سليمان يوسف أمام القضبان
سعيد لحــدو - هولندا
بالرغم أنني لا أحمل حالياً أية صفة سياسية هامة باستثناء كوني وما زلت عضواً في المنظمة الآثورية الديمقراطية, فإن لي من المعارف والصداقات في الوسط السياسي وبخاصة الكردي منها ما يدعوني للاعتزاز والتشرف بها على الدوام. ذلك لم يأت بالطبع من عدم, وإنما لاحتلالي مراكز قيادية في المنظمة الآثورية الديمقراطية منذ عام 1984 كمسؤول لفرع سوريا وحتى عام 1998 بعد تنازلي الطوعي عن صفتي كعضو لجنة مركزية وعضو مكتب سياسي. هذا بالدرجة الأولى, وفي الدرجة الثانية, كأحد الأعضاء الناشطين سياسياً وثقافياً في أدق مرحلة عايشتها المنظمة وهي فترة الاعتقالات التي شملت أبرز قيادييها في عامي 1986-1987. ولقد تشرفت بأن كنت أحدهم إلى جانب واحد وعشرين رفيقاً آخر في مقدمتهم الرفيق بشير سعدي. من هذا المنطلق فإنني صُـدمتُ بالطريقة والأسلوب الذي أراد به الأخ سليمان يوسف تصوير الاختلافات في وجهات النظر التي تحصل حالياً داخل المنظمة كما تحصل في أي حزب أو تجمع آخر.
يؤسفني أن أقول أن الواقع والحقيقة ليسا تماماً كما جرى توصيفهما من قبل الأخ سليمان يوسف في مقالته (محنة المنظمة الآثورية الديمقراطية) في الجزء الأول ولا أدري ما لذي سيحتويه الجزء الثاني من مجانبات أخرى لحقائق الأمور وإن لم يكن من الصعب التكهن بذلك. وسأحاول هنا التجرد ما أمكن من العواطف والمواقف المسبقة لأقترب أكثر من الموضوعية التي هي ضرورة وواجب في هكذا حالة. ومن هذا المنطلق وحده خرجت عن صمتي وكتبت هذا التوضيح الذي أرجو أن لا أضطر لغيره وذلك لقناعتي الراسخة أن صفحات الجرائد الإلكترونية ليست المكان المناسب لإيجاد حلول معقولة لمسائل تحتاج إلى الحوار الهادئ المتسم بالمسؤولية.
فالرفيقان بشير سعدي وسليمان يوسف كلاهما كانا وما زالا من أقرب أصدقائي. وتمتد معرفتي بهما إلى سنوات السبعينات وهي علاقة طويلة نسبياً تؤهلني على ما أعتقد لإدراك الخصائص الفردية والنفسية لكل منهما. إضافة إلى ذلك فقد عملت معهما في هيئات مختلفة في المنظمة لسنوات عديدة, وتحديداً لمدة أطول مع الرفيق بشير سعدي. وللحقيقة وللتاريخ أقول بأن الأخ والرفيق سليمان يوسف وإن كان على حق في بعض ما تناوله بالنقد للعمل التنظيمي الذي هو دون المستوى المطلوب, لكنه لم يكن مصيباً في كل ما قاله.
لن أتطرق إلى التفصيلات فهي كثيرة ومملة, لكنني بدأت ألمس مؤخراً شيئاً من كبرياء الغرور في خطاب الرفيق سليمان, ولعل في هذا خطأه الأكبر وربما مقتلة. فإن اعتقد المرء أنه مهم وفذ فهذا من حقه, ولا اعتراض لنا على ذلك. على الأقل من باب حرية الاعتقاد. ولكن أن يتصرف الإنسان على هذا الأساس ويطلب في الوقت ذاته من الآخرين أن يقبلوا منه ذلك, لا بل أن يوافقوه على كل ما يقوله ويفعله, فتلك لا شك مصيبة المصائب.
