمان كله ضد الكفر كله، مما يقتضي بالشعب العراقي والعرب الحقيقيين والشرفاء في العالم وبقيادة النظام الصدامي بناء جيش السبعة ملايين باسم " جيش القدس" لتحرير بيت المقدس من براثن اسرائيل والصهيونية ليدخل صلاح الدين العصر على رأس المنتصرين حاملا راية العروبة والاسلام الى القدس من جديد. كل هذه الاحلام الفارغة والخاوية قادت النظام وازلامه الى ارتكاب حماقات وجرائم يندى لها الجبين بحق العراق والعراقيين جلبت لهم الويلات والكوارث والنكسات والمأسي المريرة حيث لا تخلو عائلة عراقية من ضحية وفقدت عزيزا لها من اب او ابن او زوج او اخ او غير هؤلاء من الاعزاء وتركت الملايين من الثكالى والارامل واليتامى تجوب الازقة وراء لقمة العيش، فضلا عن ما عانته كل عائلة عراقية من شضف العيش والحرمان والبؤس والشقاء في كل قطاعات الحياة وعانت الامرين من سياسات النظام الحمقاء والغبية والعقيمة سياسة الويلات والنكسات والكوارث والمآسي . وخرجت البلاد من تلك الحروب عشية القرن الواحد والعشرين مدمرة الاقتصاد والبنى التحتية والخدماتية وهي غارقة في الديون الثقيلة ومرهونة الثروات وفاقدة للسيادة الوطنية والشعب يلعق جراحه تحت وطأة الحصار الاقتصادي المفروض على العراق، اما قطاع الخدمات الاجتماعية المختلفة فتلك قصة اخرى لا تحكى لما فيها من من الغرائب والعجائب حيث لا يرى من خلالها المشاهد الغريب العراق الا ذلك البلد في بداية عهد الاحتلال العثماني، انها حقيقة مهزلة تدمع العيون وتدمى القلوب.
واما في مجال الفساد المالي والاداري الذي كانت تمارسه اجهزة وشخصيات النظام حيث كانت تضرب اطنابه في كل اجهزة ومرافق الدولة ومؤسساتها الرسمية المختلفة، وسرقة المال العام كان مباحا للجميع، والرشوة كانت فريضة يدفعها المواطن لقاء انجاز اي معاملة رسمية له لدى دوائر الدولة الصدامية التي وفرت الامن للمواطن دون ان تعطيه الامان في العيش. كل هذا حصل للعراق والعراقيين عشية دخول القوات الاميركية الى عاصمة الرشيد وهي تجوب شوارعها بألياتها العسكرية بحرية دون ان يقول لها احد من ازلام النظام على عينيك حاجب، وبعد ان احتلت مطار بغداد الدولي وتقدمت صوب مركز بغداد لاسقاط الصنم في ساحة الفردوس كانت ابواق النظام من خلال وزير اعلامها السيد محمد سعيد الصحاف يتحدث عن الانتصارات الصدامية على قوات الاحتلال على طريق المطار وفي ساحة جامع ام الطبول ويوعد الشعب بالنصر المؤزر على يد القائد الضرورة قريبا.. يا للهول والمهزلة السخيفة انه كان في ذلك يحاول ان يحقق ما قاله "كوبلز" وزير اعلام هتلر "اكذب اكذب حتى يصدقك الاخرون الا انه ولسوء حظه التعيس لم يصدقه احد من العراقيين الا نفسه المريضة.. خرج العراق والعراقيون من خضم هذا الصراع المرير مع النظام بعد سقوط الاخير على يد القوات الامريكية في التاسع من نيسان فرحين متأملين بزوغ فجر عصر جديد خال من الدكتاتورية والقمع والملاحقات الامنية والكوارث والمأسي والفقر والمرض والعوز وخال من كل مظاهر التخلف التي تركتها السنين العجاف على الواقع العراقي، وكبر حلمهم بتأسيس دولة القانون والمؤسسات الدستورية وتناوب السلطة سلمياً على أنقاض الدولة الصدامية المنهارة، إلا أن ذلك الحلم سرعان ما تلاشى وغاب وراء الافق البعيد واصبح مجرد حلم ينتظر التحقيق وتحويله الى واقع. توالت الحكومات في العصر الجديد من حكومة مجلس الحكم الموقر والسيد بريمر الى حكومة السيد نوري المالكي، اي عصر مابعد الصدامية، ولاحظ المواطن أن كل شيء باق على حالة دون أن تطوله يد التغيير واصبح أسوأ مما كان في الكثير من المجالات، حيث انتهى وسقط واعدم صدام ولكن لم تنته ولم تسقط ولم تعدم الصدامية في الحياة العراقية كنظام سياسي بل هي باقية وتعمل بقوة كالفساد المالي والاداري والرشوة في اجهزة الدولة والصراع على السلطة وتصفية الخصوم السياسيين بالوسائل العنيفة والتصفية الجسدية من خلال الميليشيات المسلحة غيرالشرعية والمحسوبية والمنسوبية وغيرها من الخصوصيات في منح الامتيازات والمناصب والوظائف وسياسات الاقصاء والتهميش والاستئثار بالسلطة والتمييز بين المواطنين على اساس الخصوصيات وغياب مفهوم المواطنة وغيرها الكثير من هذه المظاهر المتخلفة والمرفوضة اخلاقيا ووطنيا