سـعدي المالـح ، لا فـضّ فـوك
ــــــــــــــــــ
جميــل روفـائيـــل
ـــــــــــــــ
بدايـة ، عبـارة " لا فـض ( ضـم الـفـاء وفتح الضاد المشـددة ) فـوك " لغـويا ، هـي دعـاء يقـال فقـط " لـمـن أجـاد فـي الكـلام " وتعـني فـي استخدامها ( فتـح مـا هـو مختـوم ، إزالـة النـزاع والقضـاء على أسـبابه وحسـمه وإيجـاد حـل لـه ) ، وبالمناسـبة أتذكـر أننـي سـمعت هـذه العبـارة للمـرة الأولـى حيـن كنت في الصف الثـاني فـي متوسـطة المثـنى بالموصـل عـندمـا كتبـها مدرس اللغـة العربيـة ( عمـر الطالـب ، بعـد ذلـك بسـنوات أصـبح الدكتـور عـمر الطالب ) في دفتـر الإنشـاء الخـاص بـي نتيجـة إعجابـه بأسـلوبـي في الكتابـة ، فسـألته عـن معـناها ، فأوضحـه وقـال : إنـها تـقـال فـي حـالات خاصـة جـدا وأنـت الطالب الوحيـد الـذي أكتـبها لـه في هـذه المدرسـة حتـى الآن . .
واخترت هـذه العـبارة للروائـي والصحافـي الدكتـور سـعدي المالـح ، أسـتاذ ( الأدب المقـارن التـطبيقي ) فـي كليـة اللغـات بجامعـة صـلاح الديـن فـي أربيـل . . الـذي أجـاد وأحسـن وأتـقـن وبـرع وأبـدع وأكـد طـول باعه وتضلعـه بكل ما قالـه على مـدى نحـو 45 دقيقـة بعـد ظهـر الإثنيـن 15 / 5 فـي برنامـج ( حـوار ) على الهـواء مباشـرة لفضائيـة زاكـروس ( التـآخي ) في أربيـل ، حيـث تحـدث عـن تجربتـه الأدبيـة ونشـاطاته الثـقافية في الوطـن والمهجـر وخصوصيـات مـادة ( الأدب المقـارن التطبيقـي ) التـي يقـوم بتدريسـها في جامعـة صلاح الديـن منـذ أشـهر عـدة ، والتـي تخـص تدريـس آداب بلديـن مـن خـلال المقابلـة والموازنـة بينهمـا وربط الواحـدة بالأخـرى ، لاستخلاص أوجـه الشـبه والتأثيـرات المتبادلـة .
ولأن حديـث الدكتـور سـعدي طويـل وكلـه مهـم ومفيـد ومثمـر وتـقييم واقعـي لكـل ما تطـرق إليـه حـوار البرنامـج . . ولكـن مـن الصعـب استنساخه بكاملـه ، فإنـني سـأتـناول فيمـا يلـي هـذا النمـوذج الـذي يمثـل سـبيلا لمـا يمكـن أن يحتـذى بـه عنـد تنـاول قضايـا شـعبنا ( الكلدانـي الآشـوري السريانـي ) . .
يقـول الدكتـور سـعدي ( وقـد حافظـت على نـص أقـواله باعتبارها حديثـا عاديـا ليـس المطلـوب منـه البلاغـة اللغـوية والـتزام قواعدهـا ونحوهـا ) ونعــم ما يقــول :
مقطع من حديث الدكتور سـعدي
ــــــــــــــ
. . هنـاك الكثيـر مـن الزمـلاء ، سـواء مـن الكـرد أو الكلـدان الآشـوريين السـريان الـذين يكتـبون في هـذا المجـال ( العلاقـة بيـن الشـعبين ) وأعتـقد أن لهـم باعـا طويـلا في مجـال مـدّ جسـور العلاقـة بيـن الشـعبين الكـردي والكلـداني السـرياني الآشـوري ، وهنـاك أيضـا ما قدمـه الشـعبان مـن تضحيـات كبيـرة مـع بعضهمـا سـواء فـي النضـال العسـكري فـي الجبـال أو فـي النضـال السـياسي السـلمي ، وهنـاك كثيـر مـن النقـاط المشـتركة بيـن الشـعبين ، وأتمنـى أن يكـون هنـاك تـفاهـم متبـادل بيـن هـذين الشـعبين وأن يحافـظ كـل منـهما على حقوقـه المشـروعة في هـذا البلـد. أمـا بالنسـبة لـي فأنـا أسـاهم في مـدّ جسـور هـذه العلاقـة مـن خـلال كتاباتـي ، وفي روايتـي الأخيـرة ( في انتظار فرج اللـه القهـار ) التـي سـتصدر بعـد أسـبوع عـن دار الفارابـي في لبنـان ـ بيـروت ، هنـاك فصـل عـن الأنفـال بحـق الشـعب الكـردي، هـذه المجـزرة الكبيـرة. وتضم كذلك إشـارات أخـرى عن الأكراد ، وهنـاك أيضـا فصـل يتحدث عن ما تعـرض لـه أبنـاء الكلـدوآشـوريين السـريان في سـميل ، وأيضـا فصـول أخـرى عمّـا تعـرض لـه الأخـوة الشـيعة في الجنـوب وبقيـة فئـات الشـعب العـراقي . .
