مقدمة في عالم هرمان هيسه / بقلم سلوان ساكو - الجزء الثالث


المحرر موضوع: مقدمة في عالم هرمان هيسه / بقلم سلوان ساكو - الجزء الثالث  (زيارة 5153 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل سـلوان سـاكو

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 291
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
وتلقى هيسه خطاباً من دار النشر الكبيرة (فيشر) يطلب فيه الى الكاتب أن يزود الدار بشئ مما ينتجه . وفي عام 1904 أرسل هرمن روايته الأولى (بيتر كامينسند) ، فنشرت ونجحت نجاحاً كبيراً ،وجعلت اسم هرمن هيسه على كل لسان . وقد رسمت هذه الرواية ، التي تعتبر الى الآن من الروايات المحبوبة ،عدداً من الخطوط العريضة في فن وفكر هرمن هيسه ،نجدها في أعماله التالية ونجدها بصفة خاصة في درته ( لعبة الكريات الزجاجية ) الاهتمام الفائق بالطبيعة، تمجيد البساطة والسذاجة والفطرة ، نقد المجتمع ، نقد الثقافة السعى الى معرفة الانسان وتحديد مفهوم الانسانية ، والسعي الى ايجاد الانسجام في الانسان ، والى احداث انسجام بين الانسان والطبيعة ، محاولة فهم التاريخ بالاتجاه المباشر الى المصادر والابتعاد عن الفلسفات التاريخية المتأخرة التي تفرض على التاريخ هذا أو ذاك المعنى ، والخروج من التاريخ بحقائقه ، الاهتمام البالغ بالموسيقى ووضعها في أعلى مكان من سلم الثقافة . كذلك اتخذت هذه الرواية الشكل الذي ظل هرمن هيسه يفضله على الدوام : شكل قصة الحياة ، قالب النمو البشري الذي يتتبع الانسان من رحلة الى مرحلة وتميزت هذه الرواية بالاسلوب الجميل الملون المنغم الذي  هو أسلوب هرمن هيسه الفريد .
ولقد ظل هرمن هيسه يقدر هذه الرواية أعظم التقدير ، ويعتبرها حجر الزاوية في حياته الفنية  كلها . وفي عام 1951 كتب عن بطلها ،بيتر كامينتسند – وهو في كثير من صفاته هرمن هيسه شخصياً – يقول (( لم يكن هدفه ومثله الأعلى أن يكون أخا في طائفة ،أوشريكاًفي مؤامرة ،أو صوتاً في جوقة .لم يكن يسعى الى المجتمع والزمالة والانتظام في تكوين منظم . بل كان يسعى الى العكس ،لم يكن يريد طريق الكثرة ، بل كان يريد أن يسير معانداً في طريقه هو، لم يكن يريد أن يسير مثل الأخرين وأن يتكيف معهم ،بل كان يريد أن يرى الطبيعة والعالم ينعكسان في روحه بصورة جديدة . لم يخلق للحياة في الجماعة بل خلق ليكون الملك في مملكة أحلام من صنعه)) ثم يقول عن نفسه (( وأنا لم أبتعد في طريق تطوري ونموي عن مشكلات عصري،ولم أعش كما يقول أعدائي في برج عاجي ، ولكن المشكلة الأولى ، المشكلة الملتهبة أشد الالتهاب ، لم تكن في نظري الدولة أو المجتمع أو الكنيسة ، بل كانت الانسان الفرد ، الشخصية ،الفرد الفريد الذي لاتشمله (المعايير) .
وفي ابريل عام 1903 سافر هرمن هيسه الى ايطاليا مرة اخرى ، وتعرف أثناء الرحلة بماريا بيرنولي ، كانت تشتغل مع أخيها بفن التصوير الفوتوغرافي ، وكان لهما محل للتصوير ،وتزوجها في عام 1904 . وقد مكّنه نجاح روايته (( بيتر كامينتسد)) ، والدخل الذي حققه له ، من الانصراف عن العمل في المكتبة ،ومن الحياة كأديب حر . واذا كان زواج هرمن وماريا قد عقد في بازل ، فقد كان من شروطه أن يعيش الزوجان في الريف وبالفعل انتقلا الى قرية ( جاينهوفن ) وسكنا في نصف بيت من بيوت الفلاحين لا تتوافر فيه وسائل الراحة الأساسية ولكن المنطقة ، قرب كالف،كانت منطقة محببة الى نفسه ، فيها المراعي والجبال وفيها بحيرة .وظل هيسه وزوجته في هذا البيت ثلاث سنوات . وفي عام 1905 رزقا بالابن الأول (برونو) وضاق البيت على الثلاثة ،وبخاصة وقد كثر زوار هيسه من المعجبين والزملاء . وحثت ماريا زوجها على ابتناء بيت في القرية نفسها ، وبالفعل أقام هرمن هيسه على سفح الجبل بيتاً يطل على البحيرة مباشرة ،بحيرة أونترزيه .وكان للبيت حديقة أصبحت ،الى جانب الاعمال الادبية ، شغل هرمن هيسه الشاغل . وكان بجوار بيت هيسه بيت  جديد ابتناه صديقه القديم الطيب لودفيج فينك ، وقد التهمت النيران هذا البيت  ، ذات يوم ، فلم يبق منه شيء تقريباً، واشترك هيسه مع صديقه في اعادة بنائه . وقد عاودت ذكرى هذا الحريق هيسه عندما كتب (لعبة الكريات الزجاجية)، فجعل الحريق يلتهم المدرسة ، فيعاد بناؤها على صورتها القديمة تماماً .
