عجلة الزمن لا تُجامل أحداً
شمعون كوسافي غمرة الاحاديث التي اسمعها هنا وهناك ، حدثني شخص عن موت قريب له . تمرّ عادة أحداث الموت بمراسيم عزاء طبيعية لدى عامة الناس ، ولكنه هذه المرة أحدث خبرُ الموت دويّا كبيرا في المنطقة لِما كان يحضى به الفقيد من مكانة عزيزة في قلوب الناس . كان المرحوم محطّ انظار الجميع وقد ذاع صيتُ كَرمِه وطيبته بين القاصي والداني . كان يؤمّ الناسُ مجلسَه للتشرف برؤيته وسماع كلامه وايضا لتحقيق مآرب في أنفسهم . فالمعوز كان يفوز بمبتغاه من المال ، والجائع يملأ بطنه مع وعد لايام قادمة تـُنسيه لياليَ كاملة قضاها وهو يطوي على الطوى ، والمريض تتمّ مرافقته الى ان يخرج مُعافا تماما من مرضه ، والمتخاصمون لم يكونوا يغادرون مجلسه متصالحين فحسب ولكن متعانقين .
كان لنعي هذا الرجل وقعُ صاعقة مدمّرة ، تـُحرق ما حولها بدوائر تتسع بصورة مُطـّردة . شلّ الخبر حركة الكثيرين ممّن كانوا يعتقدون بثبات بأنّ الفقيد كان موعوداً بالخلود على الارض ، ولاجله كان انطفاؤه شبه نهاية للعالم . وفعلا ًاصيب قسم منهم بالذهول ، وبُهِت قسم آخر ، وجميع هؤلاء كانوا يردّدون منكسرين : ولماذا هذه الحياة ، ولماذا تستمر الحياة ، لماذا لم تنكسف الشمس او على الاقل تنخسف امام هذا الحدث الجلل ، ولماذا لم يتوقف دوران الارض ، ولماذا لم تكفِّ العصافير عن زقزقتها وتغريدها ، ولماذا لا يكفهرّ الجو وتتلبد الغيوم ، وما طعم الحياة وفائدتها من بعده ؟
لقد تخّيلت ، أنا ناقلَ هذا الكلام ، تخيّلت ربّ العالمين يهمس قي اذن زاجري الطبيعة هؤلاء بصمت عميق ويقول : ردّ الطبيعة على تساؤلاتكم هذه سيَرِدكم في النهاية . اذهبوا الان الى أن يُنهي الاخ مقاله ، لانكم بأمسّ الحاجة الى الراحة والى قسط كاف من الوقت يُعيدُ الهدوء إلى انفسكم .
باعتقادي كان لنا جميعا ، بعض حالات مماثلة. او كنّاعلى الاقل شهودا عليها ، كنا نفكر بأن الزمن يدور لحسابنا ونستغرب كيف لا تتوقف عجلته ولو قليلا من خلال شمس تتأخرفي الشروق او سحب سوداء تتكدّس حزنا على شخص عزيز جدا علينا، ولربما ذهب بعضنا الى حدّ القول : كيف تتجرّأ الطبيعة على الابتسام ونحن قلبنا يَقطرُ دماً ؟
اذا استعنـّا قليلا بفلسفة عادية دون ان نولج انفسنا عميقا في غياهب الميتافيزيقة ومتاهاتها، نرى ان تفكيرنا بهذه الصورة يعود لقناعتنا بان العالم مرهون بوجودنا . العالم موجود لاننا نفكر به . لا شكّ ان للحياة او للطبيعة وجوداً موضوعيا ، ولكن بالنسبة لنا او بالنسبة لكل شخص منفرد ، لا وجود للعالم الا داخل تفكيرنا . فالحياة كائنة لاني أراها ، لاني افكر بها وأستوعبها على طريقتي الخاصة ، فاذا انعدم وجودي ينعدم وجود الحياة التي كنت اعرفها انا . فالعالم في هذه الحالة مسخّر لانظاري ، لخيالي ، ولأرادتي . وقد يكون هذا الذي يجعلنا نستغرب من تصرف الطبيعة ونقول بكل بساطة : لماذا لا تجاملنا الحياة ، لماذا لم تتوقف حيث توقفت أمورنا . إنّ ما نبتغيه هو ان لا تقتصر الحالة التي نعيشها على مَن هم حولنا من الاهل ، بل ان تمتدّ الى عناصر الطبيعة ايضا .
