سفير الحرية


المحرر موضوع: سفير الحرية  (زيارة 480 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل عمانويل ريكاني

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 135
    • مشاهدة الملف الشخصي
سفير الحرية
« في: 12:22 05/05/2010 »
               
   سفير الحرية

   
بقلم عمانوئيل يونان الريكاني


 " الروح في داخل المرء وقتلها في أعماقه باسم الله أو الدين أو العادات أو التقاليد البشرية ،وتمنع تحريره روحيا وثقافيا واجتماعيا وسياسيا .هذه الحرية لم يولد الإنسان حرا لكنه أمر أن يكون حرا "بهذه العبارة البليغة وصف الفيلسوف والطبيب اليهودي موسابن ميمون 1135_1204الحرية.
فهي حقيقة إنسانية تسري في دمائنا وعروقنا ،وهي رغبة المعذبين والمتألمين وحلم المقهورين والمأسورين،إنها صراع الإنسان ضد عبودية ألانا والخطيئة والشرائع الخانقة،وانتفاضة في وجه القوالب الفكرية والمجتمعية والأطر العقلية والنفسية التي تحاول خنق ستكون محور المواجهة بين يسوع والفريسيين ،أي بين حرية الروح وإيديولوجية الحرف.

إن كلمة (فريسي) تعني المنفصل أو المنعزل (باللغات السامية)،وهم جماعة كانت ترفض الاختلاط بالغرباء باسم الدين ،وصاروا حزبا دينيا وتيارا فكريا وحركة علمانية .تعود فترة ظهورهم إلى أواسط القرن الثاني قبل الميلاد،ومن المرجح أنهم كانوا من جماعة الأتقياء الذين حاربوا إلى جانب المكابيين ضد الملك السلوقي انطيوخوس ابيفانوس (215 _164)ق.م .لم يكن لديهم مؤسس ولا سلطة هرمية ولا سلسلة مراجع في تنظيمهم.كانوا يعيشون على شكل جماعات تنتشر في كل مكان ،وتحاول نشر أفكارها ومسلكها في الحياة بين الناس لجذبهم وإدخالهم في مذهبهم .يعتمدون على التقاليد الشفهية وعلى الشريعة ،ويقولون أنهم يكملان بعضهم بعضا ،فهم وجهان لعملة واحدة ،ولا يمكن أن يستغني احدهم عن الآخر،وهم بعكس الصدوقيين ،الذين لا يعترفون إلا بالشريعة المكتوبة .وللفريسيين مدرستان مكتوبتان كانتا بمثابة مراجع عليا للمنتمين إلى حزبهم،وهما مدرسة (رابي شمعي )وهي ممثلة بالخط المتشدد.ومدرسة (رابي هليل)وهي ممثلة بالخط الإصلاحي .واستطاعوا أن يؤثروا بالشعب اليهودي آنذاك،ويسجلوا حضورا قويا في النفوس ويكسبوا الاحترام والتقدير،إذ كانوا مثالا للتقوى والأمانة والعيش بحسب الفرائض والوصايا.وكان على الراغبين بالانتماء أليهم وتبني نمط حياتهم أن يؤدوا فريضتين أساسيتين هما دفع العشر وحفظ المتطلبات الطقسية في التطهر.


   الفريسيين والشريعة
كان الفريسيون يعدون كمال تطبيق الشريعة مقياسا لكمال الحياة ،فالشريعة هي السبيل الوحيد المؤدي إلى الخلاص ،وأطاعتها واجب على كل يهودي .ومن شدة تعلقهم بها ،أضحت أكثر أهمية من الله نفسه،إن صح القول .فهم يفتخرون بأنفسهم أنهم ممثلو إسرائيل الحقيقي،وهم البقية الباقية من أل إسرائيل (اش 1/9) التي تعد لمجيء المسيح المنتظر.وكانوا يحتقرون كل من لا يسير بحسب منهجهم الخاص في حفظ الشريعة.واسوا من في أعينهم كانوا العشارين والخطاة خصوصا.فأثقلوا كاهل الناس بقوانين وموانع بلغ مجموعها 613(منها 248 آمرة و365 ناهية )،حتى مزقهم الشعور بالذنب ،ويئسوا من رحمة الله تعالى ،لاستحالة تطبيقها كلها بحذافيرها ،لذا أوجدوا لنفسهم الأعذار والتبريرات الملتوية والملفقة للالتفاف عليها والهرب منها .وبسبب ذلك أمطرهم يسوع المسيح بويلاته التي جاء فيها :ويل لكم أيها الفريسيون ،لأنكم تحملون الناس أحمالا ثقيلة ،أما انتم فلا تمسونها بطرف إصبعكم (متى 23/4_5).لا ينكر وجود دوافع حقيقية ورغبة صادقة لدى الفريسيين للعمل بما يرضي الله والضمير والاعتزاز بالانتماء الوطني والشعور الديني ،فقد كانوا يجتهدون حقا بالمواظبة على الصلاة في أوقاتها ،ويصومون يومين في الأسبوع ،لكن هذه كلها لم تكن تصب في الغالب إلا في قناة حب الظهور أمام الناس .فيؤنبهم يسوع على ريائهم ،لا على تقواهم وطاعتهم لله .بل قد بلغ التطرف لديهم حدا يقف بين الكبرياء والوسواس في تطبيق فرائضهم الأساسية ،وهي التطهر وحفظ السبت وأداء العشور ،إلى حد إهمال جوهر الشريعة وروح الديانة ،وهي العدل والرحمة والأمانة ، فصادروا طهارة القلب على حساب الطهارة الخارجية.إن صرامة موقف الفريسيين هذا ينطبق عليه قانون الحركة الذي حلله عالم الفيزياء اسحق نيوتن 1642_1727:أي : إن لكل فعل ردة فعل تساويه في المقدار وتعاكسه في الاتجاه".فبمقدار تمسكهم الحرفي بالشريعة ،يساوي ذلك رفض الله لهم وغضبه عليهم ،فكلما اقتربوا من الدين ابتعدوا عكسيا عن الإيمان الحي .