وانسانيا، فكل الاحزاب والقوى السياسية التي قفزت الى السلطة بعد السقوط بأسناد ودعم المحتل لاتختلف في شمولية افكارها واسلوب حكمها عن شمولية افكار واسلوب النظام السابق حيث لم تتمكن هذه الحكومات ان تقدم شيئا افضل ومتميزا عما كان يقدمه النظام السابق وانما كل ما حصل هو تكرار صورة الماضي بالوان جديدة. حيث فقد الشعب الأمن والأمان وشاع القتل على الهوية وضرب الارهاب بكل اشكاله ومسمياته بأطنابه كل مناحي الحياة العراقية وتوسع الفساد المالي والاداري بشكل اوسع واشمل مما كان في زمن النظام السابق والرشوة ارتفع مستواها واساليبها لتشمل كل مستويات الدرجات الوظيفية بشكل غريب ومريب دون ان يردعها رادع، والصراع على السلطة بين القوى السياسية اتخذ اوسع مدى واعتمد مختلف الاساليب، وبالمقابل زاد الشعب فقرا ومرضا وعوزا وبؤسا وشقاء وتفشت البطالة بين شبابه المتعلم وغير المتعلم واصبح الكل يبحث عن لقمة العيش مما جعلها صيدا سهلا لقوى الارهاب لاستخدامهم في تنفيذ جرائمه في طول وعرض البلاد. بحيث اصبحت قطاعات واسعة من شرائح المجتمع العراقي مع الاسف الشديد تترحم على النظام المقبور الذي ذوقهم السم الزعاف علنا ياللمفارقة الغريبة انه حقا الامر المضحك المبكي...!! كما نلاحظ ايضا اشتداد التنافر بين الجماهير الشعبية من مختلف الشرائح الاجتماعية والاحزاب السياسية، حيث وصل رد الفعل الرافض للجماهير لهذه الاحزاب الى حد المطالبة بابعادها عن ادارة الدولة وحكم البلاد لكونها احزاب شمولية لاتختلف عن سابقاتها باساليب عملها المخالفة للقانون والدستور واستغلالها لثروات البلاد واثرائها على حساب سرقة المال العام في الوقت الذي عجزت ان تقدم شيئا لجماهير الشعب المتضررة من سياسات النظام المقبور وان تعطي صورة جديدة مغايرة لتلك الصورة التي طبعها النظام في اذهانهم، اي بعبارة اخرى نستطيع القول انه هناك تناقض بين تطلعات وهموم الجماهير العراقية التي تعيش تحت خط الفقر وممارسات الاحزاب السياسية القابضة على السلطة التي هي عاجزه ان تقدم ما يلبي تلك التطلعات المستقبلية للطبقات الفقيرة والكادحة من المجتمع العراقي الذي ولدته المرحلة الصدامية بعملية قيصرية ان صح التعبير، وهكذا تتوسع هوة التناقض والخلاف بين الطرفين المذكورين يوما بعد يوم، بحيث بدأت بوادر المطالبات القوية والملحة من داخل صفوف هذه الاحزاب لاجراء الاصلاح والتغيير في هيكلية وبنى واساليب عمل ونهج هذه الاحزاب واخذت تتوسع وتشتد واصبحت تهدد بقاءها على ماهي عليه الان ان لم تطلها يد الاصلاح والتغيير الجذري لتصبح قادرة ومؤهلة للعمل بين الجماهير وتستجيب لمطاليبها المشروعة. لذلك شاهدت الساحة السياسية العراقية ومنذ سقوط النظام السابق، حركات الانشقاق والتمزق والتفكك طالت معظم الاحزاب السياسية المتسيدة في هياكلها وبناها التحتية والفوقية وظهرت احزاب وتيارات سياسية جديدة لها خطاب سياسي مستقل مختلف عن ذلك الخطاب التقليدي الذي نشأت وتربت عليه، وأتخذ خطاب هذه الاحزاب والتيارات الجديدة طابعا وطنيا وديمقراطيا وحتى علمانيا الى حد مابعد ان كان طابع الخطاب السياسي لها قوميا عنصريا او طابعا دينيا مذهبيا طائفيا متعصبا. وارتفعت الدعوات والاصوات في الشارع العراقي الى مطالبة بفصل الدين عن السياسة حماية لنقاء وسمعة الدين من اي تشويه واساءة من جهة، وان تكون الدولة مجرد مؤسسة خدمات توفر الحماية للوطن والشعب من اي عدوان خارجي وتقدم الخدمات المختلفة للمجتمع من جهة اخرى. وكذلك ارتفعت الاصوات المنادية بضرورة تشكيل الهوية الوطنية العراقية وترسيخها بدلا من تكريس الهويات الخصوصية الاخرى. وكذلك دعت هذه الاصوات ان تكون الدولة العراقية الجديدة دولة المواطنة ودولة القانون والمؤسسات الدستورية وليست دولة الاشخاص والجماعات والاحزاب او دولة الخصوصيات القومية والدينية والمذهبية الطائفية. وكذلك ارتفعت الاصوات والدعوات من داخل وخارج هذه الاحزاب الى مساواة المرأة بالرجل في الحياة. وكذلك ارتفعت الاصوات والدعوات الى تأسيس حياة وثقافة الشراكة الوطنية في الوطن الواحد يتساوى الجميع من ابناء مكونات الشعب العراقي في الحقوق والواجبات ويكون الحاكم الفصل في ذلك القانون والدستور على اساس المواطنة وليس على اي اساس آخر.