أنـا أهتـم مـن زمـان ، منذ أن كنـت في موسـكو ومنـذ أن كنـت في العـراق أيضـا ، أهتـم بهـذا المجـال ( تاريخ الكلدان السريان الآشوريين وثـقافتهم ) وسـبق أن ترجمـت القصائـد الشـعبية مـن السـريانية إلى العربيـة ، وكتـبت مواضـيع عن الثـقافة السـريانية في جريـدة طريـق الشـعب في وقتـها وفي الفكـر الجديـد . . لكـن زادت اهتماماتي في هـذا المجـال بعـد سـفري إلى الإتحـاد السـوفيتي ودراسـة معمقـة لتاريـخ هـذا الشـعب وثـقافته ، فكتـبت بعـض الكراريـس عـن التاريـخ وكتبـت بعـض الدراسـات عـن تاريـخ عنكـاوا وعـن اللغـة السـريانية وعـن بعـض الأمـور الثـقافية الأخـرى ، وأصـدرت في كنـدا مجلـة فصليـة ثـقافية حضاريـة كـان عنوانـها ( عشـتار ) كانـت تصـدر ب 200 صفحـة على شـكل كتـاب موسـع وكانـت تضـم الكثـير من الدراسـات والمواضيـع في هـذا المجـال ، وأهتـم أيضـا بالجانـب السـياسي وأدعـو إلى الوحـدة بيـن مكونـات هـذا الشـعب الكـلدان السـريان الآشـوريين وأعتـبرهم شـعبا واحـدا وأتمـنى أن يتـوصلوا إلـى تسـمية موحـدة .
الإنحيـاز الى شـعبنا فقط
ــــــــــــــ
عنـد الإمعـان في هـذا " النمـوذج " يظهـر بوضـوح ، أن الدكتـور سـعدي المالـح ، ليـس منحـازا الى جانـب أحـد باسـتثـناء شـعبنا ، شـعبنا ( الكلـداني السـرياني الآشـوري ) ووحـدته وتسـميته الموحـدة وثـقافته والدفـاع عن قضايـاه ورسـوخه وضمـان مسـتـقبله الشـامخ وبقائـه الدائـم الـذي هـو جديـر بـه انطلاقا مـن تاريخـه العريـق ومآثـره الإنسـانية وثـقافته المشـعة بأنوارهـا عبـر العصـور وتـقاليده الاجتماعية المتميـزة وسـعيه الدائـم إلـى عـلاقات وثيقـة مـع الشـعوب الأخـرى التي يتجـاور معـها .
وبوضـوح ، كمـا يرى وحـدويو شـعبنا وأنـا أحدهـم ، ان السـبيل القـويم الأمثـل لشـعبنا ، هـو في سـلوك الإطـار الـذي يصـون مصلحتـه ، بعيـدا عـن كـل ما يمـت بصلـة الى التـفرق والتـشتت والتبعثـر والانقسام والتشـرذم . . مـن أوبئـة الطائفيـة والحزبيـة والمناطقيـة والعشـائرية ونزعـات الهيمنـة والاستحواذ على القـرارات ، ومـا تسـفر عنـه مواقفـها المتـزمتة ومصالحـها الذاتيـة وتأثـيراتها في بعـض المجـالات العامـة مـن معـاناة ومكابـدة ومشـقة وتـعب وإرهـاق وأضـرار ، وإن كانـت في غالبيـتها وقتـية زائلـة ضجـتها كضجـة قـرع الطبـول الجوفـاء الـتي تذهـب أدراج الريـاح ، لأنـها كالزبـد الـذي سـرعان ما تـزول رغـوته وتعـود الأحـوال الى نصابـها .
نعـم ، وفي هـذا السـياق الـذي يصـون شـعبنا ومسـتـقبله ، التزم الدكتور سـعدي المالـح سـبيله بإصـرار وثبـات ، وعـبّر عـن آرائـه بموقـف واضـح وصـريح لـم يشـذّ عنـه منـذ بـدأ يلـج دروب الحيـاة والثـقافة والأدب ويقـف وفيـا مـع معانـاة الشـعب الـذي ينتـمي إليـه .