لقد حاولت أن أهدئ من اندفاع وتهور الرفيق سليمان, ليس من باب عدم نشر الغسيل الوسخ, كما فهم من رسالتي القصيرة إليه, وإنما لإيماني الراسخ من خلال تجربتي المتواضعة بأن في المنظمة على الدوام الأطر الشرعية لمناقشة أية فكرة مهما كانت متطرفة, والأخذ بها إذا رأت الأغلبية ذلك مفيداً. لكن كان رد الرفيق سليمان لي, ويبدو, لآخرين كثر غيري , كما توضح مقالته المذكورة سابقا والمنشورة على موقع إيلاف, بأن وصفنا بالسطحيين وقاصري النظرة. وإن كنا لا نستشيط غضباً لهذا الوصف وما يدفعنا لتجاوزه, فلأننا لم نسمعه من غيره. وفي تلك المقالة تحديداً أفسح المجال لخياله في الشطط إلى حدود قصوى للنيل من المنظمة وسياستها الوطنية لمجرد الرغبة كما يبدو للانتقاص من شخص مسئولها الحالي والذي يعرف هو قبل غيره أنه في أي مؤتمر قادم للمنظمة يمكن أن يتم انتخاب آخر غيره. وقد بلغت به مشاعر التفاخر والغرور إلى الحد الذي اعتبر أن المنظمة أصبحت سياسية ووطنية فقط حين أصبح سليمان يوسف عضواً في المكتب السياسي, بوصفه لها أنها (وليدة في تعاطيها مع الشأن العام, وحديثة العهد في انفتاحها على المجتمع السياسي). متناسياً أو إنه لا يعرف حقيقة الموقف تماماً بأن المنظمة اتخذت قرارها بالانفتاح على الأحزاب الوطنية منذ مؤتمر عام 1986. وجسدت ذلك عملياً بعد عملية الاعتقالات التي انتهت في ربيع عام 1987. ثم اتخذت خطوات أكثر جرأة في ترشيح وإنجاح الرفيق بشير سعدي في انتخابات مجلس الشعب عام 1990. وطوال السنوات الأربع التي أمضاها الرفيق بشير في مجلس الشعب كان النشاط السياسي على المستوى الوطني في أوجه. ولقد كان لي شرف المشاركة إلى جانب الرفيق بشير نفسه في كثير من تلك اللقاءات مع معظم الأحزاب الوطنية والكردية آنذاك. لا بل كان الرفيق بشير المحرك والداعم لمعظم تلك النشاطات وبخاصة مع الأطراف الكردية تحديداً, حيث دخلنا معهم في عدة تحالفات وخضنا معاً جولات انتخابية للمجالس المحلية. ومازال الكثير من قياداتها تلك على قيد الحياة وقادرة على الشهادة بحق الرفيق بشير ومواقفه من القضية الكردية والتي خبروها بوقائع ومواقف عملية. حينذاك كان الرفيق سليمان خارج المنظمة كلياً وهو معذور في هذه الحال إن لم يكن يعلم ما الذي كان يحصل في المنظمة قبل عودته وقبوله مجدداً فيها. هذا الموضوع الذي اعتبره الرفيق سليمان سبباً لخلافه مع الرفيق بشير دون وجه حق وكأنما به يحاول الاستعانة بالأكراد والإستقواء بهم في معركته حينما لم يجد بين رفاقه الكثر من يجاريه في نزعته المتطرفة. ولا أعتقد أن القيادات الكردية من السذاجة بحيث تنساق إلى هكذا موقف وإن لم يخل الأمر من بعض الأفراد الذين ساقتهم عاطفتهم غير المتبصرة ليكتب بعضهم ما قرأنا شيئاً منه على صفحات الإنترنت.
إذا كان للرفيق بشير والذي لم يكن حينها سوى عضواً في المكتب السياسي , ولقيادة المنظمة ككل مواقف داعمة ومشرفة للقضية الكردية حينذاك, ومن موقف مبدئي وليس محاباة أو مسايرة لأحد رغم الظروف السياسية الصعبة حينذاك. فهل يعقل بعد كل هذه السنين وبعد كل ما حصل من تطورات في سورية وفي المنطقة والعالم ككل, أن تتراجع المنظمة عن مواقفها المبدئية تلك لمجرد أن سليمان يوسف هو الذي يتحدث اليوم؟
لا أظن أن الرفيق سليمان يوسف قد نسي اللقاء الحواري الموسع في عام 1996في مدينة القامشلي الذي كان حاضراً فيه مع جملة الحاضرين وألقى فيه مداخلة. ذلك اللقاء الذي كان لي شرف المبادرة إليه مع قيادات سياسية ومثقفين أكراد من مختلف الاتجاهات. حيث أجرينا معهم حواراً صريحاً وبناءً والذي كانت نتيجته كتابي المعنون: (التيه ومسالك الحكمة- مدخل إلى حوار كردي آشوري) الذي صدر لاحقاً والذي اشترى الأخوة الأكراد العدد الأكبر من النسخ المطبوعة منه.
