برلين في 4/6/2010
الأخوات والأخوة الأفاضل
تحية قلبية حارة
أضع بين أيديكم وللنشر أيضاً مسودة لصياغة مشروع "برنامج مدني ووطني ديمقراطي حديث" لبناء العراق الديمقراطي لأغراض المناقشة.
لا شك في أن مناقشة هذه المادة كمسودة ستتيح الفرصة لإغناء موضوعاته من خلال تعديلها أو تحسينها أو تغيير بعض جوانبها حين نتحسس معاً ضرورة مثل هذا المشروع وأهمية المشاركة في مناقشته ووضع صيغته النهائية لأغراض التثقيف العام ولأغراض العمل من أجل جلب انتباه القوى والأحزاب الوطنية والديمقراطية العراقية لما فيه من أفكار ومهمات تستوجب الأخذ بها و العمل من اجلها.
يمكن لكل من ذوي الاختصاص أن يعالج جانباً واحداً أو أكثر من موضوعاته وعلى صفحات الصحف والمواقع بأمل تعميم النقاش حوله للوصول إلى أفضل صيغة ممكنة.
ليس هدف هذا المشروع منافسة مشروعات وبرامج أي حزب أو تنظيم أو كتلة سياسية, كما ليس هدفه تشكيل حزب أو تنظيم أو كتلة سياسية في العراق أو خارجه, بل هو مادة من أجل النقاش والتثقيف العام ومشاركة عدد كبير من الأخوات والأخوة في العراق في هذا النقاش.
أملي أن يلقى اهتمامكم .
مع خالص الود والتقدير.
كاظم حبيب
د. كاظم حبيب
حول صياغة مشروع مدني ووطني ديمقراطي حديث
للعراق الاتحادي
المدخل:
انقضى من عمر الجمهورية الخامسة 86 شهراً. وخلال هذه الفترة تشكلت ثلاث وزارات. واستحق الآن وبعد الانتخابات الأخيرة في آذار/مارت من العام 2010 تشكيل وزارة جديدة. كانت الغالبية العظمى من الوزراء فيها من الأحزاب الإسلامية السياسية , كما كانت رئاسة الوزراء في حكومتين متتاليتين بيد هذه الأحزاب , أي حكومة الجعفري وحكومة المالكي , وكلاهما من حزب الدعوة الإسلامية في العراق , والأخيرة لا تزال تمارس مهمة تصريف الأعمال. وهي حكومات استندت إلى تحالف بين القوى والأحزاب الشيعية والتحالف الكردستاني بشكل خاص مع مساهمات هشة ومحدودة لقوى سياسية أخرى ومنها الأحزاب الإسلامية السياسية السنية والقائمة العراقية والحزب الشيوعي العراقي. واستندت الحكومات الثلاث على المحاصصة الطائفية والقومية. ورغم وجود برامج لهذه الوزارات , إلا أنها كانت شكلية. وفي الحكومتين المتتاليتين اعتبر كل وزير وزارته ملكاً صرفاً لحزبه السياسي وطائفته وراح يحولها إلى مقاطعة خاصة بحزبه وطائفته أو قوميته. ورغم مرور أكثر من سبع سنوات على سقوط النظام تواجه الشعب في العراق كثرة من الأسئلة التي تستوجب الإجابة , منها مثلاً :
هل امتلكت الوزارات المنصرمة مشروعاً مدنياً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وبيئياً حين تسلمت الحكم؟ وهل تمتلك الحكومة الراهنة مثل هذا المشروع؟ أم أن هذه الحكومة لا تزال تمارس سياسة ردود الفعل وتحوم حول مشروع سياسي واقتصادي واجتماعي مبهم وعائم ولم تحقق الكثير غير بعض الأمن الذي لا زال هشاً؟ وكيف ستتشكل الحكومة القادمة؟ وهل ستقوم على نفس الأسس الطائفية التي قامت عليها الحكومتان السابقتان؟ وكيف ستتعامل الحكومة القادمة مع المهمات الكبيرة التي يفترض إنجازها خلال السنوات الربع القادمة؟
إن طرح هذه الأسئلة يقترن بالظواهر التي يعيشها العراق في المرحلة الراهنة والأزمة الطاحنة التي لا تزال تحيط بالحكم والمجتمع وتخلف سبل معالجتها. فالأزمة الراهنة هي أزمة تشمل الدولة بسلطاتها الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية , تشمل السلطة التنفيذية بكل أجهزتها والمجتمع بأغلب طبقاته وفئاته الاجتماعية , وهي تشدد من خناقها بشكل خاص ومؤلم على الفئات الكادحة والفقيرة والأكثر عوزاً وصغار الموظفين والمستخدمين وبقية الناس من ذوي الدخل المحدود , أزمة تشمل الأحزاب والتكتلات السياسية وتحالفاتها , أزمة أفراد , وأزمة قيم ومعايير فردية وجمعية , أزمة ثقة عامة ومتبادلة , إضافة إلى كونها أزمة علاقات معقدة ومركبة مع دول وقوى الجوار والعالم , ومنه مع القوات الأجنبية الموجودة في البلاد. وحين يدرك الإنسان هذا الواقع , عليه أن يتحرى عن حلول لجميع هذه الأزمات التي تواجه العراق. وهي مهمة تقع على عاتق الحكومة وجميع المسئولين والقوى والأحزاب السياسية المشاركة في العملية السياسية , كما تقع على عاتق المثقفات والمثقفين العراقيين في الداخل والخارج , إضافة إلى مراكز البحث العلمي التطبيقي التي تعالج المسائل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية والثقافية والتربوية في المجتمع... الخ.
حقق العراق , وفق تقديرات أغلب المتابعين , خلال الأشهر المنصرمة بعض المهمات الأمنية والعسكرية الصعبة ونشأت عنها مهمات سياسية جديدة أكثر تعقيداً وصعوبة على المدى القريب وكذلك على المدى المتوسط والمدى البعيد , كما برزت التزامات أكثر استحقاقاً؟ وإذا كانت بعض الأهداف والمهمات التي أنجزت بدت قبل ذاك بصيغتها العامة ودون تفاصيل , فأن تفاصيلها هي التي وضعت ويمكن أن تضع الدولة والمجتمع في العراق أكثر فأكثر أمام مسؤوليات أكبر , وهي التي يمكن أن تضع البلاد على كف عفريت وفوق برميل مليء بالبارود القابل للاشتعال في كل لحظة , ما لم تتبلور رؤية عقلانية ووعي بالواقع العراقي ومشكلاته والقوى التي تحيط به من جهة , ووعي بتاريخ العراق خلال سنوات القرن العشرين من جهة ثانية , وما لم تدرس بوعي ومسؤولية حاجة العراق وإمكانياته على التقدم المطلوب خلال الفترة القادمة لكي لا تكرر ما ارتكبه الحكام الآخرون من أخطاء وما ترتب عليها وعنها من عواقب وخيمة على كل مكونات الشعب العراقي , وما لم يتجل كل ذلك في برنامج واسع ولكنه شامل لما يفترض أن يتحقق في الفترة القادمة.
حين نتابع تصريحات ونشاط أغلب السياسيين العراقيين في المرحلة الراهنة , يمكننا تشخيص عدد من السمات السلبية التي تؤثر على المجتمع العراقي وعلى حل المشكلات التي تواجه العراق , ومنها على سبيل المثال لا الحصر :
1. الابتعاد عن الالتزام بمواد الدستور التي تم إقرارها , بل أن كل طرف سياسي يرى ويسعى إلى تطبيق ما ينسجم مع رغباته ويبتعد عن تلك التي لا تتناغم مع وجهات نظره , وفي هذا تجاوز على الدستور وعلى التعامل الواعي والمتساوي مع مواد الدستور , أي أن الأمور تقاس من جانب غالبية السياسيين العراقيين بمكيالين , وكأن بالإمكان حصول مناخين صيفي وشتوي على سطح واحد. كما أن هذا يعني تجاوزاً على كل الاتفاقات التي تمت بين القوى السياسية العراقية المعارضة لنظام الدكتاتورية قبل سقوطه. ولا شك في أن الدستور فيه الكثير من المثالب وحمال أوجه في عدد غير قليل من مواده والتي تخلق بدورها تفسيرات كثيرة واجتهادات لا تساهم في تنفيذ بنود الدستور على أسس ديمقراطية رصينة. كما لم يتم إلى الآن وضع القوانين الكفيلة بتحقيق ما تضمنه الدستور من مواد بهذا الصدد.
2. لا يختلف غالبية السياسيات والسياسيين في العراق بشكل عام عن بقية المواطنات والمواطنين في واقع معاناتهم من انفصام الشخصية والتصريح بشيء في مقابل العمل بشيء آخر , أو امتلاكهم لوجوه عدة , وهو الأمر الذي يُسقِطُ مصداقية الكثير من العاملات والعاملين في الحقل السياسي , إذ أن هذه السمة حين يتميز بها السياسات والسياسيون تكون عواقبها أشد سلبية على الإنسان العراقي وعلى المجتمع وعلى التطور والتقدم المنشود وكذلك على العلاقات الداخلية والخارجية.
3. غياب الصراحة والمجاهرة والشفافية الضرورية مع المجتمع لمواجهة ما ينتظره من مشكلات وسبل معالجتها والعقبات التي تعترض سبل الحل. ومثل هذه المشكلة تساهم في تحويل الصراعات حول قضايا معينة غلى نزاعات سياسية تتخذ مجرى أخر مضر بالمجتمع.
4. هيمنة الروح الفردية ونموها وتحولها إلى استبداد فردي قاهر ينتشي تدريجاً في ذهنية ونشاط غالبية السياسيين في العراق , وأقل من ذلك بالنسبة للسياسيات. وتبرز عواقب ذلك في حصول كوارث متلاحقة على العراق وشعبه. وقدم مجلس النواب إلى الآن نماذج مهمة وصارخة لهذه الظاهرة السلبية.
5. الإهمال الجدي وغير المسئول لإرادة ومطاليب ومشاعر المجتمع والتصرف باسمه وكأن هذا السياسي أو ذاك هو الممثل الشرعي والوحيد لهذا المجتمع بكل طبقاته وفئاته الاجتماعية. بل يصل الأمر برئيس الوزراء مثلاً إلى إهمال مجلس الوزراء والوزراء والتصرف بقرارات فردية غير مدروسة وغير مقررة. بما فيها تلك الأمور البسيط التي يتخذها المسؤول دون التفكير العميق بعواقبها الاجتماعية , ولكنه ينطلق من ذهنية دينية محافظة مثل منع حفلات الزفاف في الفنادق والأماكن العامة وحصرها بفنادق الدرجة الأولى , أي للقطط السمان وأصحاب النعمة الحديثة , أو منع المشروبات الروحية في مجتمع متعدد الديانات والثقافات والاتجاهات الفكرية ...الخ!
ومن جانب آخر فالمجتمع العراقي يعاني من اقتصاد مخرب وعاجز عن تلبية حاجات السكان اليومية ويعتمد بالدرجة الأولى على الاستيراد بسبب وجود موارد النفط المالية التي تستهلك دون أن تساهم في إغناء الثروة الوطنية والدخل القومي من خلال تحقيق التراكمات الرأسمالية في الاقتصاد.
ورث الحكام الجدد من النظام الاستبدادي السابق اقتصاداً مخرباً ومديونية كبيرة , وزاد في الطين بلة مجموعة من العوامل الأساسية , ومنها على نحو خاص:
1. التدمير الهائل للبنية التحتية الذي حصل نتيجة القصف الجوي في حرب الخليج الثالثة والتي اقترنت بإسقاط النظام الدكتاتوري , رغم ضعف ومحدودية مقاومة قوى النظام للقوات الأمريكية والدول المتحالفة معها.
