تسمية أفضل لشعبنا
جلال برنو
أنا إبن النهرين ولا يمكنني أن أكون غير ذلك، لأن التاريخ لم يخبرني بأن لي وطن غير وطني بيث نهرين … امّا إلى أي قوم من الأقوام التي سكنت بلاد النهرين أنتمي ؟ فالجواب لست أدري … أعني لست أدري ما إذا كنت أنتمي إلى سلالة أور الأولى ، سومر، أكد ، بابل ، آشور أو غيرها … لذلك ليس غريباً ان تجدني ادور في دوامة البحث المضني عن جذوري لأنه لك أن تتصور مالذي يمكن أن يحدث لقوماً أو أقواماً لا تمتلك حدوداً مرسومة ولا قيادة سياسية ولا مراكز تعليمية ولا قوة عسكرية منظمة على مدى زمن يعد بآلاف السنين !
فهل يمكن أن يكون الحال غير الذي هو فيه اليوم ؟ أضف الى ذلك الإنقسامات الكنسية التي زادت من تمزقهِ وتشرذمه ، ناهيك عن ما تعرض له لأغرب وأبشع غزو منظم يجمع بين الإديولوجية وحد السيف … ذلك الغزو الذي قضى على ما تبقى من ثقافة الإنسان الرافديني حيث عمل جاهداً على تذويبه بعد إستغلال كل طاقاته وإرثهِ الثقافي... و أبسط دليل على ذلك ما تعج به المعاحم العربية من آلاف الكلمات السريانية وتلك المحورة والمشتقة منها.
دائماً أشبه قصة هذا الشعب المغلوب على أمرهِ بأرومة السنديان الشامخة في جبال بلادي … حيث تقطع تارة وتحرق تارة اخرى فلا ينمو ساقها بل تبقى محافظة على نوعها فتميّزها بأخلافها … ولكن رغم المجازر و العواصف وعاتيات الزمن بقيت تلك الأرومة الأصيلة ضاربة أطنابها في عمق تربة بلاد النهرين ، وإني لمتأكد من سلامة وعراقة جنسها إستناداً إلى حقائق اراها بالعين المجردة والإستنتاج البسيط مما يمكنني الإستغناء عن البحث المضني في بطون الكتب لأحدد إرثاً يعود تاريخه إلى زمن سحيق .
من هذهِ الحقائق :
1- كوني غير مسلماً خير دليل على انني لست على صلة بالأقوام الغازية . لأنه لو إفترضنا جدلاً انني أنتمي إلى القوم الغزاة كما يدّعي المستعربون ... فكيف لي أن أ تصور أن السيف قد مرّ فوق رقاب أجدادي دون أن يحز أعناقهم ما لم يعتنقوا الإسلام ؟ مع أن ذلك السيف هو ذاته الذي أخضع الصرب والألبان في بلاد البلقان فإعتنق الآلاف منهم الإسلام فهل يعقل أن الصربي والألباني إعتنق الإسلام بالإكراه وتُرِكَ العربي إبن قحطان و عدنان يمضي بسلام ؟
2- لو إفترضنا جدلاً انني منتسب إلى عرب الجزيرة المسيحيون أو الى دويلة الحيرة ... كما يزعم بعض المستعربين من بني قومي ... ترى من أين جاءتني لغة السورث ؟
إستناداً إلى ذلك أستطيع أن أستنتج بأن القوم الذي تطلق عليه التسميات التالية : آشوريون ، بابليون، كلدان، سريان، آراميون أضف إلى ذلك الصابئة والازديون هم الورثة الحقيقيون لتلك الأقوام التي سكنت بلاد النهرين وبالطبع هنالك الملايين الذين تحولوا إلى الإسلام .. إنصهروا في بوتقة العروبة فبات إحتمال عودتهم إلى جذورهم الحقيقية أمراُ مستحيلاً !
