صيد الأوهام وصراع الأرقام
حميد الحريزيان حكيما أراد أن يختبر ذكاء أبناء مدينته، فوقف فوق جسر المدينةالذي يربط بين شطري المدينة على ضفتي النهر، وشكل حلقة صغيرة من لفسبابته ليلتقي بإبهامه رافعا إياه في الهواء وحينما مر به احدهم سألهعما يفعل فأجابه:-إني اصطاد الطيور!! فسأله ولكن كيف تصطاد؟؟ قال:- سيأتي الطير الطائر مارا عبر حلقة كفي هذه فأطبق على رقبته واصطاده!!!!! فانشرح صدر هذا المواطن لأنه يريد أن يشتري طيرا حرا، فأمره الصيادبالجلوس وينتظر لحين اصطياده للطائر وإعطاءه إياه مجانا، ثم أتى الثانيوالثالث والرابع ...الخ فتشكل بالقرب من الصياد طابورا ينتظر صيد هذاالصياد الماهر ليحصلوا على طيورهم؟؟!!! حتى جاء الدور لأحد أصحاب الفطنة مستغربا وغير مصدقا إمكانية الصيد بهذهالطريقة فأي طائر هذا الذي يضيق به فضاء المدينة على سعته ليمر من خلالحلقة يدك الضيق، متهما الصياد بالخبل والجنون!!!! فرد عليه الصياد قائلا:- إذا كنت ترى إني مخبولا فما قولك بهذا الحشد الجالس الذي ينتظر صيدي؟؟!! إن حلقة صياد الوهم إنما تمثل الآليات الانتخابية المقرة في قانونالانتخابات في 7-3-2010 وصياد الوهم هذا يمثل أطراف القوى السياسيةاليسارية والعلمانية والديمقراطية الوطنية أفرادا وأحزابا المشتركة فيالانتخابات الحالية مؤملة جمهورها المغفل والمصدق لأقوالها بأنه سيتمكنمن اصطياد كراسي البرلمان بمثل هذه الإلية التي وضعت قانونا انتخابيامفصل ضمن مقاسها العرقي والطائفي لا يمكن أن يكون وجود القوى اليساريةوالعلمانية الوطنية الديمقراطية إلا ديكورا لذر الرماد في عيون المواطنالعراقي المتعطش للحرية والعدالة والديمقراطية وليلبس هذه الممارسة لبوسالشرعية الديمقراطية .!!! فما هي صدقية الممارسة الديمقراطية في بلد لم يزل يفتقر إلى صياغة دستوردائم فالمادة الأخيرة من الدستور أفقدته شرعيته ومتانته وأوجبت إعادةصياغة مواده. وبالتالي جر هذا الأمر إلى عدم إصدار قانونا للأحزاب السياسية واظهرالتنافس كصراع بين كتل من الطوائف والأعراق المسيسة وليس قوى اجتماعيةمتنافسة لتحقيق مصالحها وأهدافها وفق مبدا الوطنية والمواطنة. عدم اعتماد على إحصاء سكاني دقيق وشامل لكل العراقيين في الداخل والخارجحيث اعتمدت البطاقة التموينية كقياس لعدد الناخبين اعتمادا على أفواههمومعدهم وليس على ذواتهم وانتماءاتهم الوطنية والطبقية ومن اخطر هذهالآليات اعتماد مبدأ الكوتا النسائية وللاثنيات الدينية والقومية فيالبلاد مما كرس وشرعن لتأبيد الشرذمة الطائفية والعرقية (أكراد، عرب،شبك، كلدو اشوريويون، صابئة، ازيديه مسيح، سنه، شيعه...