السليمانية تحتضن مؤتمر مناهضة العنف ضد المرأة
فوزي الأتروشي
وكيل وزارة الثقافة
السليمانية مدينة تشرف على بوابات المستقبل بامتياز وتنتشر فيها بوتائر سريعة ثقافة المجتمع المدني الفاعلة التي تضغط للمشاركة في القرار السياسي والاداري. فإضافة إلى التطور العمراني والاقتصادي يسير التقدم الاجتماعي إلى آفاق لايمكن ان نجدها في أية مدينة عراقية أخرى.
ولاعجب في ذلك فهذه المدينة كانت على الدوام مرتكزا لكل ماهو جديد وحديث في أقليم كوردستان العراق منذ أوائل القرن الماضي، والمدارس الشعرية والفكرية كانت تجد منابتها الأولى فيها.
ويلفت النظر أن المرأة في المدينة حصلت على اكبر قدر من الحرية والحقوق وحق التعبير عن نفسها، فبرزت كاتبات وشاعرات قديرات وناشطات نسويات لهن تأثير فاعل على مجمل المشهد الثقافي والاجتماعي في المدينة.
وقبل ايام انعقد فيها مؤتمر (مناهضة العنف ضد المرأة) الذي بحث في الجانب القانوني المتعلق بالحد من مظاهر العنف ضد المرأة، ودور المنظمات المدنية في إلغاء مظاهر العنف، والعمل لاجراء تعديلات على القوانين الجنائية المتعلقة بجرائم الشرف.
المؤتمر شكل انعطافة اخرى في التأشير لواقع المرأة وتجاوز ذلك لإضاءة الطريق نحو تحسين هذا الواقع تطبيقيا. حيث عرضت افلام وثائقية تكشف معاناة النساء والازدياد المخيف لجرائم الشرف التي تعتبر كيفما نظرنا اليها جرائم قتل عمدية يمارسها الرجل بعيدا عن سلطة القضاء والقانون مانعا بذلك ترسيخ قيم المساواة والعدالة ومرسخا سلوكيات الهيمنة الذكورية.
وتدارس المؤتمرون دور حكومة الاقليم والبرلمان الكوردستاني في عدم الاكتفاء بتشريع القوانين وانما وضع اجراءات عملية لتطبيقها، والقيام بحملة تربوية واسعة للتوعية والتثقيف بهذا الاتجاه.
ان العراق دولة محكومة باطار قيمي ذكوري لايكاد يعترف بالمرأة بدور ما الا تحت ضغط كبير ينبغي ان يمارس من قبل النخب الواعية والمثقفين ورعاة التربية، لان الارقام التي تعلنها المنظمات الدولية حول واقع المرأة العراقية مخيفة وتثير الهلع في النفوس، فمازال العنف الأسري مستفحلا، وزواج الاكراه، بل وحتى عادات بدائية للغاية مثل زواج (النهوة) الذي يجعل الفتاة أسيرة ابن العم شاءت ذلك أم أبت. اما الأرامل فقد فاق عددهن ال(3)ملايين وبالتزامن مع هذا التزايد في عدد الارامل شاعت بكثرة ظاهرة الزواج السري والعرفي وزواج المتعة وما إلى ذلك من السبل غير الواقعية لحل واحدة من أكبر اشكاليات البلد ففي آخر إحصائية ظهر ان نحو (200) ألف عقد زواج سري حصل خلال سنوات مابعد التحرير وهذا فقط الرقم المعلن، ويبقى الرقم اكبر من ذلك بكثير.
لذلك فان مدينتي السليمانية واربيل اذ تنشطان في هذا المجال الحيوي وتنعقد فيهما على الدوام مؤتمرات وندوات وفعاليات نسوية فاعلة ومؤثرة، فانهما بذلك يشكلان نموذجا متطورا مقارنة بمدن العراق الأخرى.
وهذا مرده إلى ان الأقليم منفتح ليس عمرانيا فحسب وانما اجتماعيا وفكريا أيضا، وان الاتجاه الفكري السلفي المحافظ لايجد له سوقا رائجة هناك. ومن المؤكد ان هذا المدّ من الصحة والعافية الذي يتسرب دون توقف في مفاصل المدن في الأقليم سيأتي بثمار يانعة في أقرب فرصة لانه متناغم ومتواصل مع هواء العصر وشروط التطور، وكمشرف على لجنة المرأة في وزارة الثقافة أشدّ على أيدي كل النساء الناشطات اللواتي يقتحمن جدار الصمت وتراكمات الماضي للحاق بركب الحضارة التي لايمكن ان يكون بناؤها وتنميتها حكرا على الرجل.