ملاحظات نقدية... على ضوء نتائج الانتخابات
خوشابا سولاقاافرزت إنتخابات مجلس النواب العراقي الأخيرة التي جرت في السابع من آذار الماضي ملاحظات ومؤشرات مهمة وحيوية وأساسية في مسيرة العملية الديمقراطية في العراق ومن المستحسن الوقوف عندها وتحليلها تحليلاً علمياً من أجل تشخيص مواضع الضعف في مسيرتنا الديمقراطية وإيجاد الحلول الناجعة لمعالجة الامور في المستقبل وتقويم مسار العملية الديمقراطية ووضعها في الاتجاه الصحيح، حيث ان هذه الانتخابات بنتائجها قد أثبتت تغير الخارطة السياسية في العراق وتغير إتجاه القوى السياسية الفاعلة على الساحة السياسية حيث ظهرت قوى جديدة بقوة على السطح واختفت قوى أخرى وضعف البعض الآخر وتفككت واصبحت على مفترق الطرق وأفل نجمها وعليه لابد من إعادة تصميم الخارطة السياسية للعراق على ضوء هذه المعطيات وإعادة النظر بما له علاقة بتشكيل إطار هذه الخارطة لكي تكتمل الصورة وتبقى على المسار الصحيح للعملية الديمقراطية لتخليص العراق من تبعات ثقافة الماضي القائمة على الانفراد والاستئثار بالسلطة وهذه الملاحظات بل المعالجات هي:
أولاً: إن قانون الانتخابات الحالي لا يلبي متطلبات التأسيس لبناء النظام الديمقراطي الذي يلائم الواقع العراقي المتنوع الثقافات والمتعدد المكونات والتوجهات والمعتقدات السياسية والخصوصيات القومية والدينية والطائفية المختلفة. حيث أظهر هذا القانون التقصير الكبير في التعبير الحقيقي عن إرادة جميع مكونات وشرائح المجتمع العراقي بالشكل الذي يقود هذا المجتمع إلى المحافظة على نسيج وحدته الاجتماعية والانسجام مع نفسه لإختيار شكل النظام السياسي الذي يتوافق ويتلاءم مع متطلباته الوطنية من خلال مؤسساته التشريعية والتنفيذية والقضائية من دون أن يقوده ذلك إلى نظام المحاصصة القومية والطائفية السياسية التي سادت الساحة السياسية العراقية طيلة السنوات السبعة المنصرمة. لذا يتطلب إعادة النظر بشكل جذري بهذا القانون من جميع الجوانب.
ثانياً: إن نظام الحكم القائم حالياً في العراق على أساس النظام البرلماني وفق الدستور العراقي الحالي قد برهن هو الآخر فشله بإمتياز من خلال التجربة القصيرة، حيث ما نراه من التعقيدات والاشكاليات بين الكتل من أجل اختيار أو تحديد الكتلة التي تكلف بتشكيل الحكومة ومن ثم اختيار الشخص الذي يكلف بتشكيلها كرئيس للوزراء والمدة الطويلة التي يستلزم ذلك للاتيان بالنتيجة بحكومة ائتلافية او حكومة الوحدة الوطنية او حكومة التوافق الوطني واخيراً حكومة الشراكة الوطنية التي تتمثل فيها كل مكونات الشعب او بالاحرى كل الكتل البرلمانية، بالنتيجة تكون مثل هذه الحكومة المشكلة بهذه الطريقة حكومة ضعيفة الارادة تحمل كل عوامل الضعف وتفتقر في نفس الوقت لعوامل القوة واتخاذ القرار الصائب، وبالتالي تكون حكومة غير قادرة على النهوض بمهامها الوطنية لان مثل هذه الحكومة يتم اختيار عناصرها بطريقة ترضية كل الاطراف المشاركة فيها على حساب النوعية والانسجام ووحدة الارادة والقرار وما حصل خلال فترات الحكومات التي توالت على الحكم بعد سقوط النظام الدكتاتوري خير مثال ودليل على ذلك. وبالتالي سوف لا تكون مثل هذه الحكومة الا حكومة المحاصصة بتسمية جديدة وبلباس جديد ان صح التعبير والعودة الى المربع الاول. وعليه مهما حاولت الكتل المؤتلفة باجتهاداتها وتفسيراتها الفكرية والفلسفية واختراعاتها الابداعية في صناعة التسميات لاعادة صناعة الحكومة القادمة