الخ) وقد تم تكريسهذا المبدأ المشرذم بجعل العراق عدة مناطق انتخابية بدلا من إن يكونمنطقة انتخابية واحدة كدلالة على إن النائب يمثل كل العراقيين وليسمنطقة أو فئة و طائفة أو عرق أو دين بعينه. هذا ناهيك عن الكوتا النسائية التي فقدت ضرورتها نتيجة المشاركة الكثيفةللنساء في الترشيح والانتخاب. إننا في الوقت الذي نقف بقوة إلى جانب مبدأ الانتخاب والوصول للسلطة عبرصناديق الانتخاب كأفضل الخيارات الديمقراطية نحو بناء الدولة المدنيةالديمقراطية، نرى إن مثل هذه الآليات والقوانين الانتخابية تحولالممارسة ((الديمقراطية)) إلى بيعة أثنية عرقية فينتج عنها مزيدا منالعقبات المعيقة للديمقراطية الحقيقية والوحدة الوطنية وتعطيل دولةالمؤسسات الحديثة. نرى إن قوى الاحتلال والاستغلال وكل القوى الدولية الطامعة في ثرواتالعراق تسعى إلى تأبيد هذه الحالة رغم إن العديد من القوى تزيت بزيالوطنية والديمقراطية بعد إن عجزت عن ترقيع أرديتها الطائفية والعرقيةلتخفي عيوبها عن أنظار العراقيين اللذين ظهر نفورهم من المحاصةالطائفي والعرقية جليا واضحا، فهذا الإعلام الأمريكي والغربي عموما وبعضمن الإعلام العربي يحاول إن يوزع ولاءات القوى الفائزة حسب ما يتمنىفقائمة العراقية بزعامة علاوي قائمة بعثية سنية وقائمة دولة القانونبزعامة نوري المالكي قائمة شيعية، بالإضافة للقائمة الكردية ، وجرالأعراق والطوائف التي تنبذ التعصب والتقوقع والتمترس خلف الطائفةوالعرق عبر الكوتا الجديدة التي منت بها القوى والأحزاب الطائفيةوالعرقية على هذه الأقليات القومية والدينية، كل هذا لإخفاء وإقصاء كلوعي طبقي ووطني موحد للأبناء الوطن ومحفزهم للتضامن والتكاتف عبرمصالحهم وصفاتهم المهنية والطبقية وليس عبر التكتل والتعصب الطائفيوالعرقي والعشائري. بعد كل هذا الوصف هل يمكن إن يطمح المواطن العراقي ذو الإصبع البنفسجيإن تحقق له مثل هذه القوى الفائزة ضمنمن يرتجيبيعات آماله وأمانيه فيالسيادة الوطنية والأمن والخدمات والحرية والعمل ؟؟ وهل يمكن إن تصطاد حلقة صياد الوهم غير الهواء الملوث بدخان الحرائقورائحة الفساد والكساد لتقدمه إلى طوابير من يرتجي طيره الموعود، وقدفات بعض هذه القوى العبرة من القول الشعبي المشهور:- ((ما ارجه بالصفصاف يطلع ثمر بيه)) أنها شجرة بطبيعتها غير مثمرةلاستعطي سوى هراوات القمع ووقودا لنيران الحرائق وهذا هو جوهرأل((قطوازية)) المهيمنة على سدة الحكم في العراق، وها هي النتائج المعلنةللانتخابات تدل دلالة واضحة إلى هزيمة شبه تامة للقوى الوطنيةالديمقراطية واليسارية، وبقاء نفس الوجوه للدورة السابقة تتصارع من اجلإطالة عمر استئثارها بالسلطة والمال واستمرار أزمة إل((قطوازية)) بحكماستفحال أزمة مرضعتها وراعيتها الطبقة الرأسمالية المسلحة في عصر العولمة، فسيعلو صراخها وتنابذها وتراشقها بالخارق والحارق حسب تعبير أياد جمالالدين خلال هذه الفترة لتلجا بعد ذلك إلى التوافقية والمحاصصة مرسلةبذلك رسالة إلى المواطن العراقي أن لا حل أمام العراق إلا المحاصصةالطائفية والعرقية و الديمقراطية التوافقية لتكون أمرا واقعا مفروضاعلى أبناء الشعب العراقي لتقتسم من جديد المناصب والمكاسب ضمن المحاصصةالطائفية والعرقية والعشائرية محرقة كل وعودها وشعاراتها في طبخ ولائم تقسيم الغنائم!!!!.