وإذا ما توصلنا إلى قناعة تامة بأننا ورثة الأقوام النهرينية فإن الجدل حول إنتمائنا ككل أو كجزء لأحد تلك الأقوام دون غيره يبقى قائماً، وذلك بسبب تداخل تلك الأقوام ثقافياً وسياسيأ وإقنصادياً وإجتماعياُ وغيرها من نواحي الحياة حتى صعب على العلماء فصل حضارتي بابل وآشور .. ثم جاء دور الكنيسة التي لم تأبه بالتسميات القومية فإبتدعت تسميات خلطت بين المذهب والقومية وكانت النتيجة هي ما نراها ونلمسها على أرض الواقع بوضوح. فترى معظم أتباع الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية ميالون إلى تسمية الكلدان فأطلقوها على شعبنا والنساطرة إلى تسمية الآشوريين واليعاقبة إلى تسمية السريان... ورغم كل ذلك فإن غالبية إبناء شعبنا يؤمنون بأننا أمة واحدة بأسماء متعددة .
وفيما يلي تعليق موجزعلى تسميات شعبنا مع تبيان أهمية كل منها في التوصل إلى الوحدة المنشودة :
الكلدانية : تسمية غير شاملة ً لكون الكلدانيين إحدى السلالات التي حكمت بابل لفترة قصيرة تقدر بثماني عقود ونيّف ، سميت سلالة بابل الحديثة، حيث سبقهم الأموريون( وكان حمورابي أشهر ملوكهم ) وكذلك الكشيون.
ان - كتاب العراق في التاريخ –(طبعة 1983 ص163) يذكر مانصه : " أما أصل الكلديين فما يزال موضع جدل ،نظراّ للصعوبات التي تكتنفه وندرة المصادر عنه ولا نعرف متى دخلوا العراق بالضبط ولم نسمع عنهم إلا في وقت صاروا فيه قوة سياسية "
ثم أن معظم دعاة الكلدانية ينقصهم الشعور القومي ولازال العديد منهم يتشبثون بالعروبة بأشكال متعددة بدءاً بتسمية أبنائهم بأسماء عربية وإسلامية وإنتهاءً بكنائسهم التي تميل إلى تعريب الطقس الكلداني... والمتابع لمثل هذه الامور لا بد أن يصل إلى قناعة بأن مسألة التعريب الكامل هي مسألة وقت ليس إلاّ.. أضف إلى ذلك رفض العديد من بلداتنا التابعة للكنيسة الكلدانية القيام بتدريس لغتنا القومية حتى كدرس ثانوي إسوة بدرس اللغة اإنكليزية ! فتصور اية نهاية تنتظر شعبنا إذا ما إتخذنا الكلدانية كإسم لشعبنا وأهملنا التسميات الاخرى !!! ولا ننسى أن دعاة الآشورية ومعهم دعاة السريانية لا يوافقون عليها.
ألآشورية : أسم لشعب دام حكمه مئات السنين في بقعة ضمت اعرق قرانا في قلب امبراطوريتهم في سهل نينوى ...معظم دعاة هذه التسمية يتقدمون صفوف إخوتهم دعاة الكلدانية في كل ما يتعلق بالشعور القومي، ولكنائسهم الدور الريادي في المحافظة على اللغة التراث ... إلا أن هذه التسمية لا تروق للقسم الأكبر من أتباع الكنيسة الكلدانية وااسريان، أضف إلى ذلك قلة عددهم على الآقل في الوطن الأم ويعاب عليهم عدم تشبثهم بأرض الوطن فكانت هجرتهم بأعداد هائلة.
الآرامية : أسم جغرافي أطلق على المرتفعات الواقعة شمال غرب بيث نهرين. بينما تقول مصادر أخرى بأن الآراميون هم قبائل سكنت أواسط بين النهرين كان لهم اهتمام كبيرفي اللغة. ولم يكن لهم تواجد كبير في أرض الرافدين كما كان للبابليين والآشوريين... لذلك لا يمكن أن تكون تسمية شاملة لعموم أبناء شعبنا .