رغم كل هذه الحقائق الموثقة فإن الرفيق سليمان بتعمده التغافل عن دور الآخرين, وهم كثر على أية حال, في صياغة نهج وسياسة المنظمة القومية والوطنية, يتأمل من ذلك تسليط الضوء على شخصه وحده. وهو يدعي ذلك صراحة ودون مواربة في مقالته المنوه عنها سابقاً إذ يقول وقد تواضع قليلاً بأنه (يكاد يكون الشخص الوحيد الذي يكتب بين أعضاء المنظمة) متهماً 90% من كوادرها (وليس أعضائها) بأنهم تحت خط الفكر السياسي والثقافي, على حد تعبيره. مسنداً لشخصه (الدور البارز في تسليط الضوء على الحالة الآشورية والتعريف بالمنظمة الآثورية الديمقراطية..؟؟)
لا غرابة, فالرفيق سليمان له عذره في جهل أو تجاهل حقائق ساطعة, لأنه ببساطة كان كل تلك السنين خارج المنظمة. فلقد حاول في عام 1987 اغتصاب القيادة منتهزاً وجود معظم القيادات آنذاك في السجن. وبعد عودة القيادة من السجن وجد الرفيق سليمان نفسه وحيداً... خارج المنظمة. وعندما عاد إليها في أواخر التسعينات, ربما لأنه اعتقد أن اغتصاب القيادة من داخل المنظمة أسهل عليه. وبخاصة أنه طوال السنوات التي بقي فيها خارج المنظمة لم يتمكن من إقناع أحد بموالاته رغم كل محاولاته الحثيثة وجهوده المضنية من أجل هذا الهدف.
لا أعتقد أن تهجمه الحالي على المنظمة والرفيق بشير المعروف كأكثر أعضاء القيادة قدرة ورغبة في الاستماع للآخرين, بالشكل والأسلوب الذي حصل, ليس إلا رد فعل جديد على فشل جديد لجر المنظمة إلى أقصى التطرف لفظياً. وكما يقول المثل العامي (مين كبَّـر حجره ما ضرب) وهذا لا يخفي إلا عجزاً وانهزامية في داخل النفس التي تصرخ بأعلى صوت لمداراة ما يسكن في داخلها من تناقض تعيشه.
كنا وما زلنا كأصدقاء ومعارف وفي جلساتنا الخاصة عادة ما نعـرِّف الرفيق سليمان كأكثر المتطرفين ليس في آرائه السياسية وحسب وإنما حتى في حياته اليومية. ولقد تعاملنا معه على الدوام على هذا الأساس. لكن هذا لا يلغي ما قلته قبل سطرين. وللتأكيد على ذلك خوفه إذا ابتعد عن المنظمة أن يصبح صيداً سهلاً للمخابرات. متهماً الرفيق بشير بمحاولة إبعاده عن المنظمة (لأكون لقمة سهلة للمخابرات السورية) بحسب تعبيره الحرفي في المقالة الآنفة الذكر. والكل يعلم أن المنظمة كحركة سياسية معارضة وعضو في إعلان دمشق لا تخفي سياستها المبدئية والتي انتهجتها عن قناعة وإيمان أعضائها. فهي بذلك لا تشكل درعاً واقياً ولا أي شكل من أشكال الضمان من تهديد المخابرات السورية لأي عضو من أعضائها بالاعتقال, بل هي عامل قوي ودافع هام للقوى الأمنية لاعتقال أي شخص يشكل تهديداً لوضعها بحسب منظورها. كما حصل في اليومين الماضيين للمناضلين ميشيل كيلو وأكرم البني ورفاقهم الآخرين. فلو كان هذا هو هدف الرفيق بشير أو قيادة المنظمة لتوجب على الرفيق سليمان يوسف أن يشكرهم من الأعماق لأنهم بذلك يعلقون على صدره وسام المناضل الوطني, ولكانوا شجعوه أكثر على التطرف مما يمنحهم المتاجرة باسمه في حال تم اعتقاله. لكن يبدو أن الرفيق سليمان لم يدرك بعد المأزق الذي وضع نفسه فيه. لأن (وطنيته الحماسية وآراءه المندفعة) التي يعتبرها سياسة, لم تغرِ أحداً من أعضاء المنظمة أو الأوساط السريانية الآشورية باتباعه.
لذلك أرجو أن يستفيق هذا الرفيق ذات يوم من أوهامه بالكاتب والسياسي والمثقف والمهتم وعضو القيادة .....الخ من الصفات التي ظل يتنقل بينها ويبدلها مع كل مقالة يكتبها ويستقر أخيراً على صفة تمنحه المصداقية والاحترام المفترض من حيث المبدأ لكل من اجتهد وقدم وأثر في مجتمع بحاجة لكل الجهود والطاقات مهما كانت صغيرة.
ســعيـد لـحــــــــــدو
[/b]