عهدٌ جديدٌ للشرق *حبيب افرام
"تحولات". ليس اسم مجلّة دعت الى لقاء فكري.
إنه عصرٌ يعيش سباقاً مذهلاً بين اكتشافات فضاء وجينات
وبين حروب واصوليات.
بين علم يدعي الوهة حتى الخلق
وبين عنف يريد احتكار الله حتى القتل.
"تحولات. انه حوار عقل. وأنا دائم البحث عن مساحات فكر
تأخذنا الى ما هو ابعد من صراعاتنا الصغيرة على مخترة أو بلدية
أو حتى الى وجاهة فارغة.
إنه التزامي حتى العظم بقضية اعطيتها عمري:
المسيحية المشرقية قدراً ودوراً.
شاكراً الاستاذ سركيس ابو زيد كاتباً ومفكراً ورفيقاً في الهم المشرقي!
أيها الاصدقاء، اي تحولات سلبية أصابت هذه المسيحية؟
1- أنها تكتب بالدم بالجراح بالاضطهاد منذ الصليب. تاريخ زاخر بالمجازر والغزوات والاحتلالات دفع المسيحيون، الحلقة الاضعف، افدح اثمانها. 1915 مجزرة عثمانية اهدرت دم مليون ونصف أرمني،و سيفو على اعناق السريان في طورعابدين حوالي مئتي ألف شهيد، سيميل في 1936 الاشوريون يضطهدون في العراق آلاف القتلى، جبل لبنان الجنوبي يهجّر بكل قراه عام 83، ثم من 2003 حتى اليوم اكثر من الف هجوم مباشر على مسيحيي العراق.
2- انها تقتلع من أرضها. تكاد تمحى حضاراتها. حتى أسماء مدنها وقراها تغيَّر. إما لأسماء تركية أو عربية أو كردية! أو أصبحت خراباً دون أهلها. صرنا هنوداً حمر! دياربكر زرتها احتفاء بإعادة افتتاح كنيسة سريانية منذ اعوام لأكتشف انه لم يعد فيها حتى سرياني واحد ليهتم بالكنيسة! الرها أورفا مَن يعد منازل مسيحييها؟ أين ماردين في حضورها المسيحي؟
هنرييت عبودي كتبت من باريس هذا العام رواية خيال بعنوان "وداعاً يا ماردين" رغم انها لم تزرها قط. صارت المدينة اطلال فكر. أين اورميا في ايران اليوم؟ أين مسيحيو البصرة؟ كنائسها الاربع مغلقة. اكثر من ستين كنيسة في بغداد اغلقت بالكامل. أين مسيحيو بيت لحم؟ من يشهد امام مذود الربّ.
صحيح اننا لسنا عدداً، صحيح اننا لا نقبل أن نكون حارات نصارى. لكن الانهيار مخيف.
3- أنها صارت كنائس انطاكية وسائر الاغتراب. أصلاً اين انطاكية؟ حين زرتها تيقنت ان عظمة ما مثّلت راح. يتغنى اللبنانيون ان في البرازيل ملايين من اصول بلاد الارز. لكن هل نسينا بغبائنا ان من يخسر الأرض يخسر كل شيء. ماذا يعني ان يكون مئة الف آشوري في شيكاغو ينتخب منهم أقل من عشرة في المئة في الانتخابات العراقية؟ ماذا يعني ان يكون مئة الف كلداني في ديترويت ولا يبقى في "القوش" إلا بضعة آلاف؟ ماذا يعني ان يصبح سريان سودرتاليا في السويد أكثر عدداً من سريان القامشلي؟ انه مُلك لم نحافظ عليه. نحن دون الشرق عراة.