   حرية أبناء الله                         لقد أحدث يسوع تغييرا جذريا في المفاهيم الدينية حين قلب اولويات الخلاص بإعلان الله هدفا،وان المسيح هو طريق إليه ،أما الشريعة فهي كالمربي تعني بالطفل والقاصر (غلا 4/2).فأقام يسوع ديانة للبالغين ،منبعها الروح والحق بدل ديانة الظاهر _مستودع القوانين والأنظمة والشرائع _لان " الحرف يميت والروح يحيي"(2 قور 3 _ 6).وان الخلاص بالروح وليس بالناموس ." فقبل أن يجيء الايمان كنا محبوسين بحراسة الشريعة إلى أن ينكشف الايمان المنتظر .فالشريعة كانت مؤدبا لنا إلى أن يجيء المسيح حتى نتبرر بالإيمان ،فلما جاء الايمان تحررنا من حراسة المؤدب ....لم يبقى من بعد يهودي أو يوناني ،عبد اوحر،ذكر أو أنثى...لان جميعكم واحد في المسيح (غل 3 /22 _28).لم يأت يسوع لأبطال الشريعة ، بل لإكمالها بتجديد قصدها الأصلي ،فمحبة الله والقريب هي روح الشريعة وليست سيناريوهات ومظاهر .

   الطهارة القدسية                                             
قال القديس أوغسطين " أحبب وافعل ما تشاء "أي إن الإنسان الذي نال الخلاص ،لا يحتاج إلى فرض عليه شريعة من الخارج ،ولا تحديد الحلال والحرام ،أو ماهو مسموح أو ممنوع ،لأنه أصبح على بينة من نور الايمان ،والحياة تكمن في تأصل وقناعة داخلية بمحبة الله ،فيصير هذا الإنسان "شريعة لنفسه " وهذا لايعني عدم الاكتراث بأهمية الشرائع والوصايا ،لكن قيمتها تبقى من الدرجة الثانية ،أي يقتصر دورها في حماية " الشريعة الداخلية ".إن الجديد الذي في المسيح هو انقلاب جذري ، أحدثه في الفكر الديني بالقضاء على تصنيف الأشياء والأشخاص إلى طاهر ونجس ،فقد قال عن الأشياء :"ليس ما يدخل الإنسان ينجسه بل ما يخرج من الإنسان "(مر 7/15_21).أي الأفكار الشريرة .وكذلك لم يصنف الأشخاص بأي اعتبار ،بل انطلاقا من اهتدائهم ،فقال للفريسيين تلك المقولة الشهيرة :"العشارون والزواني يسبقونكم إلى ملكوت السماء "(متى 21/31)،أما بخصوص الطقوس ،فوضع شفاء الإنسان ومساعدته قبل كل عبادة ،فنقض قاعدة السبت بشفائه المرضى وتحريره الناس من سلطان الخطيئة والمرض ،وحتى من استبعاد الشريعة والحدود والقيود التي فرضها الناس ،وسينزل كلامه كالصاعقة سيتردد إلى نهاية العالم عندما قال "السبت وضع لأجل الإنسان ،وليس الإنسان لأجل السبت "(مر 2 /27_28).فالشريعة هي التي يجب أن تكون في خدمة الإنسان ،باعتباره القيمة الأسمى في الحياة وليس العكس .أخيرا سينسف يسوع كبرياء الفريسيين وغرورهم عندما حكى مثل الفريسي والعشار "(لو 18/ 9_14).فجعل نزول الأخير مبرورا دون الأول ،مبينا ان رضا الله يمر عبر اعتراف الإنسان بضعفه البشري وإحساسه بالخطيئة وحاجته إلى الخلاص ،وليس عبر أعماله الخارجية أو قدراته الذاتية او مكتسباته الشخصية _كما تصور الفريسيون .لقد كانت تلك عقدة العقد التي عانوا منها ،فوقفت حاجزا يمنع الاتصال الحقيقي واللقاء الحي مع الله ،ففقدوا ما تمنحه المحبة المجانية من مناعة ، وهي النواة الأصلية لكل ديانة .
   خاتمة                                                           
ان روح " الفريسية "هذه ليست مسالة تاريخية فقط ، ومالتركيز عليها بشدة في الإنجيل سوى علامة على خطرها على كل الناس من أي زمان ومكان ،فأبناء الفريسيين هم هؤلاء الذين يغلب في داخلهم صوت الحرف على انطلاقة الروح ،عندما لا يحسنون قراءة الأزمنة ،وعندما تقولبهم العادات والتقاليد الاجتماعية البالية ،وعندما يصيرون كالمبرمجين والموظفين في الحياة ،فيعيشون على اللازم واليجب والمفروض ...،وعندما تكون آراؤهم وقراراتهم وقناعتهم مبنية على احترام الناس فقط .فيسيرون على أثار الآخرين من دون فحص او تساؤل او نقد ،وعندئذ اذا أحسنت صورتهم في أعين الناس ،عانوا من تضخم الكبرياء لديهم ،ويساوون أنفسهم بالله ،مطلقين الأحكام يمنة ويسرة ،ويؤول الأمر بهم ان يحكموا بالموت على من لا يجاريهم ،كما حدث مع يسوع ، الذي راح ضحية كل هؤلاء الذين عدوا الشريعة محور كل شيء .

Emmanuell_y_alrikani_2009@yahoo.com