اين إختفت كنائس الشرق؟
التاريخ يكشف ان قمع الرومان لمسيحيي الشرق بالحديد والنار له تأثير بالغ على انتشار الكنائس في المنطقة العربية.
ميدل ايست اونلاين
القاهرة – من سعد القرش
في استعراضه لتاريخ المسيحية الشرقية يرى مؤرخ مصري أن معظم الكنائس الشرقية اجتازت محن الحديد والنار وخرجت منها صامدة لكن بعضها لم يتحمل تلك الصدمات فبادت ومنها كنائس في شمال افريقيا وبلاد النوبة.
وقال الدكتور عزيز سوريال عطية ان كنائس في بقاع متفرقة من العالم كانت لها أمجاد عظيمة لكنها لم تصمد في وجه أحداث جارفة فاختفت رغم رسوخها اللاهوتي والعلمي.
وأعطى مثالا بكنائس في ثلاثة مراكز هي مملكة النوبة في أعالي نهر النيل فيما وراء الشلالات المصرية اضافة الى مركزين في شمال افريقيا هما قرطاج وقورينائية التي كانت تضم خمس مدائن تمتد من اقيلم برقة في ليبيا الى الصحراء الغربية المصرية.
وقال عطية في كتابه (تاريخ المسيحية الشرقية) ان كنيسة قرطاج كانت تتطلع الى الكرسي البابوي في روما في حين كانت كنيسة قورينائية مرتبطة بكرسي الاسكندرية في مصر.
وأشار الى أن رجال الدين في المدائن الخمس تلقوا تعليمهم في مدرسة الاسكندرية وأنه من وجهة النظر الكنسية فان المدائن الخمس تتبع منذ تاريخ مبكر كرسي الاسكندرية البطريركي كما تعرضت للاضطهادات نفسها التي تعرضت لها الاسكندرية على أيدي الرومان.
وأضاف أن لقب بطريرك الكرازة المرقسية لا يزال الى الان يتضمن رعويته للمدائن الخمس وأن تنقل الكنسيين والمبشرين بين مصر والمدائن الخمس كان يماثل تنقل نظرائهم بين قرطاج وروما.
وقال ان الجوار الجغرافي بين قرطاج والمدائن الخمس جعلهما يشتركان في بعض الامور فكلتاهما كانت نقطة التقاء ثقافات وأعراق من الفينيقيين والاغريق واليهود والرومان والمصريين الى جانب سكانها الاصليين من البربر.
وأضاف أن التنوع العرقي والثقافي كان من عوامل ازدهار نهضة علمية في تلك المنطقة من الشمال الافريقي.
وقبل تناول الكنيسة البائدة في بلاد النوبة توقف المؤلف أمام علاقة النوبيين بالمصريين قائلا ان تلك المنطقة الواقعة في أقصى الجنوب والممتدة في حدود السودان كانت مفتوحة أمام المصريين منذ الاسرة الفرعونية الثانية عشرة (نحو 1991 - 1786 قبل الميلاد) وأن أهلها كانوا يتلقون "بكل ترحاب" الثقافة المصرية ومن بينها الديانة وأن الفراعنة شيدوا هناك كثيرا من المعابد خاصة في عهد رمسيس الثاني الذي حكم البلاد نحو 67 عاما ابتداء من عام 1304 قبل الميلاد تقريبا.
وقال ان الحركات التبشيرية القبطية وصلت الى النوبة في وقت مبكر وان ملوك النوبة أنفسهم طلبوا من الكنيسة المصرية أن ترسل اليهم المبشرين ليعرفوا بلاط الملك النوبي بالانجيل. وبنهاية القرن السادس تغلغلت المسيحية في قلب تلك الممالك التي رحبت بها ولم تصبح المسيحية قاصرة على الطبقة الارستقراطية كما هو الحال في الشمال الافريقي حيث "بقي البربر على خرافاتهم الوثنية ولم تفعل كنيسة الاسكندرية شيئا للاخذ بيدهم".
وأشار الى مجموعة أسباب أدت الى اختفاء الكنيسة المسيحية وانتهاء دور المسيحية في الشمال الافريقي أمام "الزحف العربي" منها هجرة الكثيرين الى أوروبا وقدوم موجات من الهجرة العربية اضافة الى اعتماد اقتصاد الشمال الافريقي على تجارة العبيد الذين تحرروا وتحققت لهم المساواة بعد ذلك.
أما بلاد النوبة فقاومت الجيوش العربية بل كانت تناوئ الحكومة المصرية وتهاجم الصعيد وترفض "دفع الاتاوة للوالي العربي... المحنة الحقيقية التي ألمت بالكنيسة النوبية كانت أثناء حكم السلاطين المماليك في مصر.
"وجه السلطان الظاهر بيبرس حملتين سنة 1275 وسنة 1276 لزرع الشقاق بين أميرين متنافسين على العرش النوبي وانتهى الامر بعقد معاهدة يدفع بمقتضاها أهل النوبة جزية بمقدار دينار ذهبي عن كل ذكر بالغ" ثم واجهت الكنيسة النوبية بعد نحو مائة عام على تلك الحملات مصيرا يتشابه مع مصير الكنائس البائدة في الشمال.
ويعد الكتاب دراسة بانورامية للكنائس الشرقية غير اليونانية وهي القبطية والاثيوبية واليعقوبية والنسطورية والارمينية والمارونية.