وبقـي أميـنا على نهجـه الصـائب الـذي لا يلـين مـع مغـريات جـاه أو منصـب هـو أرفـع منـه وأسـمى بكثيـر مـن كرسـيّه ، ومـن دون أن تثـنيه عـن عزمـه طعـنة مـن هنـا ولومـة مـن هنـاك . . لأنـه بسـلوكه وإمكاناتـه وثـقافته وقلمـه ، هـو أسـمى منـزلة وأرفـع شـأنا مـن الـذي يحـاول النيـل منـه . . وهـذا ما أدركتـه منـذ تعـرفت على سـعدي المالـح عـن قـرب وتحدثـت معـه ووقـفت على ما يكتـنزه مـن كـل نقـي ونفيـس وصالـح ومفيـد .
بدايـة التعـارف
ـــــــــ
كانـت بدايـة لقائـي بسـعدي المالـح في أوائـل سـبعينيات القـرن الماضـي ، وبحسـب ما أتذكـر فـإن ذلـك كـان في ( النـادي الثـقافي الآثـوري ) وأن الـذي عرفـني عليـه هـو الأخ والصـديق بولص شـليطا ، وجلسـنا في ركـن مـن حديقـة النـادي وأتسـعت حلقـتنا لأكثـر مـن عشـرة أشـخاص ، وكالعـادة تشـعبت أحاديثـنا بيـن اهتماماتنا بقضايـا أمتـنا وأمـور الثـقافة والأدب والنشـر . . وسـرعان ما توطـدت العلاقـة بيـننا ، فقـد كنـت أطلعـت على كتابـات لـه في الصحـف والمجـلات ، وكـان هـو يعرفنـي مـن خـلال عملـي الصحافي في جريدتـي ( التـآخي ) و ( الثـورة ) وكنـت في حينـه طالبـا في الجامعـة المسـتنصرية حيث تخرجت العـام 1973 ، وأهـداني الأخ سـعدي مجموعتـه القصصيـة الأولـى ( الظل الآخـر لإنسـان آخـر ) وكانـت في كـراس مـن القطـع الصغيـر لا يتجـاوز المـائة ورقة ، وقرأتـها في الليلـة نفسـها بعـد عودتـي إلى غرفتـي المؤجـرة في ( كمـب الأرمـن ) حيـث كـان قـد أجـّر غرفـة أيضـا على مقربـة منـي الصديـق بولـص شـليطا ، فكنـّا غالـب الأوقـات نذهـب الى النـادي معـا ونعـود سـوية .
وتكـررت لقاءاتـي مع سـعدي ، بقـدر ما كـان يسـمح وجـوده في بغـداد ، وتوطـدت الصداقـة بيـننا باتجاه الأخـوة والثـقة وانسـجام الآراء والمواقـف ، فقـد بـدا واضحـا لـي منـذ اللقـاء الأول بيـننا ، ثـقله الشـخصي والثـقافي ، فهـو هـادئ متـزن يتبـادل الـرأي باحتـرام ويبـدي موقـفه بموضوعيـة متـناهية ، وهـو يأبـى التـنازل عـن معتـقداته مـادام واثـقا مـن صحتـها وموضوعيـتها . .
وكانـت هـذه اللقـاءات تـتم عـادة في ( النـادي الثـقافي الاثـوري ) حيث كانـت أجـواؤه المفضلـة لـدى المثـقـفين مـن شـعبنا وأصدقائـهم ، وكانـت مجموعـتنا الأبـرز في النـادي وتتسـم بطابعـها اليسـاري مـن الشـيوعيين وأصدقائهـم والمتـعاطفين معهـم ، الـذين تهـمهم قضايـا شـعبـنا ( الكلـداني السـرياني الآشـوري ) التراثيـة وحقوقـه . . وكنـت ألتـقي الأخ سـعدي في هـذه الأجـواء الخاليـة مـن الصراعـات والهيمنـة بيـن وقـت وآخـر . . وحتـى مغـادرته إلـى الإتحـاد السـوفيتي .
واليـوم أضـاف سـعدي المالـح مأثـرة أخـرى إلـى مفاخـره النبيـلة برجوعـه إلى ديـار آبائـه وأجـداده كريمـا شـامخا ، ينبغـي أن نقـتدي بهـا ، وآمـل أن أكـون شـخصيا أحـد الـذين يقـتدون بـه قريبـا .
[/b]