أبعاد الحب
في جسم الانسان العديد من الطاقات : طاقة بدنية[ عضلية] ، طاقة نفسية ، طاقة عاطفية ، وطاقة روحية . كل هذه الطاقات موجودة في الانسان والطاقة الجنسية لها علاقة بكل هذه الطاقات . والجنس طاقة غير محدودة تشمل الجسم كله. وهي قابلة للتحول من صورة الى اخرى ، فقد تكون تناسلية او عاطفية او بدنية او روحية او عقلية . وفي جميع هذه المجالات تكون هي الطاقة ذاتها ، لكنها تتخذ أسماء وصور مختلفة تبعآ للمجال الذى ترتكز فيه . لقد أطلق علم النفس الاسم اللاتيني
LIBIDO على الطاقة الجنسية ، وقد تناولها بالشرح اثنان من من عمالقة التحليل النفسي هما فرويد ويونج . الاول أستخدمهافي أطار تناسلي أكثر من غيره ، والثاني أستخدمها في أطار روحي أنساني .
الطاقة الجنسية وهدفها في الانسان:الهدف من الطاقة الجنسية في الانسان هو تكوين روابط بين البشر من اجل بنيان الجسم البشري في المجتمع ، ومن الممكن تسميتها طاقة الترابط ، لذا نجد علاقة كبيرة بينها وبين الحب . وهي طاقة حب وترابط بين الرجل والمرأة ، بين الفرد والمجتمع ، فلا يقتصر هدفها على أكتمال الشخصية الانسانية وحسب ، بل ان هدفها النهائي يكمن في بنيان الخلية الاسرية ومن ثم بناء الاسرة البشرية كلها .
الطاقة الجنسية والعلاقة بين الزوجين:العلاقة الجنسية داخل أطار الزواج ، لايجوز لها ان تنطلق من هدف أناني وهو أشباع الرغبة خاصة عند الرجل ، بل يجب أن تكون غايتها أنماء الحب وتغذيته، فشرعية العلاقة تتوقف على الهدف والنية للوصول الى أنسانية الاخر وأحترامه ، ففي هذه النقطة تتميز المسيحية عن بقية الشرائع التي تعتبر الممارسة الجنسية صحيحة مهما كانت الدوافع . الحب قيمة عليا وعلى الزواج ان يرقيه ويسمو به . وهذه جملة من رسالة البابا يوحنا بولس الثاني عن العائلة يقول فيها [ قد يخطىء الانسان في العلاقة ذاتها عندما يحولها الى أشباع رغبة جنسية أنانية تستعمل الاخر وسيلة للتلذذ الذاتي] .
النزعة الجنسية في الانسان ليست حتميةيتصور بعض دارسي فسيولوجية الانسان والكثير من العامة ، ان النزعة الجنسية في الانسان هي نزعة أضطرارية قاهرة لايستطيع الفرد أن يتحكم فيها ! فمن المعروف ان الهرمونات التي تنظم الجهاز التناسلي يتم التحكم فيها عن طريق أحد مراكز المخ وأسمه هايبوثالموس HYPOTHALAMUS ، وهو مركز الاحاسيس والمشاعر والنزعات الجنسية ، ويقع تحت سيطرة قشرة المخ ، وهي عبارة عن الجزء الخارجي من المخ الذي يمثل التفكير الافعال الارادية . وهنا يكمن الاختلاف بين الرغبة الجنسية وبقية الانشطة غير الارادية في الانسان كحركة المعدة والامعاء .... وكلها حركات تلقائية لاتحتاج الى تفكير ، لذا تتم السيطرة عليها من مركو الهايبوثالموس من دون الحاجة الى سيطرة قشرة المخ ....الخ . اذن النزعة الجنسية خاضعة للارادة والوعي ، وهذه حقيقة يجب الاقتناع بها . والرغبة الجنسية في الانسان ليست ملحّة وأضطرارية ، لكنه يضع نفسه في ظروف معينه يجعله يعتقد ذلك ، فالجنس في الانسان ليس حتميآ ، ولكن دون أن نلغيه من حياتنا لانه جزء أساسي في كيان الانسان ، لايمكن ابعاده لئلا يصبح الانسان ناقصآ . فالبعد الجنسي في الانسان مصدر غنى في وجوده ، لكن المهم أن حسن تدبير هذه الوزنه التي هي نعمة من نعم الله المعطاة لنا . ومن كلمات العالم النفساني فرويد الذي أتّّهم بتأليه الجنس : [ ان الحضارة البشرية تقدمت على مر العصور بقدرة الانسان على ان يسمو بغريزته الجنسية ويعلو بها ] . فالقدرة على التسامي بالغريزة الجنسية الى مستوى أعلى هي احد أسباب الحضارة البشرية . أذن المنزل الجميل هو عبارة عن طاقة جنسية تحولت الى هندسة وعمل ، والمدرسة تحولت الى علم وفن وبحث علمي ، كلها عبارة عن طاقة جنسية سمت الى علم وعمل وصلاة وتأمل وعطاء . ويستطيع الانسان ان يتحكم في طاقته الجنسية ويوجهها سليمآ ، فتتوزع في الجسم كله ، اما بالرياضة البدنية او بالفن او بالصداقة والخدمة والعطاء وكذلك بالصلاة والتأمل ، فهناك علآقة بين الصلاة والطاقة الجنسية عندما يعيش الانسان صلاته بعمق [ نابعة من الاعماق] لامجرد تصرفروتيني او فريضة. فأثناء الصلاة يستهلك الانسان قدرآ كبيرآ من قدراته العاطفية والبدنية والجنسية . والصلاة تفتح للآنسان مجال غير محدود للتعبير عن حبه الاعلى ، لانه لايستطيع ان يعيش بدون حب ، حب الله والبشر معآ . والحب النقي هو الطريقة المثلى لتنقية الجنس واعطائه بعده الحقيقي وهدفه النهائي ، دون ان يصبح حركة شهوانية خالية من اى معنى ، لان الحب يمتص كل الطاقة التي بالجنس ويسمو بها الى مستوى من العلاقة الانساني الفريدة .