2. السياسة الاقتصادية الاستعمارية المشينة التي مارسها المحتلون الأمريكيون والحاكم المستبد بأمره پول بريمر في العراق والتي أدت إلى المزيد من المشكلات وإلى تعميق التخلف والتبعية في الاقتصاد العراقي لاقتصاد النفط الخام واعتماد سياسة اللبرالية الجديدة المتطرفة في العراق دون إدراك الأضرار التي تلحق , والتي لحقت فعلاً بالاقتصاد العراقي والمجتمع من جراء تلك السياسات.
3. غياب البرنامج الاقتصادي الواضح لدى مجلس الحكم الانتقالي ولدى الكثير من قوى المعارضة العراقية وعجزها عن التحكم بالسياسة الاقتصادية العراقية , إذ كان الراسم الوحيد لها هو پول بريمر.
4. الإرهاب الدموي الذي ساد البلاد قبل الحرب وسقوط النظام وبعد الحرب وخلال السنوات المنصرمة من قبل قوى الإرهاب (القاعدة وفلول البعث ألصدامي) والمليشيات الطائفية المسلحة والقتل على الهوية من تلك القوى التي كانت مرتبطة عضوياً بقوى سياسية إسلامية عراقية والتدمير الهائل والتعطيل الفعلي للقدرة على ممارسة سياسة إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية بحدود غير قليلة.
5. الفساد المالي الذي اقترنت به إدارة پول بريمر والكثير ممن عمل معه في الوزارات اللاحقة وفي أجهزة الدولة المدنية والعسكرية بحيث أصبح نظاماً فاعلاً في الاقتصاد والمجتمع العراقي. لقد كان الفساد منتشراً في العراق منذ منتصف العقد الثامن من القرن الماضي , وخاصة مع بدء الفورة النفطية , وتحول تدريجاً إلى نظام فاعل وتعمق أكثر فأكثر بارتباطه بالشركات الأجنبية الفاسدة التي دخلت العراق مع القوات الأمريكية , إذ جعلت من هذا الفساد نظاماً قائماً بذاته يستنزف ثروات البلاد ووطنية الإنسان لحساب المال الحرام.
6. التناحر بين القوى السياسية العراقية الذي منع تشكيل رؤية واضحة لتنفيذ مشروعات البنية التحتية في الاقتصاد العراقي. وهنا يفترض القول بأن إقليم كردستان العراق حقق خطوات مهمة على طريق بناء البنية التحتية بخلاف الوسط والجنوب والمحافظات العربية في غرب بغداد , إضافة إلى محافظة كركوك رغم ما تخلل ذلك من فساد مالي وإداري ومحسوبية ومنسوبيه أيضاً. ومن هنا تبرز معاناة غالبية فئات الشعب وخاصة الفقيرة والكادحة منها من نقص في الكهرباء والماء وبقية الخدمات العامة والأساسية , ومنها تراكم القمامة والمياه الآسنة في الشوارع والطرقات وخراب شبكة الطرق والمواصلات.
7. ولا شك في أن التعليم بمختلف مراحله غير مصاغ بطريقة تسهم في خدمة عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية وبناء الإنسان الجديد , بل انه لا زال مثقل بالكثير من سلبيات الماضي مضافاً إلى ذلك الكثير من الفكر الديني الطائفي الذي يثير الصراع بدلاً من تأمين الوحدة الوطنية.
8. ويمكن أن نرى التخلف الحاد في مجال الرعاية الصحية للمواطنين , وبشكل خاص في الريف العراقي والمدن الصغيرة والذي له عواقب وخيمة على المجتمع.
الشعب العراقي لا زال أمام أزمة شاملة رغم مرور هذه السنوات العجاف على الشعب العراقي , وهو بحاجة ماسة إلى مشروع وطني وديمقراطي يجري تنفيذه من أجل الخروج من هذه الأزمة الطاحنة ووضع العراق على طريق الحياة الديمقراطية المستقلة والسيادة الوطنية. وهذا الكراس يعتبر محاولة لصياغة أفكار أولية لمشروع وطني ديمقراطي لبناء العراق المدني الديمقراطي الاتحادي الجديد , أضعه تحت تصرف الباحثين والسياسيين والمهتمين بالشأن العراقي لمناقشته وتعديل أو استكمال جوانب النقص فيه وجعله قابلاً للتطبيق.
المشروع الوطني الديمقراطي1
المشروع الوطني الديمقراطي الذي أطرحه للمناقشة يتضمن خطوطاً عامة وأساسية تشمل جميع قطاعات وفروع الحياة الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية والتنويرية البيئية والعسكرية , حزمة من المشروعات الداخلية والعلاقات الإقليمية والدولية المستقلة عن بعضها , ولكنها متشابكة ومتفاعلة ومتبادلة التأثير في ما بينها والمتسمة بالديناميكية والمرونة والقابلية على التعديل والتطوير والإغناء , والتي تشكل في المحصلة النهائية خطاً واحداً تلتقي عند إستراتيجيته والتي يفترض فيها أن تدفع بالبلاد نحو التقدم المنشود, أي نحو الأهداف المركزية التي يمكن أن تتحدد في المشروع الوطني الديمقراطي والتي يأخذ بها القطاع الخاص المحلي والقطاع الحكومي أو القطاع الأجنبي. ويمكن أن يطلق على هذا المشروع الوطني الديمقراطي والمدني الحديث "إستراتيجية التنمية الوطنية الشاملة" على المستويين الاقتصادي والبشري , وعلى المستويات الداخلية والإقليمية والدولية.
ومثل هذا المشروع في خطوطه الأولية غائب إلى الآن عن السياسة العراقية وعن برنامج وهدف الحكومة بشكل خاص , وهو ما أكده الكثير من المسؤولين والمختصين والعاملين في العراق , كما يؤكده عشرات المختصين في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ...الخ. وبالتالي يصعب على العراق أن يجد حلولاً للأزمات التي يعاني منها حالياً وفي مختلف المجالات وعلى صعد الدولة والحكومة والمجتمع دون أن يمتلك مثل هذا المشروع الوطني والديمقراطي الحديث.
2
يُفترض وضع المشروع الوطني الديمقراطي بالتعاون الوثيق في ما بين الجهات التالية بصورة مباشرة أو غير مباشرة:
1. الدولة بكل سلطاتها التنفيذية والتشريعية والقضائية وفيدرالية كُردستان ومجالس المحافظات وفق مراحل مختلفة من عملية وضع المشروع. وتلعب السلطة التنفيذية المركزية وحكومة إقليم كُردستان ومجالس المحافظات الدور الأول والأساس في مجمل هذه العملية مصحوبة بمراقبة ومصادقة مجلسي النواب في كل من بغداد وأربيل.
2. مشاركة فعالة وفعلية من جانب الأحزاب والقوى السياسية في تقديم المقترحات ومناقشة ما تضعه الدولة في هذا الصدد.
3. مشاركة منظمات المجتمع المدني التي يفترض , في أجواء وظروف الحكم الديمقراطي , أن تمارس دور الرديف المستقل والفعال والمؤثر للحكومة في مجمل نشاطها وفي هذا المجال أيضاً لصالح قواها والمجتمع في آن.
4. مشاركة الجامعات ومراكز البحث العلمي والمؤسسات المختصة والمختصين.
5. مشاركة الإعلام بكل أجهزته وأدواته ووسائل وأساليب عمله في مجمل عملية وضع المشروع حيث يسهم بدور فعال ومكمل لبقية الأدوار في الوصول إلى الإنسان الفرد والمجتمع ليحركهم جميعاً صوب المشاركة في مهمات وعمليات وضع المشروع وتنفيذه ومراقبة التنفيذ. ومع تطور أجهزة ووسائل وأدوات الإعلام وفق التقنيات الحديثة , أصبح لهذا العامل الدور الكبير والمتزايد أهمية وخطورة في إنجاز هذه المهمة المتعددة الجوانب والأهداف.
6. ويفترض هنا أن تلعب وزارة التخطيط الدور المباشر في ثلاث مراحل من عملية وضع إسترايجية التنمية الشاملة , مرحلة وضع التوجهات والخطوط الأساسية التي تكون موجهة لكل الوزارات والمؤسسات في ضوء ما تمتلكه من معلومات وإحصائيات , والمرحلة الثانية حيث تأخذ الوزارة على عاتقها عملية تجميع وتنسيق المشروعات التفصيلية التي يراد إقامتها على صعيدي الاقتصاد والمجتمع , ثم تبدأ المرحلة الثالثة بمناقشة وتطوير وتحسين الإستراتيجية وتفاصيلها لتنتقل إلى الإقرار والتنفيذ في مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية.
7. ويتوجب أن تلعب وزارات: العلوم والتكنولوجيا ، والبيئة ، والصحة ، والتعليم العالي والبحث العلمي ، والثقافة , دوراً أساسياً في وضع إستراتيجية في ضوء دراست وتقييم المشاكل البيئية والصحية القائمة ورسم خطط قصيرة المدى وبعيدة المدى لمعالجتها بمساعدة ودعم الوكالات الدولية المتخصصة ، مثل برنامج الأمم المتحدة للبيئة ، والوكالة الدولية للطاقة النووية، ومنظمة الصحة العالمية ومراكز الأبحاث الإقليمية والوطنية المعنية ، وخاصة في الدول المجاورة..
3
يفترض أن يشمل المشروع الوطني الديمقراطي المجالات الأساسية التالية التي تتفرع عنها بطبيعة الحال مجالات فرعية أخرى وتتداخل مع بعضها بسبب المهمات المشتركة التي تمارسها وتسعى إلى تحقيقها. فالمشروع الوطني الديمقراطي يتوزع على الحقول التالية:
السياسة, الاقتصاد , الخدمات الاجتماعية والتنمية البشرية , التربية والتعليم , الصحية , الحالة النفسية , البيئة , العلوم ومراكز البحث العلمي , الثقافة , التنوير , الأمن الداخلي , القوات المسلحة , والعلاقات الإقليمية والدولية. وسأحاول تناول بعض هذه المفردات بالبحث وطرح التصور الأولي لمثل هذا المشروع , والذي سأضعه تحت تصرف الباحثين والمختصين والراغبين في مناقشته وجعله قابلاً للتنفيذ , علماً بأن وضع وتنفيذ مثل هذا المشروع من جانب الحكومة يستوجب ابتداءً وجود حكومة وطنية ديمقراطية تعبر عن وحدة القوى السياسية العراقية , وأن يشكل هذا المشروع القاسم المشترك الأعظم الذي تعتمده تلك القوى المتعاونة في الحكومة وخارجها.
