--------------------------------------------------------------------------------
الأدب في المعارك الأدبية
كان الشاعر النابغة الذبياني يقوم بدور الناقد في أيام الجاهلية، فكان يشيد ببيت شعر أو يبرز مواطن الضعف في بيت آخر، وقرأنا أن بعض الشعراء غضبوا منه لتفضيله شعر الخنساء على كُثيِّر.
لكن لم نقرأ أنه أساء لفظا لشاعر أو قلل من موهبة شاعر. كان ينتقي كلماته ويحكم بالصدق والتجرد.
وفي العصر الإسلامي ظهر كتاب البيان والتبيين للجاحظ والبديع لعبدالله بن المعتز وطبقات فحول الشعراء لابن سلام الجمحي وظهر الأصمعي والجرجاني. وتميزت كتابات هؤلاء وغيرهم بالدقة والبحث والصدق.
وظهرت كلمة نقد عند العرب لأول مرة في القرن الرابع الهجري على يد قدامة بن جعفر في كتابه نقد الشعر.. وعرف الباحث عبدالرحمن العسكر هذه الكلمة بقوله: إذا أراد الناقد أن يكون نقده هادفاً ومثمرا فإنه ينبغي له أن يكون قبل كل شيء واسع الثقافة عميقها، واسع الأفق، رحب الصدر بعيد النظر، وأن يكون متجردا من الأغراض الشخصية فلا يتعصب لجنس على حساب جنس آخر ولا لطائفة على حساب أخرى، ولا لوطن على وطن، بل يكون رائده البحث عن الحقيقة والصواب، وينبغي له أيضاً أن لا يجعل للهوى الشخصي طريقا إليه، فإن الكاتب متى ما سيطر عليه الهوى وكان مطلبه الدفاع عن الذات من دون هدف الوصول للحق متى ما كان كذلك فإن كتاباته تفقد مصداقيتها وينفر منه القراء، كما أنه يجب على الناقد أن يمسك عنان لسانه فلا يكيل الكلام جزافا من غير حاجة سواء كان ذلك في مدح أو ذم، وأن يكون عنده القدرة على التعبير عما يريد التعبير عنه، وهذا يوجب عليه أن يكون له معرفة بالأساليب البلاغية وما أشبهها من تلك التي يستخدمها الكتاب في كتاباتهم، كما أنه ينبغي للناقد أن يكون حرا فيما يكتب، بمعنى أن لا يبني أحكامه على ما قاله شخص آخر بل ينبغي أن يكون له شخصية تبرز في كتابته.
-«باختصار شديد على من يختار هذا المجال أن يكون محصنا بالأخلاق والثقافة، الأخلاق العالية التي تمنعه من الانسياق وراء عواطفه الخاصة والثقافة التي تؤهله لأن يكتب عن دراية ومعرفه وعلم، وكان سقراط من مئات السنين يستوقف السوفسطائيين الذين يقلبون الباطل إلى حق وهو حافي القدمين ورث الثياب ويحاورهم بلطف وهدوء حتى يغلبهم على أمرهم.
وفي العصر الحديث تفرغ أشهر رموز الأدب العربي لنقد بعضهم البعض وأطلقوا على هذا النقد الذي يصل إلى حد الابتذال أحيانا اسم معارك أدبية في حين أنها أبعد ما تكون عن الأدب.
ولأنه لم تكن فكرة اللجوء للقضاء ورفع دعوى لرد الاعتبار واردة آنذاك فقد تمادى البعض كما فعل شيخ الأدباء العرب (مصطفى صادق الرافعي) حين نشر سلسلة مقالات عنونها بعناوين مهينة وعنوانها الرئيسي على السفود، وكانت موجهة ضد العقاد الذي سبقه بالتجريح بمقالين ساخرين, ولم يجد حرجا من أن يصف العقاد وصديقه المازني بالخنازير الإنسانية.