السريانية : لا يختلف إثنان أن هذه التسمية غير سليمة تاريخياً لأنه لم يظهر في التاريخ شعب بهذا الأسم ، إنما برز هذا التعبير ما بعد المسيحية وقد يصحُ إرتباطه بالمذهب الديني وربما باللغة فقولهم اللغة السريانية أمر مألوف لدى شعوب الشرق الأوسط.
وبالتالي لا يوافق عليها الكلدان والاشوريون ولكنها قد تلقى قبولاً لدى أتباع الكنيسة السريانية وقسماً من مسيحيو الموصل وسوريا ولبنان.
سورايى : تسمية محببة لدى معظم أبناء شعبنا وهي متداولة في حياتنا اليومية لللاشارة إلى الناطقين بلغة السورث ، إلا أن الكثير من ابناء شعبنا يطلق هذه التسمية على كل من يتدين بالمسيحية.
السكان الآصليون : تسمية جد سليمة وشاملة ... عيبها ان فئات أخرى قد تدعي الأصالة التاريخية والعرقية رغم عدم تناغمها مع أبناء شعبنا ، أضف إلى ذلك عدم قبول الأقوام الأخرى ذات الأكثرية العددية لمثل هذه التسمية ليضاهوا في هذا المنحى ما ذهب إليهِ الإنسان الغربي الأكثر رقياً في عالمنا حيث أن الآنسان المشار إليه يقر ويعترف بالسكان الأصليون في شمال أميريكا وإن الحكومة المستمدة قوتها من الشعب تعترف بأصالتهم وتغدق عليهم إمتيازات خاصة ( لا مجال لذكرها هنا). ومما يجدر ذكره أن السكان الأصليون قي قارة امريكا ينتمون إلى إثنا عشر قبيلة وإن السكان الأصليون ( ني تف- أو- أب أورجينال) هي التسمية الرسمية لهم . و بالتأكيد نحتاج إلى ألالاف السنين ليصل سكان الشرق إلى مثل هذا المستوى من النضج السياسي والإجتماعي ...
الكلدو أشوريين : تسمية سياسية تستند إلى حقائق تاريخية ... ورغم أن التسمية الأسلم يفترض أن تكون
-
البابلوآشوريون - لكن الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية إتخذت تسمية الكلدان تسمية ثابتة لها لعدة قرون ومن الصعب تغييرها ، وربما ليس هناك ضرورة لتغييرها كون اسم الكلدان مرتبط بالامبراطورية البابلية وهو أسم آخر سلالاتها...
الناطقون بالسورث: التسمية الأفضل لشعبنا لأن هذهِ التسمية توحدنا وتجعلنا نقوم بواجباتنا القومية وتسمح لكل واحد منا الأحتفاظ بإنتماءه إلى أيٍ من تسميات شعبنا بحسب قناعتهِ ... كما أنها تميزنا عن غير المنتمين الى شعبنا، وهي التي تحدد هوية المنتمي الحقيقي وتفرزنا عن أنصاف المنتمين ممن يأنفوا من إنتمائهم الحقيقي ...لأنهم سوف يذهبون بنا إلى ذات المصير الذي آل إليهِ إخوتنا في لبنان ... فها هو عدد مسيحييو لبنان في تناقص مستمر حتى باتوا يشكلون 30 % فقط من مجموع السكان ومسألة تناقصهم وفقدانهم لهويتهم الأصلية مسألة وقت ليس إلا... ولولا مسيحيتهم لما ُوجِدَ ما يميزهم .
إن الأتفاق على تسمية موحدة تلقى قبولاّ لدى معظم أبناء شعبنا ، والعمل بتفانٍ وإخلاص من أجل تعزيز الثوابت القومية العليا، لهو بلا شك أفضل بكثير من الجدل البيزنطي الذي يمكن أن يكون سبباً في ضياعنا وتشرذمنا وربما إحتضارنا ... فلو تمكنّا من الإنتباه إلى نقاط ضعفنا وحاولنا إصلاحها ... نكون قد قمنا بكتابة ديباجة تاريخٍ مشرقٍ يخلّد ذكرانا و يرسم الإبتسامة على محيى إجيالنا القادمة !