الانجذاب بين الجنسين اساسه الاختلاف بينهما :اساس الحب هو تبادل بين شخصين مختلفين الواحد عن الاخر ومكملين بعضهما بعضآ في نفس الوقت ، وهذا الاختلاف هو شرط اساسي للتكامل بينهما ، لانه ان لم يكن هناك اختلاف فلا مجال للاخذ والعطاء . انا اعطي مالديّ وآخذ ماينقصني . ولو خلق الرجل والمرأة متشابهين تمامآ ، لما حدث بينهما هذا التيار الديناميكي الذي نسميه حبّآ.فالانسان لاينجذب لحقيقة مشابهة له ، بل على العكس تمامآ نجده مشدودآ لعنصر يفتقده ويجده في الآخر ، وهذا هو سر الانجذاب بين الرجل والمرأة ، الرجل يريد ان يكتمل والمرأة تريد ان تعود الى أصلها . لذلك حين يقول الكتاب المقدس : [ يترك الرجل اباه وامه ويلزم أمرأته ، ويكونتان كلاهما جسدآ واحدآ ، تك 2 : 42 ] . يشير الى ان في الزواج يعود الانسان الى اصله ليكتمل مجددآ . وكلمة النصف الاخر في العربية والانكليزية والفرنسية هو تعبير بليغ بايجاز عن حقائق جوهرية . ان نزعة الانسان هي نزعة اساسية جوهرية لتكملة كيانه وتحقيق ذاته .
البعد العاطفي في الحب :ان العلاقة الجنسية تهدف الى العلاقة العاطفية وان لم تكن كذلك فلا معنى لوجودها . وبما ان الحب هو نظرة مشتركة بين شخصين نحو هدف مشترك ، فعلى الانسان ان يرتقي بالبعد الجسدي [ الجنسي ] للحب الى البعد العاطفي ، ومنه الى البعد الروحاني الاعلى . لكي يستطيع الحب ان يعيش بابعاده الثلاثة . فالعاطفة البحته قد تقتل الحب وقد يتسرب الملل الى العلاقة العاطفية البحته ، فالرجل والمرأة يحتاجان الى شىء آخر أبعد وأسمى ، ليتجاوزان العلاقة الجنسية والعاطفية ليصلا الى حوار انساني روحاني اعلى . لان خطورة الحب لاتتمثل في الانغماس بالجنس وحسب ، بل ايضآ الانغماس بالعاطفة التي قد تهدد استمرارية الحب ، اذا لم يجد الزوجان منفذآ لأعلى . فبعد ان نعبر عن الحب بكلام جميل ، علينا ان ننطلق الى ابعد حتى لاننغلق على أنفسنا . هذا مانقصده بالهدف المشترك الذي ينتشل الاثنين وينطلق بهما الى الامام . فالحب ليس ان احفظ زوجتي كما هي وان تحافظ علىّ كما انا ، بل هو نمو معآ ويدفع كل منا الاخر الى الامام ، واذا لم يكن في الحب نمو مشترك سيكون حبّآ راكدآ .