4
أولاً : السياسة
وهنا يطرح السؤال التالي نفسه: ما هي المكونات السياسية للمشروع الوطني الديمقراطي الحديث؟ وكيف يمكن عبر هذا المشروع توفير مستلزمات وأجواء إقامة مجتمع مدني ديمقراطي حر وحديث؟
نشير هنا إلى ما نراه ضرورياً لواقع العراق وتطوره الديمقراطي المستقل , إذ يفترض أن يستند نشاط السلطة إلى المبادئ التالية لا نظرياً , بل وبالعمل الفعلي أيضاَ:
** النظام السياسي الديمقراطي له فلسفة من جهة وآليات وأدوات من جهة أخرى. وتقوم فلسفته من حيث المبدأ على مبدأ أن الحكم للشعب ويتم عبر الشعب ومن يخترهم ليمثلوه في المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية وأن يحقق الحكم مصالح الشعب. أي حق الشعب في اختيار ممثليه أولاً والتداول السلمي والديمقراطي للحكم وتأمين العدالة الاجتماعية في الحكم لصالح الشعب. وأدوات وآليات الحكم هي السلطات الثلاث وأجهزتها المختلفة وأساليب عملها وحل المشكلات والصراعات بالتفاوض والطرق السلمية والتحري عن حلول ديمقراطية. وهذا يعني ضرورة:
** الالتزام بمفهوم الاحتكام إلى الشعب في القضايا الأساسية وإلى ممثليه المنتخبين ديمقراطياً , وإلى مبدأ الأكثرية والأقلية واحترام الأقلية وحقها في التعبير عن رأيها والأخذ بمفهوم القوى الحاكمة والقوى المعارضة للحكم وفق أسس موضوعية وسلمية وآليات ديمقراطية.
** مفهوم المواطنة المتساوية بغض النظر عن القومية والدين والمذهب والفكر والرأي السياسي أو اللون واللغة ...الخ. وبغض النظر عن الجنس , سواء أكان رجلاً أم امرأة. وهنا لا يقتصر الأمر على النظر إلى الإنسان كمواطن متساوٍ في الحقوق والواجبات , بل يمارس عمله عملياً من خلال وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب , والأجر المتساوي لعمل متماثل , والحق في الوصول إلى كل المناصب في الدولة بغض النظر عن القومية أو الدين أو المذهب أو الفكر أو الجنس ... الخ.
** رفض إخضاع السياسة للدين أو الدين للسياسة , فكلاهما حقل مستقل عن الآخر ولا تداخل بينهما , وكذلك الالتزام بمبدأ الاحترام المتبادل بين المؤسسة الدينية والمؤسسة الحكومية وعدم التداخل في ما بينهما. ويفترض هنا أن يسود مبدأ "الدين لله والوطن للجميع".
** ليس المطلوب من السياسيين أن يتخلوا عن قومياتهم أو دياناتهم أو مذاهبهم الدينية أو اتجاهاتهم الفكرية بأي حال إذ أنها قضية شخصية , ولكن المفروض أن يتخلوا عنها سياسياً , إن كانوا متأثرين بأي من العلل الاجتماعية , ومنها بشكل خاص التعصب القومي والطائفية السياسية والتمييز الديني والمذهبي أو التمييز ضد المرأة أو الالتصاق بالعشيرة والمحلة على حساب الوطن والمواطنة. وهذا يمس الجميع , ولكن بشكل خاص من يتسلم مسؤوليات في الدولة والمجتمع. إن تمسك أي مسؤول سياسي بأي موقف طائفي أو تشم منه رائحة طائفية سياسية , يقود إلى المزيد من المصاعب وإلى إعاقة التحول صوب المشروع الوطني الديمقراطي , وإعاقة خلق مستلزمات أساسية لبناء المجتمع المدني الديمقراطي الحديث. كما يفترض أن تصدر القوانين الصارمة التي تدين وتكافح من يدعو أو ينشر أفكاراً أو يمارس العنصرية والطائفية والتمييز بمختلف أشكاله , ومنه التمييز ضد المرأة.
** احترام المرجعيات الدينية للأديان والمذاهب الدينية القائمة في العراق وإبعاد تدخل السياسيين في شؤونها أو تدخلها في الشؤون السياسية والأحزاب السياسية القائمة. ورفض إقامة أحزاب سياسية على أسس دينية أو مذهبية إذ أنها لا تعني سوى ممارسة سياسة تدين بالتمييز بين أتباع الديانات والمذاهب الدينية.
** التبشير بمبادئ وشرعة حقوق الإنسان وحقوق القوميات وحقوق أتباع الديانات والمذاهب ونشرها على أوسع نطاق ممكن وممارستها فعلاً ومعاقبة من يعمل ضدها , كما يفترض تدريسها في مختلف المدارس والمعاهد والجامعات وتثقيف العاملين في المؤسسات بها وتنشيط دور منظمات المجتمع المدني في هذا الصدد.
** إصدار القوانين الديمقراطية المنظمة للحياة الدستورية والبرلمانية والحياة الحزبية والتداول الديمقراطي السلمي للسلطة , إضافة إلى تنظيم تشكيل ونشاط وحقوق وواجبات منظمات المجتمع المدني المهنية والوطنية والديمقراطية وبما يخدم قضايا الشعب والوطن.
** تنظيم عمل الحكومة بما يستند إلى الجماعية في العمل وتداول الرأي مع واتخاذ القرارات بالأكثرية والتخلي الكامل عن الفردية لدى رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ورئاسة مجلس الوزراء والوزراء ومؤسسات الدولة التي تقود إلى الاستبداد. ولنا في ذلك تجارب مريرة.
** إصدار التشريعات المدروسة جيداً والمقرة من جانب الحكومة المركزية وحكومة إقليم كُردستان قبل تقديمهما إلى البرلمانين لإقرارهما حول العلاقة بين الحكومة المركزية في بغداد وحكومة الإقليم في أربيل بشأن جميع القضايا التي تمس النشاط الحكومي الداخلي والعلاقات الدولية في مجالات السياسة والتنمية والاقتصاد واقتصاد النفط والتجارة الخارجية والمال والخدمات العامة والاجتماعية ومؤسسات النقل والمواصلات والصحية والتربية والتعليم والثقافة والفنون ...الخ , إضافة إلى سبل وآليات وأدوات حل الخلافات المحتملة في أي مشكلة يمكن أن تنشأ بين الطرفين , وخاصة عند المحكمة الاتحادية أو المحكمة الدستورية ذات التشكيلة القضائية المستقلة والخاصة. وهذه المسالة تشمل العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليمية من جهة , ومجالس المحافظات من جهة أخرى.
** تأكيد الالتزام بحل جميع المشكلات المعلقة , أياً كانت طبيعتها وحجمها وتعقيداتها , بالطرق السلمية التفاوضية ووفق الدستور وبآليات ديمقراطية , والتخلي الكامل عن العنف والقوة أو التهديد باستخدامهما في العمل السياسي. وهذا يمس القضايا المعلقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم في مسائل التشكيلات الإدارية للإقليم والمحافظات أو في ما بين المحافظات العراقية التي نشأت بسبب المضمون العنصري والشوفيني والطائفي لسياسات وإجراءات النظام الاستبدادي السابق, وخاصة سياسات التعريب والتهجير القسري وتغيير جغرافية المحافظات.
** تطوير مراكز خاصة للبحث العلمي التطبيقي الخاص بمعالجة وحل المشكلات الداخلية والإقليمية قبل أن تتحول من مشكلات أولية إلى صراعات ومن ثم إلى نزاعات سياسية يصعب تقدير عواقبها. إن الاهتمام بهذه المراكز العلمية التطبيقية التي تعتمد على نظريات علمية وتطويرها محلياً يعني بشكل مباشر خلق مصدات سياسية واجتماعية جيدة لمواجهة المشكلات المحتملة أو القائمة قبل استفحالها في المجتمع وفي إطار القوميات أو أتباع الديانات والمذاهب الدينية أو بشأن قضايا الحدود الإدارية أو الإقليمية ومشكلات المياه ...الخ.
** ويفترض في هذا الصدد أن نفهم العلاقة الجدلية المتبادلة بين ثلاث مكونات وأن نتعامل معها بكل دقة وبحساسية عالية , وأعني بذلك:
"الالتزام بمبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والمساواة بين المرأة والرجل من جهة , وضمان أمن وسلامة الفرد والمجتمع واستقلال الوطن من جهة أخرى , وضمان العمل والخدمات العامة والعدالة الاجتماعية في المجتمع من جهة ثالثة". 5
ثانياً : الاقتصاد الوطنيإن عملية تصفية أوكار الإرهاب وتجفيف منابع مدهم بالأفراد والمعلومات والأموال والأسلحة والمهمات لا يمكن أن تتم بإجراءات أمنية وعسكرية صرفة على أهميتها حسب , بل تستوجب مشروعاً وطنياً ديمقراطياً واسعاً وجذرياً يحتل الجانب الاقتصادي منه موقعاً أساسياً كبيراً وحيوياً , إذ بدونه يمكن أن تعود تلك الجماعات المتوحشة لتمارس أفعالها الإجرامية ضد المجتمع من جديد. وهذا الدرس الكبير تقدمه لنا تجربة دولة الجزائر خلال العقدين المنصرمين تقريباً. فالبطالة الواسعة والفقر المدقع والشعور بالمهانة والحيف وملامسة التمييز الاقتصادي والاجتماعي والقومي والديني والمذهبي والجنسي في التعامل اليومي والتعرض للاستغلال الفاحش ومواجهة الغنى والتخمة الفاحشتين كلها من بين أبرز وأهم العوامل التي تحرك باتجاه الانعزال والاغتراب داخل المجتمع والشعور بالمذلة والحقد والكراهية والاستعداد لممارسة الإرهاب أو الالتحاق بتنظيمات قوى الإرهاب. علينا أن لا نستخف بعواقب الجوع والحرمان والفاقة , فهي تقود إلى البؤس الفكري والسياسي وإلى التمرد ونشوء احتمالات كثيرة وباتجاهات مختلفة لمن يعاني وعائلته من كل ذلك. وبهذا الصدد أورد رئيس بعثة الأمم المتحدة آد ميلكرت في تقرير قدمه لمجلس الأمن الدولي في الخامس والعشرين من شهر أيار الحالي (2010م) لبحث آخر التطورات في العراق، إن "الأمم المتحدة تنصح جميع الأطراف بالتركيز على تقاسم الإيرادات النفطية في جميع أنحاء العراق، ومن ضمنها إقليم كردستان العراق وكركوك واتخاذ الخطوات الكافية بهذا الخصوص لحل مشاكل البلاد الاقتصادية". واعتبر مليكرت في تقريره أن "الاقتصاد العراقي يواجه تحديا يتمثل بترجمة التوقعات الكبيرة بشأن التقدم المحرز على المستويين السياسي والأمني وتحويله إلى نمو اقتصادي بما يسهم بخلق فرص عمل تساهم بتحسين الظروف المعيشية للمواطن العراقي بشكل جذري"، لافتا إلى "وجود عجز في جميع الميادين الاقتصادية في البلاد".
6
يواجه الاقتصاد العراقي خمس مسائل جوهرية يفترض البت فيها ديمقراطياً , ومنها على مستوى الدستور , والذي ما تزال الكثير من مواده حمالة أوجه , والتي يمكن تلخصيها في النقاط التالية:
أ. الاحتفاظ بالثروات الأولية , وخاصة النفط والغاز الطبيعي , ضمن ملكية الشعب كله ولا يجوز تحويلها إلى القطاع الخاص , سواء أكان محلياً أم أجنبياً.
