بغداد.. كيف تبدو لمن فارقها ؟
عبد المنعم الاعسم
aalassam@hotmail .com
1-
سؤال كنت اداريه مثل جرح غائر: كيف تبدو لي بغداد منذ فارقتها قبل اكثر من عام، وقد جرت دماء كثيرة، وعصفت رياح واحداث اكثر؟.
سقط رجال كانوا قد اداروا حلبات الصراع، وصمد آخرون في وجه اسئلة المرحلة، واختفت نساء كنّ يشغلن الشاشات الملونة باحاديثهن عن السياسة وشؤون الغد، وتزاحمت ارجل كثيرة على المقامات والوظائف، وفتحت ابواب واوصدت ابواب اخرى.
نامت واندثرت ملفات كثيرة، واستيقظت فتن من توابيت صفراء، وانهارت العديد من الشعارات البراقة ، والتمعت بدلها شعارات اخرى ليست براقة، واعطتنا دول الجوار فرصا كثيرة لكي لا نثق في ابتساماتها الصفراء، واعطانا العالم الكثر من النصائح والقليل من الشفقة.
لكن يبقى السؤال معلقا في الهواء :اي شكل لبغداد؟.
بعد دقائق من وصولي الى قلب بغداد من جسر الجمهورية ضحى يوم من ايام مايو المشتعلة بالحرارة داهمتني فكرة مثيرة هي ان شكل بغداد من شكل وجوه ابنائها.. وجوه مدوّرة.. متجهمة.. خائفة.. غاضبة.. صبورة.. مجروحة.. مكابرة.. وفي تلك الدقائق كانت اصوات انفجارات قريبة مدوية لم تثر فضولا يبدو ان ابناء العاصمة تخلوا عن مزاولته منذ زمن طويل، سوية مع عادة قديمة هي الهلع، فقد مضت امرأة تجر طفلين بهدوء ملائكي من دون ان تلتفت، وعبرت شارعا كانت سيارات الشرطة المجنونة تقطعه مفتوحة الابواب مشرعة بنادقها في كل اتجاه.
بغداد استلقت ضحى هذا اليوم بطريقة عجيبة، كأنها كتاب مفتوح صالح للقراءة ، في اعلى صفحته الاولى عنوان اخر معركة جرت من اجل الحياة، وما اكثر معارك الحياة التي خاضتها بغداد ضد نفسها وضد الاخرين، وفي غفلة من شريط السيارات المتناحرة اعلنت ساحة النصر عن نفسها: تعالوا الى هذا الخراب الجميل، فقد رحل الطغاة وحل محلهم غزاة من اجناس عجيبة، اخذوا امكنتهم في الدرابين الضيقة يعدون لاختطاف مارة او قتل ركاب سيارات او التخطيط لحرب على طوابير العمال .
في بغداد تدور الساعة في جميع الاتجاهات من غير رقابة ولا رتابة ، غير ان الدورة الوحيدة التي تبقى في الذاكرة هي التي يمكن قراءتها امام محطات البنزين ، ومحطة الباب الشرقي لا تبخل بالقول: من هنا تمر محنة العاصمة..ولنا عودة .
2-
بغداد- 24 مايس.
نعم، لم يفقد العراقي حصته من الامل في ان يرى يوما آمنا، من دون فواجع وانباء مفزعة وانفجارات ومن غير مذابح سجلت باسم مقاومة الاحتلال وبرسم هدّ العراق فوق رؤوس اهله، ولم تزايله نعمة التعايش مع دوامة الموت اليومي باعتباره لعنة بربرية عابرة، كما لم يكف عن الترديد بان اصحاب الشأن واولي الامر وقادة المرحلة والقرار، لو صفوّا النيات واحسنوا الاداء والتصرف، سيلقون بالارهابيين وعصابات الاختطاف والجريمة المنظمة والقتلة المحترفين الى المزبلة، بكلفة اقل مما هي عليه الان.
مثل هذا الاستنتاج سمعته الامس واليوم وبدا لي مثل نشيد جمعي أو مثل زي موحد، وإن جاء بلغات وصياغات وتوطئات والوان مختلفة.. قال لي صديق صحفي بلغة تحليلية: ان السيطرة على الملف الامني، في بغداد خاصة، ليست مستحيلة، والخطوة الاولى هي "وحدة الارادة" التي تعني ان يتحمل جميع فرقاء الحكومة مسؤوليتهم التضامنية في ضبط مفاتيح الامن وتفكيك السرطانات المسلحة.
وتردد صاحب متجر صغير، ليلخّص بعد ذلك الموضوع بالقول: المشكلة ان اصحاب المسؤولية عندنا "واحد يجرّ وواحد يعرّ" وقالت سيدة موظفة : صدقني، إذا اراد المسؤولون بسط الاستقرار حقا فانهم قادرون على تحقيقه "لكن حظنا زفت".
ويرى سائق سيارة بان تحرك المسؤولين ياتي متأخرا دائما وبعد ان يموت المصابون ويختفي المجرمون "عمي..همة ميريدون الاستقرار، أحلف بالعباس".
ان المرارة التي تلتقطها، حين تكون في بغداد، من افئدة الناس إزاء تردي الامن وسلسلة الجرائم اليومية، تفصح، من وجه آخر، عن ايمان قد يكون غريزيا بمقدرة الانتصار على الارهاب، وبان الامر بحاجة الى جدية واخلاص واعادة بناء الثقة والارادة، وبأن هذا سيحدث يوما، وقد يتحول هذا الامل الى بلسم سري للاوجاع والمخاوف والهلع ، والى علاج يحول دون الانهيار التام الذي يتخذ اسماء عديدة من بينها اسم الحرب الاهلية.
اقول: ان تعايش الملايين من سكان العاصمة مع اصوات التفجيرات واعمال الاختطاف والقتل، يعبر عن نفسه في جمل صغيرة تسمعها حين تكون في بغداد من افواه الكثيرين: "شنسوي؟..لازم نطلع ونداوم ونعيش ونتسوك وناكل ونشرب" او "المكتوب يجرا..المهم ما نبقى جالسين ببيوتنا" أو" يمعوّد منو ابو باجر؟" او كما تجده مجسدا في رجل متقاعد يسكن في منطقة شهدت الكثير من التفجيرات والهجمات المسلحة يصر على ان يخرج من المنزل الى السوق يوميا ليأتي بالجريدة وبعض ما يستطيع حمله، وكذلك في سيدة تحرص على انتظام اطفالها في الدراسة يوميا ومن دون انقطاع على الرغم من حمم الانباء التي تطلقها الفضائيات كل صباح بمقدمة متشفية: بغداد تستيقظ على سلسلة انفجارات.
اقول ايضا: اسمع في بغداد الكثير مما يمكن ان يعتبر بمثابة "انسجام" مع الحالة الامنية، لكني لم اسمع ولا مرة واحدة من يقول انه مستعد للتعايش او الانسجام او التأقلم أو القبول او الرضى او المساومة مع حال تردي الخدمات ويُخص بالذكر كارثة الكهرباء، فيما تغير على العاصمة دوامات من العجاج واللهب من كل صوب..وهنا لا يجد اصحاب الشأن صديقا لهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
..وكلام مفيد
ـــــــــــــــــــــــــــــ
"التاريخ تساؤل عن العلل".
ابن خلدون [/b] [/size] [/font]