4- انها ضحية محيطها. ان الانظمة العربية والاسلامية بأغلبها غير مدركة لأهمية هذا الحضور، لسر التنوع والتعدد واحترام الآخر متساوياً، لانها غارقة في غيبوبة فكرية، في أزمة الحريات بكل أبعادها. دلني على وطن يشعر فيه المسيحي بالحرية والكرامة والمساواة. دلني على زعيم واحد يحمل هذا الهم. في زيارتي لسهل نينوى اثر تهجير مسيحيي الموصل، التقيت العديد من الشباب المهجّر كانوا يقولون لي لا امل لا رجاء بأحد، ولا بأي سياسي ولا بأي حزب لا عرباً ولا كرداً. ليس في الافق ما يدعونا للصبر وللصمود.
5- انها منقسمة على ذاتها رغم المخاطر، تلتهي بالقشور، تعبد الهاً آخر هو المال، أحياناً حساسيات الطوائف والمذاهب والاوطان تباعد. أحياناً تظن أنها عشائر تتخاصم دون مشروع. يقبلون الذمية، يسبِّحون بحمد كل سلطان. مئات الاجتماعات حتى نتفق على اسم شعب هل نحن كلدان ام آشوريون ام سريان ام لنا اسم مركب، ام قومية واحدة، ام أولاد عم، ام اخصام؟ فرخنا عشرات الاحزاب والتنظيمات الفارغة. تذابح الموارنة وتقاتلوا؟ في عز الهجمة عليهم اختلفوا على جنس ملائكتهم.
6- في انها مستهدفة مباشرة من الاصوليات الالغائية. انه تحول دراماتيكي مع مجموعات تصول وتجول، تغتال وتروع، ولا من حسيب. لم تقدم الحكومات العراقية اي مسؤول عن الهجمات ضد المسيحيين الى محكمة. لم نعرف حتى اليوم من قتل مطراناً وكاهناً، من هدد الأطفال في المدارس، من فجّر الكنائس؟
لكن بالمقابل هل هناك تحولات ايجابية؟ نعم أهمها :
1- في أننا ما زلنا 15 مليون مسيحي مشرقي واكثر لن ندفن قبل ان نموت. ولن نتوارى قبل الأوان. ما زلنا ملحاً في الشرق. هذا بحد ذاته تحد.
2- في ان هناك وعياً أعمق لهويتنا، بكل تراثاتها وكنائسها وقومياتها ولغاتها – مع أنهم يريدون حتى خنق لغاتنا مثل السريانية التي كانت لغة المشرق. لماذا لا تعتبر ارثاً وكنزاً وتعلم لغة وطنية مقدسة في بلاد الشرق مع العربية لغة القرآن الكريم – هل يفهم الشرق عظمة هذا اللحاق الحضاري؟
3- في ان فينا روحاً مسيحية مؤمنة حتى الشهادة. اننا شعوب قديسين. لسنا حائرين. ان في صلب ايماننا ان بعد الصليب قيامة. ألا يشبه من بقي في بغداد صامداً المسيحيين الاوائل، يجري رميهم لكن ليس للاسود.
4- في ان رسالتنا ان نطرح نحن عهداً جديداً للشرق. لن ننكفئ. نحن لسنا حصان طروادة لاحد، خاصة لمشاريع غربية. كل الآخرين في العراق لهم اجندات سياسية وعلاقات مع خارجه إلا المسيحي.
ونحن لسنا اقليات تحركنا سفارات. ليس لدينا عقدة. نرفض اي اتهام او شك في ولائنا. انا دعوت الى انتخاب رئيس جمهورية عراقي مسيحي لأنه ربما الاكثر وطنية دون اي ارتباطات.
اذا لم نكن نحن نهضة فلا دور لنا.
5- في ان اغترابنا قادر على ضخ دم جديد وفكر جديد في عروق شعوبنا. دون مغالاة ولا جنون، هو مدعو اكثر ليصبح رافعة مستفيداً من تواصل تكنولوجي يجعله في قلب الحدث. ان ملايين المسيحيين المشرقيين هم ثروة لا يكفي ان نذكرها على كأس عرق، او ندعوها فقط لقضاء اعياد مجيدة او صيف زاهر، أنه خميرة نضالية يجب استثمارها.