ب. تستوجب المرحلة الراهنة دوراً كبيراً يفترض أن يمارسه القطاع الحكومي دون أي تغييب لدور ومهمات القطاع الخاص المحلي والإقليمي والأجنبي , بل السعي للاستفادة منها وفق منظور إستراتيجي واضح يساهم في دعم الجهد لتعجيل التنمية وتحسين مستوى توزيع وإعادة توزيع واستخدام الدخل القومي. وفي المرحلة الراهنة يفترض أن تدرس عملية الخصخصة , التي يركز عليها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بصورة غير مشروعة , بشكل جدي وعقلانية بعيداً عن التسرع والتشنج والموافقة على ما تطلبه هاتان امؤسستان الماليتان الدوليتان التي تسيطر عليهما الولايات المتحدة والاحتكارات الدولية , دون تمحيص دقيق لعواقبه على الاقتصاد والمجتمع وبما يساعد على احتفاظ الدولة بشيء مناسب وضروري من التأثير الإيجابي على العملية التنموية والنشاط الاقتصادي وحماية الإنسان العراقي من الكثير من العوامل والعواقب المضرة بالفرد والاقتصاد الوطني. ولا بد من دعم جهود القطاع الخاص ومده بالقروض الميسرة , وخاصة بالنسبة لبعض فروع الاقتصاد الوطني وبعض مناطق العراق المتخلفة التي تستوجب التطوير وتحقيق التوطين الصناعي وتحديث ودعم الزراعة.
ج. تنمية وتطوير القطاع الصناعي وتحديثه ومشاركته الفعالة في إشباع جزء متزايد من حاجة السوق المحلي للسلع المصنعة. ويفترض أن يرتبط التصنيع المنشود بعدد مهم من المؤشرات الجوهرية:
- استخدام التقنيات الحديثة وتطويعها بما يسهم في رفع إنتاجية العمل وجودة الإنتاج وقدرته على المنافسة الفعلية من حيث حجم الإنتاج والتكاليف والجودة - اعتماد مبادئ الإدارة الحديثة، وبضمنها الإدارة البيئية، وتقييم الأثر البيئي للمشروعات،والجدوى الاقتصادية ، والعمل من أجل اختيار تقنيات مناسبة والعمل على تطويعها بما يساعد على حماية البيئة وصيانتها من التلوث. وتحقيق التعاون العلمي الدولي من أجل تنفيذ المبادئ المذكورة ، وتطوير هذه التقنيات محلياً ووفق واقع العراق والمنطقة. وخلال العقود الثلاثة الأخيرة تضررت البيئة والطبيعة العراقية كثيراً بسبب الحروب المتواصلة واستخدام أسلحة محرمة دولياً , كما تضرر المتبقون من سكان العراق من جراء تلك السياسات والحروب وعدم حماية البيئة والطبيعة.
- تشجيع إقامة وتطوير المشاريع الصناعية الصغيرة والمتوسطة في المرحلة الراهنة حيث تسود البطالة الواسعة , إذ بإمكان مثل هذه المنشآت الصغيرة والمتوسطة استيعاب نسبة مهمة من العاطلين عن العمل ونقل قوى البطالة المقنعة إلى مجالات عمل جديدة.
- تحديد حجم الإنتاج من هذه السلعة أو تلك في ظروف عدد من المؤشرات التي ترتبط بوضع السوق المحلي والأسواق الإقليمية.. الخ ودراسة الجدوى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من هذه الصناعة أو تلك بالنسبة لقطاع الدولة , مع تقديم المقترحات بالنسبة للقطاع الخاص الذي يمكنه أن يلعب دوراً مهماً في عملية تصنيع البلاد.
- العناية التامة بالتوزيع الجغرافي العقلاني المناسب للمنشآت الصناعية بما يساعد على توطينها وتطورها وامتصاص البطالة فيها وتغيير نوعية الحياة في المجتمع ، وبما لا يضر البيئة والصحة العامة.
- العمل من أجل توفير مستلزمات نمو وتطور القطاع الصناعي الخاص ومشاركته في عملية التنمية والتشغيل وإنتاج الدخل القومي. كما يمكن في الوقت نفسه توفير مستلزمات دخول رؤوس الأموال الأجنبية إلى الاقتصاد العراقي من خلال تهيئة البنى التحتية الضرورية والأمن الداخلي وحماية رؤوس الأموال والأرباح.
- إمكانية التنسيق والتكامل مع الدول العربية ودول الجوار أو دول أخرى في العالم بشأن تحديد طبيعة وحجم وموقع التصنيع الحديث لهذه السلعة أو تلك وتأمين اسواق أكبر لتصريف السلع المنتجة.
- أهمية اعتماد مبدأ التعاون والتنسيق بين مراكز ومعاهد البحث العلمي ووضع المعاهد والمراكز والجامعات العراقية , وخاصة الدراسات العليا , في خدمة مشاريع التنمية المتعددة الأغراض وربط البحث العلمي بها.
- تطوير الفروع والدراسات المهنية والفنية التطبيقية على نحو خاص , يما يسهم في خلق الكوادر الفنية والمهنية الوسيطة للتنمية الصناعية والزراعية , وعدم إهمال البحث النظري في العلوم الصرفة.
- إلزام القطاعين العام والخاص المحلي وكذلك القطاع الأجنبي الصناعي باستقبال وتدريب عدد متزايد من خريجي الدراسات الابتدائية (التي يفترض أن تصل الدراسة فيها إلى ثماني سنوات بدلاً من ست سنوات , والمتوسطة أو الثانوية للتدريب في مؤسساتهم لفترة معينة وقبل دخولهم إلى المعاهد الصناعية والفنية مع قيام الدولة بالتعاون مع القطاع الخاص لتحمل أجور وتكاليف هؤلاء المتدربين.
إن إمكانيات العراق الفعلية تساعد على إقامة سلاسل صناعية مهمة , سواء بالاعتماد على الموارد الأولية المتوفرة في العراق كالنفط والغاز الطبيعي وبعض الموارد الأولية الأخرى مثل الكبريت والفوسفات ... وفي الصناعات الزراعية الغذائية , سواء أكان ذلك بالنسبة للخضروات أو الفواكه أو التمور أو اللحوم أو التبوغ , وفيما بعد الأسماك. ويوفر إقليم كُردستان العراق منطقة ملائمة للصناعات الزراعية والتعليب وصناعة السجائر والسجاد والملابس والصناعات البتروكيماوية والإنشائية .., الخ.
7
د : اقتصاد النفط الخام والغاز الطبيعي
يشكل النفط الخام والغاز الطبيعي الثروة الوطنية الأساسية في الاقتصاد في الوقت الحاضر ولسنوات طويلة من القرن الحادي والعشرين , وبما أن النفط ثروة وطنية ناضبة لا بد من استخدامها وفق أسس عامة وعلمية تكون ملزمة للدولة والمجتمع , ومنها :
- استمرار عمليات التنقيب عن النفط الخام في كل أنحاء العراق والتي يمكن أن يكتشف فيها النفط , سواء للاستخدام المحلي أم للتصدير.
- الاستخدام الفعلي للثروة النفطية والغاز الطبيعي في عمليات التصنيع الحديثة والصناعات البتروكيماوية وسلسلة من الصناعات الأخرى المرتبطة بها , إضافة إلى تطوير وتوسيع مصافي النفط في مختلف مواقع وجود النفط الخام وتلك القريبة من الموانئ وخطوط نقل المنتجات النفطية والغاز الطبيعي لأغراض التصدير والنقل الداخلي. كما يفترض أن يجري تطوير جاد وسريع لاستخدام بقية المواد الأولية والمنتجات الزراعية في عملية التصنيع , وخاصة الصناعات الزراعية . إن هذه الوجهة تساهم في وضع برنامج خاص للأمن الغذائي في العراق والذي يفتقده العراق حالياً , رغم تنامي الحاجة إليه , كما برهنت الحياة على ذلك , كما أنه يمكن أن يوفر مواد أولية زراعية لتنمية الصناعات الغذائية والتعليب لأغراض السوق المحلي أساساً وللتصدير لاحقاًً.
ولا شك في أن قطاع النفط الخام يستوجب وضع سياسة وطنية مدروسة بعناية تأخذ بالاعتبار عدداً من الأمور الجوهرية التي نشير إلى أهمها , رغم أنها معروفة للكثير من المتابعين لقطاع النفط الخام , ولكن حولها اختلاف وخلاف غير قليل , ومنها :
+ إبقاء اقتصاد النفط ضمن ملكية الدولة للموارد الأولية , فهذه الثروة ملك الشعب للأجيال الراهنة والقادمة والتي يفترض أن تستغل لصالحه ووفق معايير وأسس واضحة وشفافة.
+ تشكيل شركة وطنية واحدة أو أكثر تأخذ على عاتقها إنتاج النفط الخام وتسويقه وفق الأسس والمعايير الدولية ومصلحة الاقتصاد الوطني العراقي.
+ الأخذ بالمبادئ الأساسية التي تضمن للعراق مصالحه في قضايا استخراج وتصدير أو استخدام النفط الخام محلياً , سواء تم ذلك من خلال عقود الخدمة أم الحصول على التقنيات الفنية أو التأجير , على أن تعطى الأسبقية للشركات الوطنية العراقية التابعة للدولة. ولا تمنح عقود المشاركة بالإنتاج لتلك الحقول التي اكتشف فيها النفط أو المنتجة فعلاً, إذ في مقدور الشركات العراقية القيام بذلك.
+ يمكن منح عقود المشاركة في الإنتاج في تلك المناطق التي لم يكتشف فيها النفط والتي تستوجب البحث والتنقيب وحفر الآبار ومد الأنابيب .. الخ والتي تحتاج إلى الكثير من رؤوس الأموال. ويتم ذلك وفق أفضل العطاءات وأكثرها في مصلحة العراق , إضافة إلى الأخذ بالاعتبار المعايير والأسس الدولية المعمول بها في سوق النفط الدولي في وقت عقد الاتفاق عند منح مثل هذه العقود , سواء أكان من حيث نسب توزيع النفط المستخرج أم الفترة الزمنية للعقود ...الخ.
+ تجميع وتوزيع موارد النفط الخام مركزياًً وفق الأسس التي أقرها الدستور والقانون الخاص الذي يفترض صدوره لتنظيم توزيع موارد اقتصاد النفط الخام.
+ يجري الصرف على اقتصاد النفط الخام مركزياً من حيث البحث والتنقيب واكتشاف واستخراج النفط الخام وتسويقه.
+ يمكن الاتفاق على عقد الاتفاقيات النفطية من جانب الشركات الوطنية التي تشكل وفق قانون خاص بها شريطة أن تخضع تلك الاتفاقيات لإقرار الحكومة الاتحادية أو اللجنة الخاصة بهذا القطاع لدى مجلس الوزراء من حيث شروط الاتفاقية ومدى مطابقتها للمصالح الوطنية والقواعد والأسس الدولية في هذا المجال.
+ التحديث المستمر والتطوير الدائم لهذا القطاع ليكون على مستوى التقني الدولي الحديث , إضافة إلى التأهيل المستمر لكوادره وتنشيط البحوث العلمية فيه وتأسيس معهد خاص ببحوث النفط والغاز الطبيعي وتكوين الكوادر العلمية.
+ معالجة المشكلات الصحية الراهنة وسط شغيلة قطاع النفط في الحقول الجنوبية الناجمة عن التلوث الإشعاعي نتيجة عمليات استخراج النفط وبسبب ضرب المنطقة بالذخائر المشعة أثناء الحروب.
+ النفط ثروة ناضبة ولا بد من الاستخدام الفعال لها استناداً إلى بعض القواعد المهمة , وهي:
• أن تخضع كميات الاستخراج والتصدير لحاجات العراق المالية وقدراته في استخدام فعلي بعيداً عن الهدر امالي الذي شهدته العقود المنصرمة.
• أن توجه نسبة جيدة ومتزايدة سنة بعد أخرى من هذه الثروة الخامية المستخرجة لأغراض الاستخدام المحلي سواء أكان في التصنيع أم التكرير وإنتاج مشتقاتها.
