مسار الديموقراطية وآفاقها في العراق

المحرر موضوع: مسار الديموقراطية وآفاقها في العراق  (زيارة 547 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل وديع زورا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 216
    • مشاهدة الملف الشخصي
مسار الديموقراطية وآفاقها في العراق


بقلم : وديع زورا

لا يمكن لشعب مضطهد أن يستوعب الديموقراطية ويمارسها بين عشية وضحاها وأن يستمتع بحقوقه وحرياته العامة. وان يكون على وعي بحقيقة السلطة على إنها مجرد أداة لخدمة المواطنين وليس العكس. عنق الزجاجة الذي يمر به العراق هذه الأيام وخاصة في هذه المرحلة الحساسة في ظل توازن جديد للقوى السياسية هو مرحلة حتمية لابد لنا كعراقيين المرور به كنتاج حتمي لتراكم الأزمات. تنتاب الساحة الفكرية في العراق رغبة جامحة للحوار الفكري والسياسي. وليس الأمر بجديد على المثقف والسياسي العراقي، فهو دائم الانشغال بالهم العام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والأمني، لكن الجديد في الأمر هو انتقال الحوار من داخل الجدران إلى فضاء أوسع وأرحب يكاد يكون مسموعاً ومرئياً عبر الفضائيات والصحف ومواقع الصحف الإلكترونية. وتفصح الفسحة المتاحة عن أمرين في غاية الأهمية، هما نقطة ضعف الحوار الراهنة وافتقار لغة الحوار إلى ثقافة حوار ديموقراطي. الأمر الأول : إن القيود المفروضة على الحوار العلني مازالت ... حتى الآن... من القوة بحيث تستطيع أن تعرقل التواصل والحوار بين أصحاب العقائد والآراء الفكرية السياسية المختلفة، والأمر الثاني : هي افتقار لغة الحوار إلى ثقافة الحوار الديموقراطي. لذلك نرى أراء المتحاورين مشحونة على الأغلب بالآراء القطعية والاتهام والتخوين بحق أصحاب الرأي الآخر، والمطالبين بحق الاختلاف، ومن دواعي العقلانية والتفكير المنطقي ألا يمتلك الحوار الفكري السياسي جملة من المبادئ التي بوجودها يتخذ الحوار مساره الصحيح ومعناه العميق حتى لو اختلف المتحاورون، وبغيابهما يفقد الحوار جدواه. المبادئ هذه هي بحد ذاتها مادة للحوار ولكن إذا لم يتم الاتفاق عليها أولاً، وبصيغة ضمنية أو صريحة فإنه لا جدوى من أي تخاطب. ونكون كما يقول الأمر العسكري "مكانك راوح"، أي لا تقدم ولا حراك. وتوجد على رأس هذه المبادئ المقولة التي تعلن أن لا أحدّ يمتلك الحقيقة كاملة، فهي موزعة بين كافة شرائح المجتمع، واستخدامها أو استنباطها يتطلب تأسيس الحوار الديموقراطي وتنشيطه. وبالقدر الذي تتسع فيه دائرة الحوار وتتعمق فإن دوائر الخوف والعزلة والخيبة تتقلص، والعقل ألاتهامي يضمحل، وحالة الجمود تبدأ بالتفكك، فتبتعد الأفكار عن لغة الشعارات المبسطة والجاهزة، ويضمحل حاجز المقدس الإيديولوجي وتصبح أكثر قرباً من الواقع. وهذا يشترط لغة مميزة للحوار وهو المبدأ الثاني الذي يعلن: أن للحوار الديموقراطي ثقافته وآدابه ولغته.
ولا يمكن " بطبيعة الحال " وضع قواعد ومعايير أخلاقية والأوليات المسلكية لأحد، المسألة هنا تقتصر على التمييز بين لغة النقد الفكري أو السياسي، التي لا يجمعها جامع مع بيانات الاتهام، والتمييز أيضاً بين التحليل العلمي الاقتصادي والاجتماعي الذي هو تحليل للواقع وبين القسر والإرغام الإيديولوجي الذي هو حشر للواقع في شعارات لم تعد تعبر عنه، والهبوط من سماء الأحكام المطلقة إلى عالم الأفكار النسبية. إن لغة الحوار العلمية والأدبية هي فقط التي تجعله حواراً عاقلاً وعقلانياً، وبالحالة المعاكسة حواراً منطلقاً من عقاله، وما دام الحوار الفكري والسياسي هو بين عقائد فكرية وأحزاب سياسية متنوعة، فإن هذا يشترط مبدأ ثالثاً ينصّ على أن الوطن يتسع لجملة العقائد السياسية التي نمت وترعرعت في تربته الاجتماعية كما يتسع لمجموع أحزابه، والحكم الفصل بين أحزابه يجب أن تكون المنافسة النزيهة. إن هذا المبدأ لا ينتقص من هيبة أي حزب ولا يسيء لمفهوم الوطن، وإنما يعمل على بناء علاقة صحيحة بين الجزء والكل، وبين الكل ومجموع أجزائه. إن ما يجري من حوار فكري سياسي في العراق يعبر عن حالة نوعية جديدة يطمح المشاركون فيه إلى الارتقاء بثقافة الحوار وإزالة العقبات والمعوقات والحواجز التي لبعضها عمقه التاريخي. ومن أهم هذه المعوقات: غياب تقاليد الحوار الديموقراطي، ويبرز ذلك في ثلاث حلقات رئيسية: داخل الأحزاب بين قياداتها وقواعدها، وبين الأحزاب في علاقاتها، بعضها في بعض الآخر، وداخل المجتمع في علاقة السلطة بالشعب. إن هذه العقبات التي تعيق ثقافة الحوار تمسّ التجربة السياسية وتقسم الحقوق والواجبات والامتيازات قسمة غير عادلة. إن طرق العمل الفكري السياسي في ضوء تلك المعوقات وتحت تأثير الموروث الاجتماعي الفكري والنفسية واستطالتها خلقت جملة من الحواجز داخل الإنسان وفيما بين الناس، ولا يمكن الحديث عن ارتقاء التجربة الفكرية السياسية دون تخطي هذه الحواجز وتحطيمها. كحاجز الخوف والحذر والشك بالآخر وما يجسده من أفكار وممارسات. وهذا بطبيعة الحال لا يسمح بحديث الند للند ويسبغ على النقد والاختلاف والإدانات والاتهامات. وينميّ ذلك عوامل الانكفاء والعزلة أو التمرد ويتحول إلى مكونات داخلية في النفس بحيث تصبح هذه العوامل قيوداً داخلية تمنع الإنسان من الانفتاح على الآخر على الصعيد الفردي، والتحاور الصادق معه، وتدفعه للحكم على نحو مسبق وقطعي أحياناً بأن الآخر لمجرد كونه كذلك فهو ليس على حق. كل ذلك يؤدي إلى نتيجة حتمية مفادها أن لا بديل عن الحوار الهادئ العلمي العقلاني كنقطة انطلاق في تخطي العقبات والحواجز المذكورة، والتأسيس لحالة يشعر معها الجميع أنهم مشتركون في حالة وطنية كبرى، بإحساس متساو من المسؤولية، ولعله من الهام أن نشير إلى أن الأحزاب قد تتفاوت تفاوتاً كبيراً في أحجامها، لكنها تتساوى في المسؤولية الوطنية. فهذه الأخيرة ليست معياراً كمياً، وإنما هي حالة نوعية تميّز الجماعات الكبيرة والصغيرة والأفراد، والمسؤولية الوطنية بالنهاية هي أهم عنصر من عناصر ثقافة الحوار.