ثم ماذا بعد هذه التحولات؟ نحن الى اين؟
المسيحية المشرقية في أزمة. صحيح. تتراجع في الديموغرافيا والجغرافيا. لكن كل المنطقة في أزمة، حكاماً وشعوباً.
هل المطلوب أن نندب؟ قطعاً لا.
نحن من يصنع مستقبلنا.
علينا ان نقنتع نحن برسالتنا حتى نقنع بها الآخرين.
ليس من حلول جاهزة، ولا من سحر!
لن نستيقظ يوماً ونرى ان كل شيء حسن.
انها مسؤولية مشتركة.
- مسؤوليتنا كشعوب وكنائس ان ننتفض، ان نعلن حالة طوارئ سياسية واجتماعية وتربوية، لنترجم الارشاد الرسولي ولنحضر لسينودس الشرق. انها ورشة تبدأ من فوق من رأس هرم كل سلطة مذهبية.
- مسؤولية الانظمة حتى تعامل المسيحيين "بتمييز ايجابي". كيف نفهم ان المسيحيين الذين يشكلون 5 الى 6 في المئة من الشعب العراقي اعطوا كوتا من 5 نواب فقط على 325 بدل ان يكون لهم 15 على الاقل. كيف نفهم ألا ينتخب قبطي في مصر رغم اعدادهم بالملايين. الاّ يكون لهم أحزابهم؟
- مسؤولية الاحزاب الاسلامية بكل مكوناتها التي لا نسمع منها ايمانها بالمساواة بين المواطنين، لا كمنة من سلطان، ولا كذمة عند احد، بل كحقوق مكرسة في الدستور. مسؤولياتها في محاربة الغلو والارهاب بدل أن تدفن رأسها في الرمال.
- مسؤولية الغرب الخبيث الذي يدعي مبادئ لكنه يصمت من اجل مصالحه. ويسكت عن تهجير المسيحي. هل معقول ان يخسر المسيحي نصف حضوره تحت ظل الاحتلال الاميركي في العراق! ما هذه الإدارة الاميركية التي تتذاكى بتسهيل لجوء الف مسيحي من العراق شهرياً. بحجة ان له اقرباء فيها؟ ما هذه الادارات الفرنسية والالمانية وغيرها التي تعطي كوتا للهجرة المسيحية؟
هل في كل الادارة الاميركية ملف على اي مستوى عنوانه مسيحيو الشرق؟ اعرف ان لديهم عشرات المشاريع والدراسات حول مستقبل الاكراد!
مسموح ومرحب به ان يكون للأكراد حكم ذاتي، بل إدارة مستقلة بل شبه دولة، وجيش وحدود، لكن كثير على سكان سهل نينوى ان يشعروا بالأمان في قراهم التاريخية؟ هو الكيل بمكيالين.
أيها الأصدقاء،
الى الشرق در دائماً
لأننا منه وفيه وله.
ان مصير مسيحيي الشرق هو في يد كل واحد منا.
وهو بكل الاحوال سر من اسرار التكوين.
نحن لسنا هنا هكذا بالصدفة.
نحن شهود تاريخ.
لكن كلما ازداد جنوننا في مشاريع وهمية دفعنا ثمنها من لحمنا و زاد سقوطنا.
وكلما مارسنا فكرنا بأرجلنا وبحقائب السفر، انتهينا.
وكلما وعينا ذاتنا بكبرياء وبمحبة والتزمنا قضايا الحق وبقينا نحمل رسالة النهضة لنا وللشرق
نبقى حتى انتهاء الأزمنة.
____________________________________________________________
كلمة رئيس الرابطة السريانية حبيب افرام في محاضرة بعنوان مصير مسيحيي الشرق"العراق نموذجاً" بدعوة من مجلة "تحولات" في 20 نيسان 2010 – الحمرا- بيروت - لبنان