• أن يجري العمل في هذا القطاع بشفافية عالية وكشف حساباته ومكافحة الفساد المالي فيه ومنع تهريب هذه الثروة بأي طريقة كانت.
+ كما يفترض أن يسعى مشروع الحكومة إلى استخدام بدائل أخرى لإنتاج الطاقة في العراق لضمان استمرار النفط أطول فترة ممكنة في باطن الأرض العراقية واستخدامها من قبل الأجيال القادمة ولن تبور هذه الثورة بأي حال. ومن الممكن استخدام العراق للطاقة الشمسية لأغراض الإضاءة والتدفئة والكثير من المجالات الأخرى , أو استخدام مياه العيون ومساقط المياه لإنتاج الطاقة الكهربائية في أرياف كُردستان أو استخدام الصحراء لمد التوربينات الهوائية أو مولدات الهواء لإنتاج الطاقة.
8
هـ : القطاع الزراعي يطرح القطاع الزراعي المهمات التالية على الحكومة والمجتمع:
* حل مشكلة الأرض الزراعية التي عجزت قوانين الإصلاح الزراعي الأول والثاني وتعديلاتهما والقانون رقم 90 لسنة 1975 عن حلها , رغم صواب الكثير من المواد التي وردت في تلك القوانين الثلاثة. ولم يكن الخلل في القوانين , وخاصة القانون الأول , بل كان العيب يكمن في سياسات الحكومية فيما بعد وفي دور أجهزة الدولة الإدارية المسؤولة التي كانت في تعارض مع مضمون تلك القوانين , إضافة إلى الصراعات الطبقية والسياسية التي تفاقمت حينذاك. ومن هنا يفترض استصدار قوانين ملزمة تعاقب في حالة عدم التنفيذ .
* تنظيف الأراضي الزراعية والمناطق الحدودية الملوثة بالمواد المشعة والأسلحة الكيمياوية وبالألغام المزروعة فيها.
* إن ضرورات تنمية وتحديث الزراعة كثيرة ومعروفة للجميع , ولكنها تستوجب إقرار وتنفيذ مجموعة من السياسات والإجراءات , كما تتطلب تعبئة المجتمع عموماً وسكان الريف والعاملين في القطاع الزراعي خصوصاً , وأهمها:
- العمل من أجل تغيير بنية الإنتاج الزراعي لصالح التنوع وتكامل الدورة الزراعية لتحسين خصوبة الأرض وزيادة الإنتاجية والإنتاج وتحسين مستوى السلع المنتجة والوارد المالي منها. كما يفترض التصدي للجهود السيئة التي تبذل حالياً لإدخال مجموعة من المحاصيل لإنتاج المخدرات على الطريقة الأفغانية التي تهدد الاقتصاد الوطني والمجتمع بمخاطر جدية. وهذا الخطر ليس وهمياً , بل هو قائم حالياً في بعض مناطق الوسط والجنوب وفي شمال العراق وفي كُردستان.
- تحديث أساليب وأدوات ووسائل الإنتاج الزراعية وزيادة استخدام المكننة الزراعية والسماد العضوي والبذور المحسنة والابتعاد عن استخدام البذور التي جرى تغيير كبير ومضر في جيناتها والتي يمكن أن تتسبب في بروز مشكلات صحية للإنسان , كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد فرضت دول الاتحاد الأوروبي إجراءات مشددة ضد استيرادها أو استيراد منتجاتها رغم الضغوط الأمريكية المتزايدة على الاتحاد الأوروبي.
- تأمين التوظيفات المالية والقروض الميسرة والخدمات الزراعية التي تساهم في مساعدة الفلاح على تحسين مستوى إنتاجيه الغلة في الدونم الواحد وتحسين النوعية وزيادة مدخولاته المالية السنوية لتحسين ظروف معيشته وحياته.
- العودة إلى إصلاح شبكات الري والبزل التي أهملت والتي أدت إلى زيادة كبيرة في ملوحة الأرض وتراجع خصوبتها وغلتها , إضافة إلى تنظيم مشكلات المياه لحوضي دجلة والفرات والمناطق الأخرى لضمان استخدام عقلاني للماء الذي تزداد سنة بعد أخرى شحته لأسباب عديدة. كما أن استخدامه غير العقلاني والتبذير الشديد فيه قاد ويقود إلى عواقب سلبية على الأرض والمنتجات والإنسان.
- التأثير الإيجابي على أسعار السلع الزراعية من خلال تقديم الدعم المالي لتحقيق التوازن العقلاني في مصروفات وإيرادات الفلاح وحاجاته الفعلية واستمرار عمله في الزراعة.
- بذل جهود حثيثة لتطوير الريف ومده بالخدمات الاجتماعية , وخاصة الطرق والجسور والكهرباء والماء والمدارس والمستوصفات ومراكز الإرشاد الزراعي ومخازن نظامية للخزن السلعي والنقل المناسب للمنتجات الزراعية وتسويقها , ومحطات المكننة وإقامة دور ثقافية ودور عرض الأفلام السينمائية والجوالة ومسارح جوالة ...الخ.
إن هذه وغيرها من السياسات والإجراءات التي ستسهم في تحقيق خمس نتائج مهمة تساعد على تحقيق الكثير من الأغراض التي عجزت نظم وحكومات القرن الماضي إلى الآن على تحقيقها , وهي:
** زيادة في الإنتاجية أو الغلة والإنتاج الزراعي الإجمالي وزيادة الدخل القومي المنتج في الريف وتحسين القدرة على تحقيق التراكم الذاتي أيضاً.
** تقليص الحاجة إلى استيراد المزيد من السلع الزراعية وتقليص الانكشاف على الخارج وتحسين مستوى الأمن الغذائي للسكان وتقليص الموارد المالية الموجهة لأغراض الاستيراد السلعي الزراعي.
** تحسين مستوى حياة ومعيشة وظروف عمل الفلاح وأفراد عائلته وتأمين المجال لبنات وأبناء الريف على التعليم والتزود بالثقافة الحديثة والتمتع بالرعاية الصحية.
** تقريب مستوى حياة الريف من مستوى حياة المدينة تدريجاً بهدف إزالة التفاوت الراهن والكبير بين المدينة والريف خلال العقدين القادمين , رغم تخلف المدينة ذاتها.
** تقليص الهجرة السكانية غير المنقطعة من الريف إلى المدينة والتخفيف من المصاعب التي تعاني منها المدينة حاليا بسبب هذه الهجرة , والعمل من أجل تحقيق هجرة معاكسة مطلوبة قدر الإمكان لصالح الريف والاقتصاد الوطني , كما يسهم في تقليص البطالة الراهنة .
9
و : التجارة الخارجية يتميز الاقتصاد العراقي بسمة التبعية الكاملة للتجارة الخارجية استيراداً وتصديراً. فصادرات النفط الخام كانت ولا تزال تشكل أكثر من 95 % من قيمة إيرادات التجارة الخارجية العراقية , في حين كانت ولا تزال الحكومات المتعاقبة تصرف النسبة الأكبر من هذا الدخل على استيراداتها السلعية وخاصة الاستهلاكية منها ولأغراض التسلح وحروب النظام الداخلية والخارجية وبذخ الحكام و"عطاياهم" نحو الداخل والخارج. والميزان التجاري العراقي يتسم بالسلبية والتشوه بدون النفط ولكن يتحول إلى الحالة الإيجابية , مع استمرار التشوه , مع إيرادات النفط الخام. ويتطلب هذا الواقع إجراء تغيير تدريجي وجذري في بنية التجارة الخارجية العراقية استيراداً وتصديراً. ومثل هذه العملية ستستغرق وقتاً طويلاً , ولكن لا بد من البدء بها.
إن أي عملية تنمية فعلية مستديمة ومتطورة تستوجب في المرحلة الراهنة إخضاع التجارة الخارجية لخمسة عوامل أساسية . وهي :
** وضعها في خدمة عملية التنمية الصناعية والزراعية والتعليمية والثقافية والبيئية.. , أي التنمية الاقتصادية والبشرية ومن أجل تحقيق تراكم عقلاني مستمر للثروة الوطنية.
** الإشباع المناسب لحاجة السوق المحلية للسلع الاستهلاكية والاستهلاك الدائم مع الاهتمام بنوعية السلع المستوردة.
** كما يفترض أن تلعب الدولة ولسنوات طويلة قادمة دور المنظم والمؤثر إيجاباً على حركة وفعل قانون العرض والطلب لضمان استقرار الأسعار وخلق توزان عقلاني بينها وبين الأجور والمدخولات السنوية للأفراد والعائلات من ذوي الدخل الواطئ والمحدود , وخاصة بالنسبة لأكثر السلع أهمية وضرورية لنسبة كبيرة جداً من السكان.
** تنويع مصادر الدخل القومي من خلال زيادة دور المنتجات الصناعية والزراعية غير النفط الخام والغاز الطبيعي في إجمالي صادرات العراق.
** السعي لتحقيق التوازن التدريجي في الميزان التجاري العراقي مع الدول المختلفة وبين الصادرات والاستيرادات , والتي يمكن أن تؤثر إيجاباً على ميزان المدفوعات.
10
ز : السياسة المالية_ يفترض أن يتضمن المشروع الوطني والديمقراطي الحديث سياسات مالية ونقدية , سياسات مصرفية وتأمينية وضريبية حصيفة تعتمد على الإستراتيجية التنموية ومجمل العملية الاقتصادية التي يسعى إلى بلورتها النظام السياسي القائم , إذ من المهم بمكان أن يفهم واضعو المشروع عدة مسائل حيوية في هذا الصدد , وهي:
- تشكل السياسة المالية والنقدية الأداة الفعلية لتنفيذ السياسات الاقتصادية , أي لتحقيق أهداف التنمية والعملية الاقتصادية المقررة سلفاً.
- اعتماد مبدأ توزيع الموارد المالية المتأتية من النفط الخام المصدر باتجاهين , هما: 70% منها لأغراض التنمية الاستثمارية , و30% منها لأغراض الخدمات الاستهلاكية أو ميزانية الدولة الاعتيادية والتحكم العقلاني بالواردات والصادرات في الميزان التجاري وميزان المدفوعات والميزانين الاستثماري والاعتيادي.
- اعتماد مبدأ الضريبة التصاعدية المباشرة على الدخل الفردي ودخل المؤسسات والشركات على نحو خاص وضمان سياسة جمركية عقلانية تسهم في دعم التنمية الصناعية والزراعية وتصريف الإنتاج المحلي.
- إيلاء اهتمام كبير بتوزيع وإعادة توزيع واستخدام الدخل القومي بما يسهم في إنماء الثروة الوطنية وتحقيق التراكم الرأسمالي وضمان استفادة الكادحين من الخدمات الاجتماعية المختلفة التي يفترض أن توفرها الدولة للمجتمع على نطاق واسع.
- الاستمرار في تأمين البطاقة التموينية على نطاق واسع بالنسبة لكل الناس من ذوي الدخل الواطئ والمحدود والعاطلين عن العمل والعجزة والمرضى والمعوزين. ويفترض أن تقطع عن فئات اجتماعية غير قليلة ما دام في مقدور السوق المحلي تأمين السلع للقادرين على اقتنائها.
- عدم الكف عن دعم الأسعار بالنسبة للسلع الضرورية , وخاصة الغذائية ، الطبية ، المحروقات , وملابس وأحذية ولعب الأطفال الذكية , التي يعجز المحتاجون لها من ذوي الدخل الواطئ والمحدود عن اقتنائها.
