شخبطة على جدران السياسة العراقية

المحرر موضوع: شخبطة على جدران السياسة العراقية  (زيارة 651 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل د. دنحا طوبيا كوركيس

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 145
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
شخبطة على جدران السياسة العراقية
 
الاستاذ الدكتور دنحا طوبيا كوركيس
جامعة جدارا/ الأردن


ما من سياسي عراقي خاض الانتخابات البرلمانية الاخيرة إلا وكان هاجسه البحث عن موقع "أنا" من الإعراب قبل أن يغمض له جفن وهو يخلد إلى النوم، إن استطاع النوم فعلا بمعية احلام برلمانية. لا أستثني احدا من تقديم "الأنا" على "أنتم" وهو مستلق على فراشه. تخونه الشجاعة في أن يفصح للعلن حقيقة حلمه على حساب احلام "انتم" المؤجلة. ما اسهل عليه أن يقرّ بأنه كان يحلم نيابة عن احلام المساكين، وإنه كان ملاكا حارسا لأحلامهم الوردية كي لا تنقلب إلى كوابيس، بل وفوّض نفسه (او بالاحرى فوّضوه) لأن يكون فارسا لأحلام يقظتهم. من فوق الانقاض والنفايات يعلن بأنه سينقضّ على القوارض والفئران بمبيدات محلية (بالدينار) أو مستوردة (بالدولار). فمن على منابر المساجد يتوعد صاحبنا (المؤمن جدا !) الشيطان الأكبر بصرخاته المدوية ليكسب عواطف طائفته وبالتالي أصوات المئات ممن فطروا على ترديد "الله اكبر"...إلخ. أما نسائهم، فحدث ولا حرج: هن صاغرات. لا خروج على طاعة الرجل، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وتتوالد الاصوات كما تتوالد ارحام الارانب. ولا يختلف صاحبنا (من أهل البيت!) عن نظيره العلماني كثيرا، فهو الشهم الذي سيمحو الأمية بنهج ليبرالي يدعو إلى التعبير عن الديمقراطية بملأ ما تبقى من مساحة على الحيطان بشعارات يخال للزائر الاجنبي بأن العراق الذي اختزل الشعارات بـ "أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة" لعقود خلت أصبح بلادا عامرة بالفن التشكيلي الذي تزخر به جدرانه دون أن يسأل عن اللون الاسود الذي عاد إلينا مجددا وبات اكثر اسودادا بعد أن كان عنوانا لكل بيت عراقي بغض النظرعن المذهب أو القومية.

 توجه الناخب الغلبان إلى صناديق الاقتراع وفي ظنه أن الوعود الوردية أو البنفسجية التي قطعها صاحبنا هذا أو ذاك من شأنها إبادة القوارض في مراكز التشريع والتنفيذ، ولكن لم يخطر بباله إن العراق الذي يتحكم به أكثر من ثلاثمائة حزب، وهي ظاهرة فريدة في التاريخ الانساني، سيبقى خالدا في اللعبة السياسية المعاصرة. إذا كان الحـَكم يتعثر في قيادة مباراة لكرة القدم، فكيف تتخيل قيادة ثلاثين مليونا من البشر في حضرة ثلاثمائة حزب؟ حتى الذي يتبجح بالنزاهة وبمقولة "من أين لك هذا؟" مشكوك في أمره، ويتزايد الشك بتزايد عدد الجنسيات التي يتمتع بحقوقها العدّاء إلى قمة البرلمان. لقد تناسى المواطن الغلبان بأن نظافة البرلمان والحكومة ليست نابعة من الإيمان بالله وبرسله، وإنما من الايمان بالشعب ومن نظافة الشوارع والأزقة والمدارس. والله، لو كان المرشح ملحدا ويتعهد لي بأن أنام قرير العين وأصحو لأرى الزقاق الذي أعيش فيه نظيفا كنظافة عقله لانتخبته، ولكن ما باليد حيلة، فللجدران آذان بين شخبطة وأخرى على سطوحها وفي الجحور الذي خلفها الرصاص الطائش فيها شعب يقوده "أنا وانت ولا حد تالتنا" التي اطربنا بها زمانا الراحل فريد الاطرش.

الأردن في 26/3/2010