ولو إننا ما زلنا احياء ، غير ان اندماجنا مع الفقيد هو بالقوة التي تجعلنا نعتقد باننا نحن أيضا رحلنا معه ، ولذلك نسمح لنفسنا ان نطلب من الزمن ان يتوقف لان العالم يكون قد انتهى بالنسبة لنا ايضا ، وهذا ما يدعونا ان نقول ، لماذا يستمرّ الزمن في الدوران ؟
انها مجرد محاولة لشرح الحالة النفسية .
صحيح أن الانسان يعتبر نفسه سيد الكون بين الخلائق ، بمعنى انه هو الذي يفكر ويخطط وينفذ مشاريعه لبناء الارض واعمارالعالم وتطويره ، ولكننا نعود هنا لكي نؤكد شيئا آخر :
لحسن الحظ ، لا حُكم للانسان على الطبيعة لان هذه الاخيرة مكلفة بمهمة الحركة والدوران بشكل مستمر ومنتظم . لا اعرف ماذا كنّا عسانا نفعل لو تركت الطبيعة دورتها وتوقفت عجلة الزمن للتفرغ لمجاملة بطرس ومواساة بولس وانتظار ابن عمّهما الذي ينوي الابطاء في امر ما ، والاسراع في موكب ابن خالة صديقهما لانه على عجل أوحضور عزاء جارهما السابع ، او الاستجابة لرغبة عاشق هزته مشاعر حب قديم يُمنيّ نفسه بالرجوع الى شبابه، فتجيبه عجلة الزمن التي لم تتوقف عن دحرجته : كان يجب عليك التفكيرفي حينه ، والى آخره .
يجب ان تكمل الحياة دورتها وتستمر للاجيال القادمة . يغادر جيل ويعقبه آخر ، وكل واحد يأخذ نصيبه من دورة الحياة وعجلة الزمن . فمِن أجل ترعرع الاجيال واداء دورها في الحياة يجب ان تستمر الطبيعة كما هي ، ان لا يتأخر الليل عن النهار ، والاّ يخطئَ موسم عن فتراته الزمنية ولا المطر عن موعد هطوله، ولا الشمس عن شروقها ، ونحمد الله بان هذه الاخيرة لا تحتاج الى وقود في بروزها واختفائها ، ولا تملّ عن اداء واجبها بالرغم من انقضاء مليارات السنوات على وجودها ، دون الحاجة الى اجازة اعتيادية او مرضية !!!
ولكي أضع حدّا لكلامٍ ستقولون بانه سيتكرر ولن ينتهي ، اذكر لكم ردّ الطبيعة الموعود به . انها تقول ما يلي لمن كانوا يطالبونها بالتوقف ، ( والكلام ليس من صياغتي ) !! :
* » أنا آسفة للمُصاب الذي ألمّ بكم دون ان تتوقعوه ، أرى أنّ اموركم لا يحكمها نظام ثابت مثلنا ، وبعض وقائعكم خاضعة للصدفة .ردود افعالكم هي حزن عميق ودموع ساخنة لان الله قد خلقكم كائنات عاقلة سامية ، وحباكم بأحاسيس تجعلكم تبكون وتندبون ، وتفرحون ايضا لاحداث غريبة نحن لا نفقه شيئا ، لا عن اسبابها ولا عن نتائحها. أمّا نحن ، فاننا لا نملك عقلاً او احاسيس ، غير اننا ننفذ خطة أزلية الامد لا تقبل التغيير . لا نستطيع مجاراتكم في مناسباتكم لاننا اذا جاملناكم وشاطرناكم أوقاتكم وتأخرنا عن دورتنا ولو لاقلّ من لحظة ، سنتسبّب في إحداث خلل في نظام الكون وفي مسيرة حياتكم انتم أيضا .
قولوها انتم : ما فائدة الساعة مثلا اذا توقفت او تأخرت في دورانها ؟ اقبلوا اذن تقلبات الحياة واحكامها ، عيشوا يومكم وتمتعوا به ، واذا اصابكم مكروه فاصبروا ولكن لا تنسوا أن تستفيقوا بعد مصابكم ، لان دوران الفلك سيستمر ، وكما تقولون انتم فان الحياة للاحياء « * .
Kossa_simon@hotmail.com