- دعم السلع الزراعية الأساسية ذات الاستعمال الشعبي الواسع والضروري لضمان الاستمرار في إنتاجها وزيادة وتحسين إنتاجها بدلاً من التوقف عن إنتاجها.
- اعتماد سياسة تأمين وإعادة تأمين متقدمة تسهم مع طبيعة دورها الاقتصادي على حماية الموارد الاقتصادية واستخدام المتراكم منها لصالح التنمية الوطنية واعتماد الأسس الحديثة والشروط الدولية السليمة التي تساعد على حماية الاقتصاد الوطني وعدم إلحاق أضرار به. أن شركات التأمين وإعادة التأمين الوطنية وجدت لتواجه الكوارث المحتملة وتراكم رصيداً يسعى لتعويض ما يمكن أن يتحمله المجتمع ن خسائر بسبب تلك الكوارث الطبيعية أو البشرية.
11
الفساد المالي والإداري ابتلى العراق , مثل الكثير من دول العالم النامي , وكذلك الدول المتقدمة صناعياً كلها تقريباً وأن كانت بدرجات متفاوتة , بالفساد المالي والإداري منذ عقود أربعة بشكل خاص. وإذا كان الإنسان يصطدم في فترة العهد الملكي بالفساد المالي والإداري , فقد تمثل بمبالغ جزئية وبانتشار المحسوبية والمنسوبية , إضافة إلى التمييز القومي والديني والمذهبي , وبحدود واضحة. ولكنها كانت ظواهر ولم تكن نظاماً سائداً. ولكن تحولت في العهد البعثي الأول والعهد العرفي والعهد البعثي الأخير بشكل خاص إلى نظام متكامل من الفساد المالي والإداري , وخاصة بعد الفورة النفطية في منتصف السبعينات , وتفاقمت في فترة الحرب العراقية-الإيرانية وبعد غزو الكويت وحرب الخليج الثانية وفرض الحصار الدولي. وبعد سقوط النظام البعثي وفرض الاحتلال وسلطاته الإدارية والعسكرية نما الفساد المالي والإداري وتفاقم بشكل مريع بحيث أصبح أمراً مقبولا تتعامل به الدولة والحكومة والمجتمع والشركات الأجنبية على حد سواء ودون حياء أو خشية. ولم تعد تشمل بعض الملايين من الدولارات الأمريكية , بل المليارات منها. وهو أمر مرير ويلحق أفدح الأضرار بالاقتصاد الوطني والمجتمع والفرد في آن واحد , وهو والإرهاب وجهان لعملة واحدة. فكيف السبيل إلى مواجهته؟ لا بد من وضع رؤية ونظام عمل وآليات دولية مجربة لمواجهة الفساد على صعيد الدولة والمجتمع
12
ثالثاً: الخدمات الاجتماعية (البنية التحتية)كان قطاع الخدمات الاجتماعية واحداً من أكثر القطاعات الاقتصادية الذي تعرضت مشروعاته الأساسية إلى التدمير الواسع النطاق خلال الحروب المنصرمة. وكانت حرب الخليج الثالثة والأخيرة أكثرها تدميراً للبنية التحتية والقاعدة المادية لأي عملية تنمية اقتصادية وبشرية. فقد دمرت على نطاق واسع محطات الكهرباء والهاتف والاتصالات وشبكة تنقية مياه الشرب ومئات المدارس والمستوصفات والمستشفيات والطرق والجسور ووسائط النقل السلعي والبشري والمخازن والمؤسسات الحكومية ومراكز جمع المعلومات والكثير من محطات المكننة الزراعية ومصافي تكرير النفط الخام وإنتاج المنتجات النفطية ومحطات التوزيع.. الخ. لقد كانت هذه العمليات العسكرية ذات بعدين: أولهما تعطيل قدرة النظام على استخدامها لصالح عملياته العسكرية في الحرب , وثانيهما الانتقام من المجتمع , على حد تعبير شوارتزكوب (قائد العمليات العسكرية الأمريكي في حرب الخليج الثانية في العام 1991), بسبب تأييد الشعب لصدام حسين! وكم كان هذا الرجل جاهلاً وقاسياً وجائراً بحق الشعب العراقي وانطباعه عنه. وبعد مرور أكثر من سبع سنوات على نهاية الحرب الأخيرة لا يزال الشعب العراقي يعاني بشدة من نقص خدمات كبير جداً في هذه المشاريع الأساسية. ولهذا تتحمل الحكومة مسؤولية التعجيل بإقامة مشاريع البنية التحتية (الهياكل الارتكازية) التي يستحيل تحقيق أي عملية تنمية بدون أن تتوفر مشاريع واسعة لهذا القطاع. ومع البدء بتجديد أو بناء مدارس جديدة أو مستوصفات للرعاية الصحية أو إعادة بناء الجسور ومحطات الكهرباء وإسالات الماء , فأن المجتمع لا يزال مصاب بصدمة هائلة من جراء تلك الضربات القاتلة والمدمرة التي وجهت لتلك المشاريع والتي حولت العراق إلى قاع صفصفا تقريباً وأعادته لفترة ما قبل التصنيع في العراق. لا شك في أو الوضع في إقليم كردستان العراق هو أفضل بكثير من بغداد والمنطقتين الوسطى والجنوبية , إذ أن هناك عمل دؤوب في الإقليم في مجال البنية التحتية وتحقق الكثير الإيجابي في هذا الصدد.
13
ولا بد من وضع مشروع يتضمن توجيه المزيد من الأموال والأيدي العاملة والمواد الأولية وتكليف شركات محلية وإقليمية ودولية لإنجاز مشاريع الكهرباء والماء والهاتف بسعات إنتاجية عالية تكفي لتغطية حاجة الطلب المحلي خلال السنوات الخمس القادمة مع رؤية إستراتيجية لإنتاجها , إضافة إلى تضمين المشروع بقية المشاريع التي تستوجبها البنية التحتية لتكون في خدمة التنمية وتسمح لرؤوس الأموال الأجنبية بولوج العراق فعلاً والاستثمار فيه في مجالات الطرق والجسور والنقل الداخلي والرعاية الصحية والنقل. ويمكن أن تنجز هذه المهمات على ثلاثة مستويات:
** المستوى المركزي حيث تقوم الوزارات المختصة في الحكومة المركزية بإقامة مشاريع في تلك القطاعات وتصرف عليها من الخزينة المركزية , مثل الكهرباء والهاتف والماء والطرق والجسور والسدود والنقل بين المحافظات ونحو الخارج والمدارس والمستشفيات ...الخ.
** المستوى المحلي حيث تقوم الوزارات المختلفة في حكومة الإقليم والمديريات الخاصة في كل قطاع خدمي والتابع للمحافظات بإنجاز ما يتم عليه الاتفاق من تقسيم عمل لإقامة مشاريع البنية التحتية في مجال عملها.
** مستوى القطاع الخاص المحلي الذي يمكنه أن يشارك في إقامة الكثير من هذه المشاريع على مستوى المركز أو الإقليم أو المحافظات.
ولا بد في هذا الصدد الاهتمام بثلاث مسائل أساسية , وهي:
- التعاون الوثيق والتنسيق التام بين جميع هذه المستويات لصالح التعجيل في إنجاز المشاريع لتقديم الخدمة المفقودة أو الناقصة للسكان.
- توفير الموارد المالية والمواد الأولية في أوقاتها لضمان إنحاز المشاريع دون تأخير , إضافة إلى تامين الأيدي العاملة القادرة على العمل فيها.
- الرقابة والإشراف والمتابعة الرسمية والشعبية على إنجاز هذه المشاريع لضمان السرعة والالتزام بوقت البرامج ؛ الالتزام بالتخصيصات المحددة وعدم تجاوزها ؛ الالتزام بالرقابة النوعية والمواصفات المحددة ؛ الشفافية في الصرف ومنع السرقة والنهب للمواد الأولية أو الأموال المخصصة أو قبول الرشوة لمنح المقاولة للعطاءات غير الجيدة أو إهمال المواصفات النوعية المقررة .. الخ.
إن المعلومات المنشورة في الإعلام الدولي والمحلي وعلى مستوى المنطقة تشير إلى اكتشاف ووجود فضائح كبيرة تزكم الأنوف , بسبب وجود وسيادة فساد مالي وإداري فظيعين في هذه المجالات والتي تمارسها ثلاث جهات هي: الشركات الأجنبية , وخاصة الأمريكية والعملاقة منها على وجه الخصوص , والشركات المحلية المتنفذة وذات العلاقات العائلية والعشائرية والحزبية والإقليمية بالمسئولين السياسيين , وأجهزة الدولة المسؤولة.
14
رابعاً : الحالة النفسيةإذا كان الشعب العراقي قد عانى في فترة الحكم الملكي من تشويه بنود الدستور والتجاوز على الديمقراطية في مواده عند وضع القوانين أو في الممارسة العملية في العلاقة مع الفرد والمجتمع وقوى المعارضة السياسية , وإذا كان الشعب في غالبيته قد أصيب , من خلال تلك السياسات ودور المؤسسة الدينية والعلاقات العشائرية والبطالة والبؤس الاجتماعي والثقافي والاستغلال , بانفصام الشخصية والفردية والخشية من المستقبل أو تعمق كل ذلك لديه , فأنه كان يتوقع بعد قيام ثورة تموز 1958 أن تصحح تلك المسارات وأن تسير العملية السياسية بالاتجاه الصحيح لمعالجة مشكلات الدولة والحكم والمجتمع. إلا أن هذا لم يحصل , بل تفاقم التناقض والصراع وتزعزعت الثقة أكثر فأكثر بعد تنفيذ انقلاب شباط الدموي ضد الحكومة الوطنية لعبد الكريم قاسم في العام 1963 , رغم الأخطاء الكبيرة والفردية وسلبيات بعض سياساته وخاصة في مجالات الحريات العامة والديمقراطية وغياب الحياة الدستورية. وما أعقب ذلك من انقلابات سياسية عسكرية حتى سقوط النظام الدكتاتوري في العام 2003.
إن العقود الخمسة المنصرمة تشير إلى معاناة الشعب العراقي من حالة الغربة والاغتراب في وطنه. وهي غربة واغتراب مركبة وذات عواقب خطيرة على الفرد والمجتمع. فالفرد يعاني من اغتراب ذاتي , اغتراب في عائلته ومنها , اغتراب في مجتمعه ومنه , اغتراب في دولته ومنها , اغتراب في دينه ومنه , ثم اغتراب في قوميته ومنها. وعلينا أن نسجل بوضوح بأن حالة الاغتراب المركبة والمعقدة تشمل الماضي , بسبب الحنين المرضي والمشوه لهذا الماضي , كما تحمل معها اغتراباً من المستقبل لخشية منه وما يمكن أن يجلبه معه. ولا شك في أن هذا الاغتراب قد نشأ بفعل عوامل كثيرة تقف في المقدمة منها الفردية والانفراد بالسلطة والجور والقسوة والقمع وغياب العدالة الاجتماعية عن سياسات الدولة والحكومات المتعاقبة وتغييب إرادة الفرد ومصادرة حقوقه وتشويه واجباته , وهي نتيجة لتربية وثقافة بالية تعود لقرون خلت في ظل العلاقات الأسرية والأبوية والعشائرية المتخلفة والعلاقات الإقطاعية وشبه الإقطاعية الاستغلالية البالية , كما أنها ترتبط بالمؤسسة الدينية وشيوخ الدين الذين يقرنون كل ما يحصل للإنسان بقوة غيبية هي الله لا غير وعلى الإنسان أن يتحملها ويخضع لها فهي بمثابة امتحان لصلابة وصدق إيمان الإنسان! كما أنها حصيلة التخلف الذي يعاني منه المجتمع واستمرار وجوده في تلك العلاقات القديمة والبالية , رغم ما يحيط به من عالم جديد لم يأخذ منه سوى القشور اليابسة غير المفيدة حتى الآن , ولكنها كانت كافيةً لتنشأ عنها تناقضات وصراعات غير قليلة تجسد العلاقة الجدلية بين الماضي والحاضر , بين القديم والجديد , بين الماضي الحاضر والمستقبل.