فانها سوف لا تصنع الا حكومة المحاصصة بحلية جديدة ولكن بمضمونها القديم للاسف الشديد!! بينما المطلوب في النظام البرلماني الديمقراطي الحقيقي هو ان تكون تركيبة مجلس النواب الذي يلائم وضع العراق المتعدد المكونات هو ان تكون هناك في البرلمان اكثرية عددية سياسية حاكمة واقلية عددية سياسية معارضة لكي تكون الحكومة دائما تحت الرصد والمراقبة في كل ما تقوم به، وبالتالي تشكل المعارضة البرلمانية منظومة حماية للاكثرية الحاكمة من الاخطاء والزلل وحافزاً للعمل الجاد والصائب. وهذا لايمكن حصوله الا في ظل النظام السياسي الرئاسي الذي يتم فيه انتخاب رئيس الجمهورية بشكل مباشر من قبل الشعب وهو الذي يفوز باغلبية الاصوات في الانتخابات، حيث يقوم الحزب او الكتلة الفائزة في الانتخابات بأغلبية الاصوات بتشكيل الحكومة والكتل الاخرى تشكل المعارضة البرلمانية، على ان يحوز الحزب او الكتلة الفائزة باغلبية الاصوات على جميع المقاعد البرلمانية المخصصة لكل دائرة انتخابية وهكذا تكون هناك اكثرية عددية سياسية حاكمة في البرلمان تقوم بتشكيل الحكومة واقلية عددية سياسية برلمانية معارضة تقوم بممارسة الدور الرقابي والتقويمي على الحكومة، وقد يكون رئيس الجمهورية المنتخب مباشرة من قبل الشعب من الاكثرية الحاكمة او من الاقلية المعارضة كما هو الحال في فرنسا والاتحاد الروسي وغيرها من البلدان، او نظام رئاسي مباشر دون وجود منصب رئيس الوزراء كما هو الحال في الولايات المتحدة والمانيا وغيرها من البلدان الديمقراطية، المهم في الامر ان تكون هناك تعبير عن ارادة الشعب من خلال حكم الاغلبية الفائزة في الانتخابات ومعارضة الاقلية الخاسرة والجميع تنطلق في عملها البرلماني من حرصها على المصالح الوطنية وخدمة الشعب.
ويعتمد هذا النظام ايضا في انتخاب المحافظ ومجالس المحافظات، اي الحكومة المحلية من الحزب او الكتلة الانتخابية الفائزة باغلبية الاصوات في المحافظة، حيث ان النظام البرلماني، اي نظام كان لايمكن ان يكون نظاما ديمقرطيا ناجحا طالما ليس لدينا نخب سياسية ديمقراطية تؤمن بمبدأ تناوب السلطة سلميا من خلال ما تفرزه صناديق الاقتراع، وان لا تستحوذ على افكارها السياسية ثقافة الانفراد والاستئثار بالسلطة واقصاء الخصم السياسي، وكذلك ليس لدينا شعب بغالبيته مستوعب للثقافة الديمقراطية السياسية والاجتماعية، وهذا واقع حال العراق الحالي لا يمكن نكرانه او تغافله وانما يجب اقراره وقبوله بشجاعة مثقفة واعية دون مبالغة ونفاق ورياء سياسي والتعامل مع هذا الواقع في مسعانا لبناء الدولة اليمقراطية المعاصرة بكل مضامينها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبواقعية وموضوعية علمية عندها سنحقق النجاح في بناء العراق الجديد.
ثالثاً: ان الدستور الحالي قد برهن خلال هذه التجربة القصيرة عدم صلاحيته بصيغته الحالية، اذ انه دستور فضفاض والكثير من مواده ونصوصه غير واضحة يشوبها الكثير من الغموض واللبس وعدم الدقة القانونية وقابلة بل خاضعة لأجتهادات قانونية كثيرة ومتناقضة وهذا ما يساعد في تعميق الخلافات والتقاطعات بين الكتل النيابية في اجتهاداتها وتفسيراتها عند الاختلاف على أية قضية دستورية، مما يتطلب اعادة النظر بمواد الدستور من ديباجته الى اخر مادة من مواده وتعديله وجعله اكثر قرباً من واقع بناء النظام الديمقراطي في العراق. ان تعديل الدستور يتطلب ان يكون بأتجاه تحقيق المضامين المشار اليها في اولا وثانيا اعلاه.
