الهوية والانتماء الوطني والانتخابات
[/size]
د. جميل جمعة
نحن نعيش الغربة بكل مساوئها مع بعض الاختلاف بين شخص وآخر وبين عائلة وأخرى, وفي النهاية نحن جميعا غرباء مع وقف التنفيذ ومعرضين لكثير من المفاجئات والمفارقات وحتى الصدمات التي لانتوقعها ولا هي في الحسبان فهناك آلاف من العراقيين منهم من حصلوا على قرارات رفض طلب اللجوء وآخرون على قرار الرفض والطرد قسرا بينهم نساء وأطفال ومسنين ومرضى مقيمين في الخفاء بسبب ملاحقة شرطة هذه الدول لهم وهذا محرم دوليا كونهم اجبروا على ترك بلدهم. جميعنا يعلم وليس خافيا على أحد ما جرى ويجري في عراقنا وبلدنا بلد الحضارات وبلد الآباء والأجداد ومنذ عقود وخاصة فترة الدكتاتورية والإبادة الجماعية قتل وإعدام لكل معارض للحكم البعثي الصدامي حتى طال صفوف البعثيين انفسهم إضافة إلى الحروب التي أدخلنا بها مع دول الجوار وكل تلك السياسات التي جاءت بنتائج وخيمة بل ومدمرة على المستويين الوطني والشعبي وها هو الشعب العراقي يدفع الان الثمن غاليا بل أغلى مما يتوقعه المرء وليس بالإمكان وصفها أنسانيا ولا شرعا أو قانونا ومنها فقدان الوالدين لأولادهم والتفكك العائلي وتشرد وهجرة مئات ألآلاف بل الملايين إلى جميع بلدان المعمورة, وبعد سقوط النظام المقبور تنفس الشعب العراقي الصعداء وكله أمل ويقين بأن المحتل ألأمريكي ومن جاءوا به تحت شعار الديمقراطية سوف يحقق لهم أهدافهم في الحرية والعيش الكريم ولكن ماحدث كله جاء معكوسا. هنا يسأل المرء هل هناك من ديمقراطية مستوردة وبقوة الاحتلال تبني بلدا وتمنح شعبه الديمقراطية الكاملة وتعطيه حق اختيار نمط حياته والإدلاء برأيه حول المجريات التي تدور من حوله من خصوصيات؟ لا وألف كلا حيث أثبتت التجارب وحوادث التاريخ شاهد على ذلك وهنا نستذكر بقول الثائر الوطني نيلسون مانديلا:" ليس هناك ديمقراطية تعطى بالأقساط ,أما أن تعطى الديمقراطية كاملة أو تأتي ناقصة". أما الديمقراطية التي جاءت بها أمريكا إلى العراق لم تفسد أو تزيف أثناء نقلها على متن الدبابات أو من حملوها من أشخاص باعوا وطنهم للمحتل فحسب بل كانت مزيفة وفاسدة من مصدرها كما يقول المثل :" من البيضة فاسدة ", والدليل على ذلك هو ما آلت إليه ألأوضاع في العراق من انعدام الأمن والاستقرار وسببَ ذلك زيادة في الهجرة والمهجرين وسوء الحالة الاقتصادية وانتشار البطالة وظهور الميليشيات والجماعات المسلحة التي مارست القتل بكل أنواعه وحتى على الهوية وتقول الإحصائيات الحكومية الرسمية بأن عدد القتلى في العراق في الفترة ما بين عامي 2006 و2007 كان بمعدل يزيد على 50 ضحية في اليوم الواحد وكان النصيب الأكبر من بين الضحايا النساء والأطفال كونهم الفئة الأضعف والأكثر تضررا في المجتمع وحصيلة ذلك فقد وصل عدد الأرامل في العراق إلى أكثر من مليون امرأة ومليونين يتيم ناهيك عن ذلك فقد سببَ عدم توفر الأمن والاستقرار إلى تفاقم عدد الذين تركوا مدارسهم خوفا على حياتهم أو بسبب ضعف الإمكانية المادية مما أدى إلى انتشار الأمية ووصل إلى حد 70% عام 2008 .