ويقع الكتاب الذي ترجمه الى العربية اسحاق عبيد في 666 صفحة كبيرة القطع وصدر عن المجلس الاعلى للثقافة بالقاهرة.
ويضم الكتاب ملحقا للوحات وصور احداها لدير السيدة العذراء في دير السوريان في وادي النطرون الذي تأسس بمصر في القرنين الرابع والخامس وأخرى لنحت على الخشب يرجح أنه يعود الى القرن الخامس ويمثل دخول السيد المسيح مدينة القدس.
وعمل مؤلف الكتاب أستاذا لتاريخ العصور الوسطى بكلية الآداب جامعة الاسكندرية اضافة الى جامعات بريطانية وألمانية وأمريكية كما شغل منصب مدير معهد الدراسات القبطية بالقاهرة وأسس مركز الشرق الاوسط بجامعة يوتا في الولايات المتحدة.
ويرى عطية أن تناول الكنائس الشرقية أمر شديد التعقيد والإثارة أيضا مشيرا إلى أن الكنائس الكبرى للمشرق المسيحي ظهرت في وقت كانت فيه ذكرى صعود السيد المسيح ماثلة في الأذهان ولهذا تكتسب أهمية خاصة في تلك الفترة المبكرة لترسيخ أركان الإيمان.
وقال إن ما وصفه بجمود هذه الكنائس على مر القرون يدلل على قيمتها العظمى في سجل الحوليات المسيحية مشيرا إلى منهجه في تلمس ما اعتبره حقائق ثابتة في المسيحية الباكرة بعيدا عن "المضاعفات التي طرأت عليها في تواريخ لاحقة وعن لغط العصور الوسطى والحديثة... إن عددا وافرا من اللاهوتيين والشراح المرموقين قد ساهموا بحسن نية في تجهيل العقلية الغربية بل وتغريبها عن الكثير من مفردات ومكونات المسيحية الشرقية ونقاوتها وبساطتها البكر".
وأضاف أن بعض الكنائس التي لم تعد في السنوات الأخيرة تمثل أهمية كبرى كان لها ذات يوم سجل مجيد في التاريخ الكنسي.
وقال إن "العقلية الشرقية" والمسيحيين الشرقيين تعرضوا لإساءات ابتدعها وروجها كتاب من الرومان قال إنهم ينظرون إلى الشرق من خلال زاوية ضيقة لا تتجاوز حدود إيمانهم الكاثوليكي "في نبرة عنيفة تشي بالطائفية وبقصور في الفهم".
وأضاف أن هناك كتابا من البروتستانت متعاطفين وحسني النية ولكنهم في رأيه فشلوا في تفهم جوهر المسيحية الشرقية.
ولم ينكر عطية دور الوازع الإيماني وعضويته في الكنيسة القبطية بحكم المولد والتنشئة في تناول الأحداث التاريخية من زاوية مختلفة عن الباحثين الكاثوليك أو البروتستانت بهدف إيجاد قدر من التوازن في مواجهة ما وصفه بطوفان الكتابات عن تاريخ المسيحية الغربية.
وأشار إلى أن القارئ سيجد "حنوا من جانبنا يشي بعبق وتراث الكنائس الشرقية".
وربما بدا هذا الحنو في قول المؤلف إن تاريخ الأقباط بصفة عامة في تاريخ المسيحية لم يحظ بحقه من التقدير لأنه يغفل أو يرد مبتسرا.
وأرجع ذلك إلى أن الأقباط اختاروا أن يعيشوا متوارين عن الأضواء لأنهم بعد أن "كان لهم موقع الصدارة في الكنيسة العالمية لعدة قرون قرروا (في القرن الخامس) الانفصال عن السلطة الكنسية المتنامية في الهيمنة في الغرب الأوروبي لينصرفوا إلى طقوسهم المحلية وطرائق عبادتهم المصرية حفاظا على هويتهم وكرامتهم الوطنية".
وأضاف أن مصر "مع مجيء العرب" إليها في القرن السابع أدارت ظهرها كلية للغرب ولم تعد للمجتمعات المسيحية الشرقية الهالة التي تمتعت بها في المراحل الأولى في تاريخ المسيحية وهكذا نسي العالم أو تناسى دور هذه المجتمعات في انتشار العقيدة المسيحية في سنواتها الأولى.
وارتبط مصطلح الأقباط بالمسيحيين المصريين ولكن مفكرين مصريين يرون أن هذا المصطلح ليس دقيقا لأن كلمة القبطي تعني المصري أيا كانت ديانته فالقبط في رأيهم دلالة على الجنسية لا الديانة. وكان اليونانيون يشيرون بكلمة إيجبتوس إلى مصر ونهر النيل معا.
ونوه عطية إلى أن الأقباط بوجه خاص على عكس النساطرة ومسيحيي الهند لم يتواروا كلية في طي النسيان بالنسبة للعالم الخارجي واستشهد بكتابات الرحالة الأوروبيين في العصور الوسطى عن الأقباط.
إلا أنه شدد على أن ما يعرف عن التاريخ القبطي لا يزال خطوطا عامة وأن "التاريخ الشامل والمحدد للكنيسة القبطية لم يكتمل بعد... حقل الدراسات القبطية لا يزال فقيرا إن هو قورن بحقول الدراسات المصرية القديمة (الفرعونية) أو الدراسات الإسلامية مع أن الحقبة القبطية تحتل حلقة جوهرية في الربط بين الحقبتين".
http://www.middle-east-online.com/?id=38306