رابعا: كذلك افرزت الانتخابات الكثير من التعقيدات القانونية والدستورية فيما يخص تكوين الكتل الانتخابية ومصادر تمويلها لحملاتها الانتخابية وما استغل من قبل الكتل المتنافسة في هذا الجانب سياسيا للاساءة بعضها لبعض كان له كبير الاثر على نزاهة اللانتخابات. وغياب المحكمة الدستورية المختصة بتفسير مواد ونصوص الدستور والتعويض عنها بأخرى غير مختصة بهذا الشأن اصبح موضوعا للاخذ والرد بين الاطراف المعنية المتنافسة في الانتخابات، وكذلك ماحصل بشأن اجراءات قانون المساءلة والعدالة وعدم شرعية هيئتها التنفيذية قانونا، وكذلك ماحصل بسبب تركيبة وطبيعة المفوضية العليا المستقلة للانتخابات والتي لم تكن كذلك في سلوكهاعمليا والمنحازة سياسيا والواقعة تحت تأثير قوى السلطة الحاكمة. كل هذه الامور خلقت مشاكل ومصاعب واسبابا اثقلت العملية الانتخابية بعوامل واسباب الفشل وجعلتها عرضة للشكوك والطعون في نزاهتها ومصداقيتها ومن ثم ما ترتب على ذلك من مصادرة لإرادة الناخب لغايات واجندات سياسية وعدم احترام صوته وبالتالي الفشل في انجاز انتخابات ديمقراطية نزيهة وناجحة، لا يخفى على المراقب السياسي دور المفوضية العليا المستقلة للانتخابات والمحكمة الاتحادية اللتين من المفروض بهما الوقوف على بعد مسافة واحدة من جميع القوائم، الا انه كانت سمة الانحياز لهما السبب في كل ماحصل من الاشكالات بين الكتل النيابية الفائزة في الانتخابات وما اثير من شكوك حول نزاهة وديمقراطية الانتخابات. وهذا يضع مجلس النواب القادم امام مسؤولية تاريخية تجاه الشعب العراقي الذي ضحى بالكثير واولاه ثقته ان ينجز الاتي في سبيل وضع الامور على مسارها الصحيح لاستكمال انجاز المصالحة الوطنية الحقيقية بين مكونات الشعب واستكمال مستلزمات العملية الديمقراطية لبناء نظام سياسي ديمقراطي وبالتالي بناء ركائز الدولة الديمقراطية لغرض انجاز العملية السياسية في البلد وايصالها الى الاهداف الوطنية المرسومة لها وفقاً للدستور العراقي
* انجاز تعديل الدستور الحالي
* انجاز قانون الاحزاب
* انجاز تشكيل المحكمة الدستورية
* انجاز تشكيل الهيئة التنفيذية والتمييزية لتطبيق قانون المساءلة والعدالة
* اعادة تشكيل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات وان يكون مجلسها من قضاة ذوي الخبرة ومستقلين في توجهاتهم وانتماءاتهم السياسية.
خامسا: ان يكون العراق دائرة انتخابية واحدة للمكونات القومية والدينية الصغيرة دون توزيع مقاعدها المخصصة بموجب "الكوتة" على الدوائر الانتخابية اي "المحافظات" كما هو عليه الحال الان وذلك لابعاد هذه المكونات من تدخل الاخرين في شؤونها وتاثيرهم في فرض المرشحين على الرغم من ارادة ابناء هذه المكونات وكذلك منع التصويت لغير ابناء هذه المكونات لقوائم الكوته لكي لايتم مصادره هذه المقاعد في بعض الدوائر او المحافظات لصالح اطراف اخرى من خارج المعنيين بالكوتة.
سادسا: بالنظر للاشكالات والالتباسات والاجتهادات التي حصلت بالنسبة الى تصويت الجاليات العراقية المقيمة في بلدان المهجر لغرض اثبات عراقيتهم ومن ثم المحافظة التي ينتمون اليها في العراق. اجد من الضروري ولغرض انصاف عراقيي المهجر ان يكتفى عند التصويت بابراز مايثبت عراقيتهم دون الحاجة إلى اثبات المحافظة التي ينتمون اليها لصعوبة تأمين مثل هكذا وثائق ويكون الناخب حرا في التصويت للدائرة الانتخابية التي يختارها واعتقد ان الناخب طوعا سوف يصوت لمحافظته اعتزازا منه بها.