15
إن عواقب ذلك متنوعة على الفرد والمجتمع , فهي تقود إلى غيبوبة واغتراب الفرد والمجتمع عن الواقع القائم والغوص في الغيبيات أو التمرد عليها , وهي تقود إلى العزلة عن الذات والمجتمع وعن الدولة , كما أنها تعني احتمال الخروج عن القيم التي فرضتها الدولة عبر الزمن وما يمكن أن ينشأ عنها من عواقب. وفي مثل هذه الأوضاع تشتد حالة انفصام الشخصية باعتبارها حالة مرضية شديدة الأثر على الإنسان وعلى مجتمعه والدولة التي تسببت فيها ويعيش في ظلها. وتبرز حالة من الانتهازية والتدافع بالمناكب والغيرة والحسد والكراهية والحقد والكذب والخداع وتزداد حالات الانتحار. وأكثر الفئات الاجتماعية تعرضاً لمثل هذه العلل هي الفئات الكادحة العاجزة لوحدها عن معالجة مشكلاتها وما تنشأ عنها من تعقيدات , كذلك فئات البرجوازية الصغيرة.
الاستبداد والقسوة والعقوبات القاسية والشديدة كلها تحد من خروج هذه العلل عن طورها في غالب الأحيان ولا تظهر على السطح , ولكن غياب هذا الاستبداد بالإطاحة بالدكتاتور الفرد أو الحزب أو الدولة يقود إلى حرية غير محددة وغير مفهومة , إلى انفلات وحرية مطلقة , والتي لا تعني الحرية بمعناها السليم بأي حال. إنها فوضى الحرية وحرية الفوضى بكل معنى الكلمة. وهذا عين ما حصل في أعقاب سقوط الدكتاتورية في العراق وهو نتاج تلك الدكتاتورية ونتاج سياسة احتلال مقيتة.
وإذا كانت نسبة غير قليلة من أفراد المجتمع لم تلجأ إلى ممارسة أشكال مضخمة من الإرهاب الدموي في العراق بسبب سياسات وإجراءات الدكتاتورية الغاشمة , إذ كان الشعب قد عاش تحت وطأة الخشية والموت المحقق والحصار الاقتصادي الدولي الذي أذل وجوع الغالبية العظمى من سكان العراق , فإنها , رغم ذلك , لم تقّصر مجموعات غير قليلة من البشر في ممارسة عمليات الخطف والتهديد والقتل الفردي والسطو على البيوت والسرقة والاحتيال ونهب أموال الدولة أو المتاجرة بالجنس وأعضاء جسم الإنسان حتى بلغ عدد المعتقلين المشاركين في مثل هذه العمليات الإجرامية في فترة حكم صدام حسين عشرات الألوف , في حين كانت هناك عشرات ألوف أخرى لم تعتقل لأنها كانت في حماية المسؤولين أو لأسباب أخرى. ومن اعتقل منهم أطلق النظام ألصدامي سراحهم قبل بدء حرب الخليج الثالثة لكي يعيثوا بعد سقوطه في الأرض فساداً ويشيعوا الفوضى والموت والنهب والخراب في البلاد. وهذا ما حصل فعلاً. وبعد سقوط النظام تحولت تلك العمليات , ومع دخول تنظيمات إرهابية جديدة وتشكيلات الجريمة المنظمة إلى العراق والقوى المعادية للتغيير الذي حصل في العراق , إلى نشاطات إرهابية فردية وجماعية واسعة النطاق شاركت فيها نسبة معينة من أولئك المصابين بهذه العلل النفسية والعاهات المرضية , بسبب الفراغ والانفلات الذي تسببت به وسمحت له قوى الاحتلال تحت شعار " ليتمتع الشعب بحريته بعد أن حرم منها طويلاً !" , وكانت الطامة الكبرى التي لا يزال يعاني منها الشعب. وعلى هذا الأساس فالمجتمع العراقي مريض عصبياً وعليل نفسياً ومشوه ثقافياً وقيماً وسلوكيات بالرغم منه وليس باختياره. إذ أن كل فرد فيه يعاني من هذا المرض أو العلة أو من كل تلك الأمراض والعلل , وكذلك المجتمع بشكل عام. وهي حالة ليست نادرة في بلدان عاشت أو يمكن أن تمر بتجارب مماثلة.
16
إن علينا أن نقرر بأن هذه العلل لن تزول في فترة قصيرة ولن تزول دون معالجات جادة وعبر حزمة من الإجراءات السياسية والاقتصادية والصحية والنفسية والثقافية والاجتماعية والبيئية. وهذا يعني أن العراق بحاجة إلى مشروع وطني ديمقراطي طويل الأمد يمتد إلى مدى ربع قرن قادم ويتضمن:
• تأسيس معاهد ومراكز للبحث العلمي تابعة للدولة تقوم بدراسة ميدانية للأوضاع العصبية والنفسية في العراق وتشخيصها والسعي للتحري عن معالجات فردية وجماعية لها.
• الاستعانة بخيرة الكوادر العراقية والعربية والدولية في هذا المجال وتوظيفها في تلك المعاهد وفتح عيادات خاصة لهذا الغرض.
• التعاون الوثيق والتنسيق في مجال البحث العلمي وتبادل الخبرة والكوادر والتأهيل مع معاهد دولية لها خبرة في أوضاع الإنسان بعد المرور بفترات من الدكتاتورية والحروب والحصار الاقتصادي الدولي فترات الجوع والحرمان والخوف والقمع في آن.
• تطوير سياسات الصحة النفسية , الوقاية والعلاج والتأهيل وإرشادات الدعم النفسي والاجتماعي والسياسي وتفعيل دور المؤسسات الدولية في دعم الخدمات النفسية , وكذلك تنشيط دور وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في هذا المجال
• البدء بإدخال نتائج تلك المعالجات في عمليات التربية والتثقيف العائلي والمدرسي وفي المعاهد والجامعات لتأمين معرفة الإنسان بما يعاني منه وسبل معالجته.
• ولكن قبل هذا وذاك وأثناء ذلك لا بد من العمل لإزالة كل الأسباب التي أدت إلى بروز هذه الأوضاع والعقد والمشكلات النفسية والعصبية لدى الإنسان العراقي , وبشكل خاص في صفوف الأحزاب والقوى السياسية والحكومة , إذ أنها كانت في واقع الأمر السبب وراء ما يعاني منه الشعب في الوقت الحاضر. ففردية الأحزاب والطاعة التي تفرضها نظمها الداخلية وقياداتها والصراعات التي تثيرها والطائفية أو العنصرية والشوفينية التي يدين بها البعض من تلك الأحزاب , وروح الاستبداد والقسوة وإقصاء الآخر كانت وراء ما يعاني منه الإنسان العراقي.
• إن البرنامج الذي يفترض أن يوضع في هذا الحقل يستوجب أن يضعه متخصصون في الطب والبحث النفسي والاجتماعي وفي الاقتصاد والثقافة والتربية والتنوير الديني والاجتماعي ..الخ ليكون برنامجاً جدياً ومتعدد الجوانب وقادراً على التأثير وتحقيق نتائج إيجابية خلال ربع القرن القادم.
17
خامساً : التربية والتعليملقد شهد هذا القطاع الخدمي الأساسي أسوأ عمليات الهيمنة والتسلط من جانب الحكم البعثي الذي هيمن على رقاب الشعب ومارس أسوأ وأكثر إجراءات التغيير والتشويه والعبث بعقول الناس وعواطفهم وتطلعاتهم ومستقبلهم. فقطاع التربية والتعليم يعتبر المسؤول الأول عن إيصال أسس التربية العلمية والقيم الرفيعة والفكر الحر الديمقراطي والثقافة العامة للأطفال والصبية الشباب في مختلف مراحل التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي من ثم التعليم والجامعي. فحزب البعث أدخل إلى كل هذه المجالات ليس الفكر القومي الشوفيني الممجد للقومية العربية على حساب القوميات الأخرى حسب , بل وفرض عليها الفكر الشمولي والقوة ومفهوم العنف , وأن "الحق لا يمنح بل ينتزع":
السيف أصدقُ أنباءً من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب هذا هذا المفهوم القبلي الذي يعود إلى عهود الصحراء والقبيلة والترويج لمبدأ حق الغزو والحرب "لاستعادة أو امتلاك الحق!" فالحق والقوة صنوان لديهما. لقد روج وعمق الفكر الفاشي الممجد للفرد الدكتاتور وحزبه وأهدافه العدوانية وعسكرة المجتمع واعتبار القوة والحرب هما الوسيلة للوصول إلى الحقوق والتوسع. لقد كانت تربية قومية ودينية متفاعلة ومتبادلة التأثير ومشوهة للمسألتين. لقد كانت عواقب ذلك شديدة السلبية على عدد من الأجيال التي ولدت قبل وصول البعث وتربت وتعلمت على أيدي كوادره الحزبية والحكومية. وقد عرفت هذه المجالات إبعاداً للديمقراطيين والتقدميين والفكر الديمقراطي والتقدمي الإنساني الحر والمستقل.
ولهذا فأن العمل في هذا المجال كان ولا زال شديدة الصعوبة ومعقد للغاية وأحياناً يحمل معه مخاطر غير قليلة ويستوجب جهوداً كبيرة وحثيثة ومديدة. إلا أن المشكلة برزت في أن من أخذ على عاتقه تغيير وتعديل المناهج في بغداد ومدن الوسط والجنوب هم من العناصر الدينية السلفية الأكثر تخلفاً في المؤسسة الدينية والأكثر استبداداً وشمولية. مما جعل ما يطرح على الأطفال ليس الفكر الديمقراطي , بل الفكر الديني السلفي والشمولي والعقلية التي تدمج بين الفكر القومي الشوفيني المبطن والمقترن بالفكر الديني السلفي والغيبي. ماذا يعني ذلك ؟
إن هذا يعني أن العراق أصبح الآن بحاجة ماسة جداً إلى إجراء عملية تغيير جذرية في الفكر الديني الطائفي السائد حالياً والمشحون بممارسات القوة والعنف واستئصال الأخر التي مورست خلال السنوات السبع الأخيرة. فمناهج التربية والتعليم الجديدة لا تختلف كثيراً عن سابقاتها كثيرا, إذ أفُرغت هذه المرة من كل ما تبقى فيها من جوانب علمية وحشيت بالفكر الغيبي المتخلف والبعيد عن واقع الحياة. وستقع على عاتق الدولة , إن قررت السير في طريق التطور الديمقراطي الحر , أن تبدأ بتشكيل لجان متخصصة من عناصر علمية وديمقراطية مستقلة وواعية تضع مناهج التربية والتعليم لمختلف مراحل الدراسة وتلتزم بالعلمية والموضوعية والفكر الديمقراطي الحر المتفتح والحواري من أجل بناء أجيال جديدة بهذا الاتجاه. إنها مهمة معقدة وستواجه صراعاً عنيفاً من جانب قوى الإسلام السياسية , سواء أكانت شيعية أم سنية , ومن جانب القوى القومية الشوفينية في آن , ولكن لا بد من خوض هذه المعركة الفكرية التنويرية والديمقراطية من أجل أن يكون للعراق مشروعه الوطني والديمقراطي الاتحادي الحديث في مجال التربية والتعليم الحديث. وأكثر المسائل أهمية في هذا المجال هو إبعاد الدين عن المناهج الدراسية لجميع المراحل واعتماد العلم والمنهج الجدلي في وضعها واستخدام الأساليب الحديثة في التربية والتدريس. فالمجتمع لا يحتاج إلى محو أمية القراءة والكتابة حسب , بل إلى عملية تنوير دينية واجتماعية عميقة وجذرية وتخليص الإنسان العراقي من الفكر الديني السلفي الشمولي المغرق بالتخلف ومعاداة العلم والتقدم والحداثة والمليء بفكر القوة والعنف واستئصال الآخر. ومن يتابع ما جري ويجري في العراق خلال السنوات السبع المنصرمة يدرك أي درك سحيق وصل إليه فكر الإنسان العراقي وغياب العقل وهيمنة العاطفة البدائية على سلوكه وتصرفاته. وهي حصيلة منطقية لتغييب أو إزالة ما أقيم من قيم وقواعد وسلوكية مأخوذة من أسس المجتمع المدني. سنوات سبع عاش المجتمع في ظل التوحش والعدوانية , وأن استمرارها يقود إلى عواقب مريرة , والبدء بمكافحتها يتطلب وضع وتنفيذ المشروع الوطني والديمقراطي الحديث والشامل لتحقيق التغيير الجوهري المنشود في العراق.