وهناك الشيء الكثير في الحياة العراقية من مثل هذه المؤشرات التي تدل على ضرورة اجراء الاصلاح والتغيير في برامج وافكار وايديولوجيات واهداف واساليب العمل والبنى التركيبية لاحزاب المؤسسة السياسية العراقية بهذا الاتجاه وتحريرها من تراكمات الماضي الذي تغير وتحول الى حاضر الذي هو عليه الان، لذا فان هذه الاحزاب عليها ان تتغير لتعيش في هذا الحاضر الجديد وتتحرر من قمقم الماضي المتخلف، والا فأن مصيرها بشكلها وتكوينها الحالي سيكون التفكك والزوال وسوف تتحول الى مجرد مقاهي اللهو يتجمع فيها المسنون من ابناء تلك الاحزاب يستذكرون فيها ذكريات الماضي التي ذهبت ولن تعود. ان المثقفين من الكوادر الحزبية لهذه الاحزاب ذوي النزعات الحرة بامكانهم اذا نظروا بعين حيادية فاحصة الى مايجري داخل احزابهم من تفكك وتناقض وصراع الافكار والرؤى سيجدون ان المستقبل الذي ستؤول اليه احزابهم لايبشر بالخير وانما ينذر بما لا تحمد عقباه ومن هنا سيجدون انفسهم امام مسؤولية تاريخية تجاه شعبهم وملزمون للقيام بعمل ما لانقاذ ما يمكن انقاذه وحفظا لماء الوجه وأن الاصلاح والتغيير قادمان لامحال وليس امامهم من خيار او بديل افضل. ان نظره فاحصة على واقع الشعارات والعناوين المطروحة والمرفوعة على الساحة السياسية العراقية عشية الانتخابات البرلمانية من خلال الحملة الاعلامية للانتخابات ومقارنتها بما كانت عليه في الانتخابات البرلمانية السابقة سنجد بوضوح ان هناك فروقات كمية ونوعية في البرامج والافكار والطروحات السياسية والخطاب السياسي للقوى والكتل السياسية قد حصلت، والفرز في الاتجاهات العامة لسياسات هذه القوى هو الاخر واضح، ومؤشرات افاق التطورات في المستقبل هي الاخرى واضحة وجلية، كل ذلك حصل بفعل استيعاب المثقفين من قيادات والكوادر المتقدمة للكتل والاحزاب السياسية للعناصر الفاعلة والمؤثرة في معادلة التناقض بين تطلعات الجماهير وطموحاتها في مستقبل افضل من جهة وبين افكار واساليب احزابها التي اصبحت باليه ومتخلفة وعاجزة عن مواكبة مستجدات الحياة الجديدة وضرورة التفاعل معها بشكل ايجابي وعقلاني من اجل تلبية متطلبات الحياة التي زادت سوءاً بعد سقوط النظام الديكتاتوري من جهة ثانية.
كل هذه المؤشرات والاسباب والتطورات التاريخية في حياة العراق السياسية تضع الاحزاب السياسية اذا ارادت لنفسها البقاء والاستمرار ان تجري اصلاحات وتغيرات جذرية في افكارها ومنطلقاتها الفكرية والنظرية وايديولوجياتها وهياكلها التنظيمية بالشكل الذي يقربها اكثر من عمق الجماهير وتطلعاتها، وان تجعل من قياداتها ان تكون فعلا قيادات جماعية وجماهيرية اكثر من ان تكون قيادات فردية استبدادية دكتاتورية تؤمن بنظرية تأليه وتقديس الفرد وان تخضع وتضع كل مقدرات وامكانيات الحزب ومصادرة ارادته وقراره السياسي في اتجاه تحقيق وتكريس هذا النهج في حياة الحزب، اي اختزال كيان الحزب في شخص الفرد القيادي مهما كان موقع الفرد في القيادة.
كما هو عليه الحال في الاحزاب الشمولية الحالية وهي على هذا الحال تكون موضع احترام وترحيب الجماهير الشعبية وتثق بها وتختارها عن قناعة وايمان راسخين قادة ورواد لقيادة نضالهم السياسي من اجل انجاز وبناء مجتمع العدل والمساواة وتكافؤ الفرص والرخاء الاجتماعي والرفاه الاقتصادي. عندها فقط تتحول الاحزاب الى ادوات فعالة للاصلاح والتغيير الاجتماعي لبناء دولة المواطنة الديمقراطية الحديثة وبالتالي بناء المجتمع الديمقراطي المنشود في العراق.