شهدت  حياة هيسه في جاينهوفن اتصالات كثيرة ، وصداقات عديدة بين الأديب وبين أدباء وفنانين مشهورين في عصره . منهم مثلاً شتيفان تسفايج (صاحب رسالة من امرأة مجهولة ) ، ( أربع وعشرون ساعة من حياة امرأة ) و( ماريا ستوارت ) وغيرها من الرويات التي لاقت شهرة في العالم ، وترجم بعضها الى اللغة العربية . وكثر اتصال هيسه بالموسيقيين والمصورين . من الموسيقيين نذكر ( أوتمارشوك) ملحن أوبرا (الهاربون) التي وضع هيسه كلماتها ، ولحن بعض قصائده ، كذلك نذكر فولكمار أندريه وفريتس برون وادفين فيشر الذين لحنوا الكثير من قصائد هيسه . على أن هيسه كان يتقن العزف على الكمان منذ نعومة أظفاره ،كذلك كانت زوجته ماريا تتقن العزف على البيانو الى درجة توشك أن تكون درجة المحترفين من العازفين . ونجد في كتابات هيسه في ذلك الوقت تمجيداً للموسيقى ، بل نجده يقول أنه كشاعر يسعى الى (اللحن ) أكثر مما الى يسعى الى ((مادة)).
أصبح اسم هيسه اذن مشهوراً . ذكرته دائرة معارف ماير المعروفة وكيف لا ؟ وقد حصل على جوائز التقدير . وعرضت عليه الجمعيات الادبية  أن يكون عضواً فيها . وفي عام 1906 أخرج هرمن هيسه روايته الثانية (تحت العجلة ). وتبعت هذه الرواية روايات ومجموعات قصصية أخرى نذكرمنها (الدنيا ) و(جيران)و (طريق ملتوية ) و(جرترود).وكان هرمن هيسه في هذه الاثناء يكثر من الكتابة في الجرائد اليومية والمجلات الاسبوعية والشهرية ، وبخاصة في مجلة  (مارس ) التي كان من مؤسسيها .ولكنه فيما بعد توقف عن ذلك اللون من النشاط واعتبره لونا من عبث الماضي ، وحديثه في رواية ( لعبة الكريات الزجاجية ) عن عصر صحافة التسلية ينم عن ذلك بلا شك . وبخاصة مجموعات مختارة من الشعر ، نذكر منها ( أغاني لشعراء ألمان ) ، فريدريش هيبل ,والنبع السحري . أما  اللون الثالث من النشاط الأدبي الذي  كان هرمن هيسه يقوم به فهو القاء المحاضرات في الاندية الادبية خاصة ،وكان هذا اللون من النشاط يتطلب كثرة التنقل ، مرة الى فيينا ومرة الى براغ ومرة الى ميونيخ وهكذا . وقد تبين هيسه فيما بعد أن هذا اللون من النشاط كان أيضاً من قبيل  العبث . وفي لعبة الكريات الزجاجية اشارة الى مثل هذه المحاضرات الخفيفة  ، ودورها المفسد للثقافة .وفجأة  يعود هرمن هيسه الى الحديث عن العزلة ، وعن الاكتئاب ، وعن عدم الرضا بالحياة التي يحياها .تارة يشكو من كثرالعمل : الرد على الخطابات ، كتابة المقالات الصحفية ،الرحلات ، المرض ، الزوجة والأولاد ( برونو 1905- هانز 1909- مارتن 1911 ). ويقول ان تلك أعمال تصرفه عن طريقه الحقيقي وتبعده عن هدفه . فجأة يعود الى نغمة هذه القصيدة :
ما أعجب السير في الضباب
الحياة وحدة
فليس هناك انسان يعرف الآخر
كل انسان وحيد .




غير متصل ash19713839

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 686
  • الجنس: ذكر
  • الايمان بل العمل خير من المواعظ الكاذبة ‎- ويليام
    • رقم ICQ - 2102284822
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • www.ankawa.com
    • البريد الالكتروني
شكراااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا على المقال الرائع .....


2010

خدمة ابناء شعبنا العزيز هي المهم وليس المجد الباطل والتاج الناقص
Service of our dear people is important, and not false glory and the crown missing