البعد الروحاني في الحب:وهي مرحلة يمكن ان نطلق عليها الانتقال من الحب الى المحبة . انها اهم خطوة في الحب ، وبها يتحقق الهدف الاسمى منه ، والحب الذى لايصل الى هذه المرحلة لايستحق ان نسميه حبّآ . فالحب يكتمل بالعطاء ، وكل ماسبق هو تمهيد للعطاء . هو طريق لتحقيق الهدف . العلاقة الجنسية حسنة والعلاقة العاطفية حسنة لكن كل هذا في سبيل تحقيق الوحدة .... الطفل .... هذا هو الهدف الاعلى ، ان يتنافس الزوجان الى العطاء . ويجب ان يكون الحب مطلق وذو بعد نهائي لكي يكون حبّآ بمعنى الكلمة . وهو لايعاش الاّ مرة واحدة فى صورته النهائية المطلقة التي لاتتكرر ابدآ . وحتى اذا حدث حب ثان فعادة مايكون مرتبطآ بالحب الاول . اذن الغزل لمجرد الغزل خطر كبير ، بقدر مافيه من تلاعب وتسلية ولهو بقيم مقدسة وسامية . فوحدانية الحب والزواج ليست في شريعة المسيح وحسب، بل في شريعة الطبيعة ايضآ . قيل للمسيح [ هل يحل للانسان ان يطلق زوجته لاجل كل علة . فأجاب قائلا : اما قرأتم ان الذي خلق الانسان في البدء ذكرآ وانثى خلقهما . وقال : لذلك يترك الرجل اباه وامه ويلزم امرأته فيصيران كلاهما جسدآ واحدآ ، فليس هما اثنين بعد ولكنهما جسد واحد ، وما جمعه الله لايفرقه انسان ،متى 19 : 3 – 6 ] . ان الحب الحقيقي يجب ان يتشبه بحب الصليب ، والالم جزء من الحب . وهناك حكمة تقول : [ من يبدأ بالحب عليه ان يستعد للآلم ] . فلا يجوز اللعب بالحب ، لانه شعور عميق يمس الانسان في عمقه وجوهره ، والمسيح تألم لأقصى درجة لانه أحب حبّآ لامتناهيآ . والاخلاص في الحب قد يستمر حتى بعد موت احد الطرفين [المحبة قوية كالموت . نش 8 : 6 ] . اذن صلة الزوا مقدسة ونهائية ، اذ لايمكن فصل الجسد الواحد الى جزئين ، ثم يستطيع كل منهما ان يعيش بعد ذلك ! من هنا يتضح ان الطلاق جريمة ليس في حق الاطفال فحسب بل في حق الزوجين نفسيهما ، ومن هنا تظهر اهمية الاعداد للزواج من الناحية الايمانية .
البتولية والجنس :حتى اوضح العلاقة بين البتولية والجنس ، اود ان ابرز الفرق بين لفظتي الرغبة واللذة .
الرغبة تساعد الانسان من الخروج من ذاته والانطلاق الى الاخر ، وهو شعور سليم ، وقد زرعه الله في الانسان .
اما اللذة فهي الاحساس الذى يشعر به الانسان لحظة وصوله الى هدف رغبته . لذلك حين تصل الرغبة الى مقصدها تتلاشى وتحل محلها اللذة ، وهذا واضح في مجال الحياة الجنسية .
اما البتولية فهي حالة الانسان الذي احتار ان يعيش الرغبة المستمرة من دون ان يحاول تحقيقها ، ومن دون ان يحاول مد يده الى هدف الرغبة هذه . البتولية ليست رفض لما هو جميل وحسن ، ولارفض للمرأة ، لكنها رفض للقيام بالعملية الجنسية التي تؤدي الى الغاء الرغبة نفسها . والبتولية موقف بالغ الصعوبة ، لان المتبتل يعيش حالة انطلاق وانفتاح وشوق ، هو لايرفض العالم بل يحبه بكل مافيه ، لكنه يرفض ان يمد يده اليه ليمتلكه . البتولية هي محاولة لتخطي كل شىء في سبيل ان يظل القلب حرّآ طليقآ .
البتولية والحب :المتبتل هو كثير الحب ، وكثير الانطلاق والتفتح على الجميع ، لكنه يرفض ان يخص حبه بشخص واحد . كما يرفض ان يعبّر عن هذا الحب بطريقة جنسية محدودة . هو انسان رفض محدودية الحب البشري واختار ان يكون حبّه شاملآ . المتبتل رائد على طريق البشرية ، والرائد يحاول اكتشاف ابعاد جديدة قبل الاخرين . المتبتل يسبق زمانه ويعيش حالة مستقبلية غير قائمة الان . وهو يشير في هذا الى ملكوت الله كما سيكون ، والبتولية هي انتظار لتحقيق الحب في المسيح ، حب شخصي وفردي لكل انسان بطريقة متميزة وفي الوقت ذاته حب شامل . والمتبتل عليه ان يكون للجميع ولكل فرد في نفس اللحظة ، هو توازن صعب التنفيذ لكنه مطلوب . من يضحي من اجل المسيح سيجده في المقابل يقول له : كل هؤلاء اخوتك .
أن الله قد خلق فينا نزعة الحب ، وينوي تحقيقها فينا يومآ ما . هذا هو رجاءنا ، هذا هوالايمان ، وهذا هو جوهر المسيحية ، لان المسيحية في عمقها هي سر الحب ، فلننظر الى الحب من جميع أبعاده حتى نفهمه .
بقلم : سمير شيخو