وأدت الانتقادات العنيفة على صفحات الجرائد بسبب كتاب طه حسين» الشعر الجاهلي» إلى إقالته من منصبه في الجامعة. وكذلك علي عبدالرازق الذي تجرأ وقال إن الخلافة لم ترد في القرآن ولا الأحاديث النبوية, وإذا كانت الانتقادات الشفوية في الماضي والتي ظاهرها الحفاظ على القيم وباطنها الغيرة والحسد تؤدي بالمحسود للقتل أو السجن والتعذيب. كما حدث لكثير من العلماء والمؤرخين والأدباء، (القائمة أطول من أن تذكر) فإن الانتقادات المنشورة الآن في مقال أو كتاب تؤدي نفس الغرض, لقد توقف أمير القصة القصيرة عن الكتابة يوسف إدريس لكثرة الانتقادات الموجهة إليه وكان هو أيضا حادا ولاذعا في نقده للآخرين. لكنه كان واحدا ضد مجموعة مما دفع صديقه صلاح حافظ لكتابة مقال عنوانه من قتل يوسف إدريس. وكاد إحسان عبدالقدوس يتوقف عن الكتابة بسبب تحامل سليمان فوزي صاحب مجلة الكشكول والذي تخصصت في شتم الكاتب بلا هوادة. وأصبح كل صاحب موهبة حقيقية مستباحا. لقد كتب الأديب الفرنسي مارتان دوجارد رسالة إلى صديقه الأشهر آنذاك أندريه جيد يقول فيها: كلما التقيت بك ازدادت دهشتي لأنك أعظم بكثير من مؤلفاتك. لقد قرأت منذ قليل كل ما لدي من كتبك. فبدت لي شيئا صغيرا بالنسبة لما أعرفه عنك، إن هذا لا يعني أني أود أن تكثر من الكتابة. بل إني أتمنى لو قللت منها.
إن كل كتاب من كتبك يعبر في كمال فني نحسدك عليه كثيرا عن ركن صغير في الحياة ولكن ما من كتاب من هذه الكتب يعبر عن الحياة، (وهو هنا يشير إلى طريقة أندريه جيد في اختزال الدراسات وبعده عن الحشو والتطويل والتعمق فيما يكتب).
وماذا كانت ردة فعل أندريه جيد الذي بلغ الـ 50 من عمره وأصبح على قدر كبير من الشهرة وفات أوان توجيهه، لقد كتب لصديقه بعد أن تلقى رسالته الطويلة القاسية والتي تشبه في حجمها قصة قصيرة يقول: لا تستطيع أن تتصور مدى المساعدة التي أمدني بها خطابك ومدى ما أشعر به من امتنان نحوك لأنك خاطبتني بهذه الطريقة.
وعكف بعدها على كتابة أهم ما كتبه وهي رواية أطلق عليها «المزيفون» وأهداها إلى صديقه دوجارد وكان نصها: هل كان من الممكن أن يخرج هذا الكتاب لولاك، إني أشك في ذلك، ولهذا فإني أهديه إليك، لقد كنت القدوة التي اقتديت بها، وكانت نصائحك عونا لي لذا حرصت على أن تكون كل صفحة جديرة برضاك. لقد كانت رسالة النقد التي وجهها كاتب لكاتب بعيدة كل البعد عن التجريح والتسفيه. بل إنه شبهه بالقمر الذي لا يرى الإنسان منه إلا جزءا واحدا، إلى هذا الحد كان هناك رقي في أسلوب النقد،وكان سانت بوف أشهر ناقد فرنسي لا يكتب حرفا واحدا عن أي موضوع ما لم يقرأ 20 كتابا أو أقل منه، فكان يعتكف في مكتبه طوال الأسبوع يقلب في الكتب والمراجع ثم ينشر ما كتب في زاويته الأسبوعية حديث الاثنين. وكان يصرح دائما بأن الحقيقة والموضوعية هما الأهم.
إلى هذه الدرجة كانت الأمانة مطلوبة والتجرد من الأهواء الشخصية مطلوب. وأذكر أنني كنت أتحدث مع صديقة مقربة من نفسي ذات يوم حديثا مطولا، وكانت تكيل لي عبارات الثناء والمديح وفي اليوم الثاني شاهدتها مصادفة في لقاء تلفزيوني وكانت تنتقدني بصورة لاذعة، ببساطة العدو يأتي من الداخل متمسحا بلباس ليس له أو كما قالوا ما عدوك إلا ابن كارك، وصرح سلامة موسى في لقاء صحفي أنه لا يوجد بين أدباء مصر أديب واحد يستحق أن يحمل التاريخ آثاره إلى الأجيال القادمة. فرد عليه العقاد ردا قاسيا وقال: سلامة موسى لا هو أديب ولا هو عالم إنه لا يعبر إلا عن حقد وشعور بالفشل, وكان رد كامل الشناوي: سلامة حاقد موهوب يعبر بسهولة عن آراء غيره ولا يعرف عن الأدب إلا عناوين الكتب وأسماء الأدباء، أما توفيق الحكيم فرد قائلا: لا تقيموا وزنا لحكم سلامة موسى فقد انقطع عن القراءة منذ ربع قرن، هذه نماذج بسيطة من أسلوب النقد والرد عن نقد ولا تختلف عن أساليب النقد الحالية، إذ يعتقد الأشخاص غير المؤهلين أن النقد عبارة عن هدم ولـ «أرسكين كالدويل» الكاتب الأميركي عبارة ساخرة تقول: إذا كنت حريصا على الآراء النقدية الجيدة فعليك أن تتوقف عن كتابة أي شيء.
* كاتبة قطرية