بناءً على ما جاء أعلاه, هنا يطرح السؤال نفسه ما هو دور المواطن العراقي في الداخل والخارج من أجل تحقيق ألأهداف التي من أجلها قدم الشعب العراقي الضحايا على منبر الحرية وطريق النضال الطويل ضد الظلم والاستبداد بجميع أنواعه وذرائعه ومن أجل الحرية وحق التعبير والعيش الكريم ؟ فعلينا جميعا بأن نقف صفا واحدا إلى جانب شعبنا الجريح والعمل من أجل ترسيخ الديمقراطية وإخراجها من المفهوم المشوه والناقص التي تدعيه أمريكا وأعوانها, فكانت الانتخابات البرلمانية العراقية 2010 فرصة لاتضيع وكان من الواجب أن لا تفوت مهما كانت الأسباب والأعذار كونها عملية ديمقراطية وحق شرعي لكل مواطن عراقي عليه ممارستها وخاصة جاءت على أساس القائمة المفتوحة ولسبب واضح جدا أن المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني والدساتير تضمن وتدعم هذا الحق والسبب الآخر هو أن كل صوت يحسب له حساب ويمكن أن يكون الفاصل بين كفتي الخير والشر. هل المشاركة في الانتخابات هو واجب وطني لكل عراقي في الداخل والخارج كونه يحمل الهوية الوطنية والانتماء للوطن العراق وشعبه خاصة في مثل هذه الظروف الصعبة التي يمر بها شعبنا ووطننا من الانقسامات والتناحر الطائفي والفساد المالي والإداري وعدم توفر ابسط الخدمات اليومية والتي كان ولازال السبب الأول والأخير في هذه المعاناة هو وجود المحتل وأجندته للعمل في تقسيم العراق وطنا وشعبا .
يقول البعض لا فائدة من المشاركة لعدم إمكانية التغيير أو أن صوتهم لن يؤثر, والعكس صحيح, فعدم المشاركة وإعطاء الأصوات للأشخاص الذين تتبنى قوائمهم برنامجا وطنيا وتقدميا فهو بحد ذاته دعما للقوى والقوائم التي تعمل من أجل إبقاء الحال على ما هو عليه وإضاعة الفرصة لأربع سنوات قادمة التي كان من المحتمل أن لم يكن مؤكدا أن تؤدي إلى التغيير أو التأثير على هيكلة التشكيلات السياسية المقبلة. نحن جميعنا يعرف بأننا لا نتوقع حدوث المستحيل وأي تغيير قد يكون نسبيا ولا يمكن أن يحدث بشكل دراماتيكي في الوقت الحاضر وعليه أن يكون الناخب في الساحة وليس خارجها, والبعض الآخر من إخواننا في الخارج يقول لماذا أنتخب وأنا مقيم ومستقر بعيدا عن الوطن والمجريات متناسيا لأهله وأبناء شعبه ووطنه فإذا أين هي الهوية والانتماء الوطني. يجب علينا وقبل كل شئ أن نعرف بأن المشاركة في الانتخابات ضرورية وواجب وطني وخاصة في الوقت الراهن فهناك ما يسمى بالديمقراطية التوافقية والجميع يطمح من أجل تحقيق ديمقراطية صحيحة وسليمة وليس ديمقراطية عرجاء كما هو الحال في بلدنا المنكوب ولتحقيق ذلك كان يتوجب على كل العراقيين في الداخل والخارج وبدون استثناء المشاركة والمشاركة الفعالة لان في غياب ذلك يعني هدرا للاصوات وأعطاءها لمن لا نرغب فيه شئنا أم أبينا وقد تكون عاملا حاسما في الموازنة السياسية لا كما جاءت النتائج بان عدد الذين شاركوا وأدلوا بأصواتهم في الخارج كانت مشاركة شحيحة ومخجلة لم تصل للمستوى المقبول لتؤدي الدور الحقيقي في التغيير قياسا لعدد العراقيين في الخارج فقد كان عدد الناخبين الذين حضروا مراكز التصويت 273 ألف من مجموع 2 مليون أو أكثر. أن المشاركة تعني حب الوطن العراق والانتماء المطلق له وعكس ذلك هو التستر والسكوت لما يجري لشعبنا الجريح ودعم لمشيعي الفتن ومحاباة الطائفية وفي نفس الوقت هو إهمال للواجب الوطني في تقديم الدعم والعون ومساعدة شعبنا من أجل إحلال الديمقراطية والحرية ومن أجل الأمن والاستقرار والعيش المريح.