يعاني التعليم في العراق من تراجع شديد في مجال استيعاب التلاميذ. فالمعلومات المتوفر تشير إلى ثلاث حقائق جوهرية تعكس بسلبياتها الحادة الآن وفي المستقبل على المجتمع بأسره:
1. "نحو خمسين بالمئة من أطفال العراق هم اليوم خارج المدارس , أي "أن هؤلاء الأطفال يتوزعون بين الشوارع , والأسواق التجارية , وورش العمل (أعمال السمكرة , وصيانة السيارات , وغيرها ...).
2. قلة وبؤس أبنية المدارس وتضخم عدد الطلبة في الصف الواحد واستخدام الأبنية لأكثر من وجبة تعليم في اليوم الواحد , وقلة وضعف مستوى الهيئة التعليمية وما ينجم عن ذلك من صعوبة وصول المعلومات والعناية بالطلبة ومستواهم التعليمي , إضافة إلى التسرب الكبير والمتواصل من مراحل الدراسة الابتدائية والثانوية. وأن هذا الواقع يعكس تأثيره السلبي على الجامعات التي تعاني هي الأخرى من مصاعب جمة.
3. إن وجود هذا العدد الكبير من الصبية خارج العملية التعليمية المرتبط بالحاجة المعيشية لعائلاتهم قد أدى ويؤدي إلى بروز علل اجتماعية كبيرة بما فيها سقوط الصبية , أولاد وبنات , ضحايا سهلة بأيدي المتاجرين بالجنس وعصابات التسول والجريمة المنظمة ...الخ.
وعلى صعيد إقليم كُردستان فقد توفرت فرصة كبيرة لتطوير التعليم وتغيير مناهج التربية والتعليم التي فرضت على نظام التعليم في العراق , ومنها الإقليم , بعد العام 1991/1992. وعبر السنوات المنصرمة تحققت خطوات مهمة على هذا الطريق وتخلص النظام التعليمي في الإقليم من الفكر الشوفيني والفاشي العسكري الذي كرسه نظام البعث في العراق. تأسست في الإقليم سبع جامعات حكومية موزعة على ثلاثة محافظات وأقضيتها , إضافة إلى العديد من الجامعات والمعاهد الأهلية وكذلك الجامعة الأمريكية في السليمانية الجديدة في السليمانية. ورغم أهمية هذا العدد , فإنها من الناحية النوعية لا تزال ضعيفة في جهازها التعليمي وقدراتها العلمية والفنية ومختبراتها وما يحتاجه البحث العلمي. كما أن هناك ضعفاً في مراكز البحث العلمي وندرة الأبحاث العلمية. وقد ازداد عدد التلاميذ والطلبة في المدارس والمعاهد والجامعات الكردستانية.
من الضروري تبادل المعارف والخبرة مع نظم التعليم العالمية الحديثة من جهة , كما يمكن تحقيق التعاون على مستوى العراق ومع المركز في بغداد للتأثير الإيجابي على المركز بسبب الصعوبات التي يواجهها في هذا الصدد باتجاه جعل التعليم مدني علماني وديمقراطي حديث وبعيداً عن الفكر القومي الشوفيني أو ضيق الأفق القومي أو التعليم الديني غير المتنور.
والعراق بحاجة ماسة إلى إقامة شبكة واسعة جداً من المدارس الابتدائية والثانوية ومعاهد للدراسات المهنية والفنية على صعيد القطر كله , مدارس تتميز ببنايات نظامية ومؤهلة للتدريس ومجهزة بمستلزمات الدراسة ومزودة بالمختبرات الضرورية وورشات للتدريب والتأهيل وفيها كل وسائل تطوير الفنون والرياضة .. الخ , وجهاز تعليمي وتدريسي واسع من النساء والرجال مؤهل للمهمات الكبيرة ويشارك باستمرار في دورات تأهيلية حديثة.
18
سادسا : العلوم ومراكز البحث العلميليس التخلف الذي يعاني منه العراق مرتبط بغياب الإنتاج المادي واعتماده على الاستهلاك السلعي المستورد , وليس في قلة التقنيات الحديثة المستخدمة في الاقتصاد الوطني , ولا في ضعف معدل حصة الفرد الواحد من الدخل القومي ووجود بؤس وفاقة حسب , بل وبالأساس في تخلف العلوم والتقدم التقني والبحث العلمي وفي ضعف مستوى تطور القوى المنتجة البشرية والمادية التي ينتج عنها كل ما أشير إليه سابقاً , أي أن تلك الظواهر والمظاهر ليست سوى النتيجة , في حين أن السبب يكمن في طبيعة علاقات الإنتاج القائمة في البلاد والمهيمنة على الحياة العامة والمانعة لتطور الإنسان وقواه وقدراته الفعلية. وهذا الحقيقة ليست خافية على الكثيرين من بنات وأبناء الشعب العراقي , ولكن غالباً ما يشار إليها وكأنها السبب في واقع العراق القائم , في حين إنها نتيجة , وأن السبب يكمن في مكان آخر. وإزالة هذا التخلف السائد في علاقات الإنتاج والقوى المنتجة لا يغطيه شراء العلوم والتقنيات الحديثة من الخارج , بل يفترض أن يكون المجتمع قادراً على استخدامها وتطويرها وتطويعها ووضعها في العملية الإنتاجية , وهذا يعني ضرورة تطوير التربية والتعليم في جميع مراحله من جهة , وتطوير مراكز البحث العلمي التطبيقي والصرف من جهة ثانية , وزيادة عدد الكوادر العلمية المتجهة صوب البحث العلمي الجماعي (فرق بحثية) الذي يمكنه أن ينشئ قاعدة علمية وفنية حديثة لتطوير الاقتصاد من خلال تطوير قوى الإنتاج من جهة ثالثة. تمكن النظام السابق من تطوير خمس أنواع من مراكز البحث باتجاهات عدة وحقق نجاحات مهمة فيها معتمداً في ذلك على كوادر متخصصة عراقية وعربية ودولية , كما وضع تحت تصرفها المليارات من الدولارات الأمريكية المتأتية من عوائد النفط الخام , وهي :
** مراكز علمية للبحث في مجال تطوير العلوم العسكرية والبحث فيها وكتابة رسائل ماجستير ودكتوراه وبحوث تطبيقية بهذا الصدد ودراسة المعارك المحلية والعربية والإقليمية والدولية السابقة.
** البحث في تطوير إنتاج الأسلحة بمختلف أنواعها بما فيها أسلحة الدمار الشامل بالاعتماد على شراء خبرات ومعارف دولية من الشرق والغرب والبلدان النامية والدول العربية ومنح أموال ببذخ كبير لهؤلاء الخبراء ومن أجل شراء التقنيات والأسرار الضرورية لصنعها. كما أبدى اهتماماً ملموساً بالبحوث العلمية في مجال النفط وتطوير الكوادر باعتباره القطاع الجالب للأموال.
** تطوير البحث في مجال الأمن والاستخبارات والمخابرات ومطاردة ومكافحة القوى المناهضة. وقد ساعدته في هذا الصدد كل الدول الشرقية والغربية وبعض الدول المجاورة وفي فترات مختلفة.
** تطوير مراكز البحث في مجال الإعلام وسبل نشر الضبابية والتشويش الفكري ونشر المعلومات المسيئة للقوى المناهضة له معتمداً على مقولة جوزيف غوبلز , وزير الدعاية السياسية في عهد هتلر: "اكذبوا ثم اكذبوا ثم اكذبوا , لعل بعض أكاذيبكم تعلق بأذهان الناس!
** مراكز بحث لتمجيد القائد وحزب القائد وتاريخ الأمة العربية وإعادة كتابة التاريخ ونسبه بطريقة مشوهة لذلك التاريخ ومسيئة للقوميات الأخرى , وهي في كل الأحوال لم تكن في صالح العرب , إلى أن أصبح صدام حسين سليل علي بن أبي طالب , كما نادى البعض في مصر في آخر عهد فاروق بأنه خليفة المسلمين ويعود في نسبه إلى النبي محمد بن عبد الله.
إن كل ذلك لم يساعد على خلق مجتمع متقدم لأنه لم يستند إلى أسس تغيير بنية الاقتصاد والعلاقات الإنتاجية واتجاهات التنمية والوعي الاجتماعي بشكل صائب , بل كان موجهاً صوب تعميق ونشر الحقد والكراهية والحروب والهيمنة والذهنية العسكرية. فكانت النتيجة أن أصبح العراق حطاماً وهي تركة طبيعة للدكتاتورية التي سادت العراق والدكتاتور صدام حسين الذي حكم العراق قرابة 35 عاماً.
ولهذا لا بد من التوجه صوب العلوم ومراكز البحث العلمي بالاقتران مع عملية تغيير علاقات الإنتاج وتنمية الإنسان وتربيته وتعليمه وتنويره والجماعية في البحث العلمي وفي مختلف مجالات العلوم والتقنيات الحديثة والدراسات التطبيقية وتحقيق التعاون الدولي في هذا المجال.
إلا أن مراكز البحث العلمي لا تستوجب توفير الكوادر والأموال والإدارة الجيدة والارتباط بينها وبين بقية مراكز البحث العلمي والمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والمناهج والدراسات الجامعية ومختلف الحقول الثقافية .. الخ حسب , بل تستوجب الحرية الأكاديمية والديمقراطية التامتين في التدريس والبحث العلمي وفي الانفتاح على العالم والعلوم والثقافة وإبعاد الدين عن مجالات ومراكز البحث العلمي والجامعات والمعاهد والتعليم كلية , إذ أن العلم له مجاله والدين له مجال آخر وليس بينهما من علاقة , بل يسود بينهما التناقض والصراع إن جرت محاولة الربط بينهما.
ولا تقتصر مراكز البحث العلمي على الجوانب العلمية الصرفة , بل تشمل جميع مجالات الحياة في البلاد , ابتداءً من مختلف مراحل العملية الاقتصادية الإنتاج والتوزيع والتبادل والاستهلاك وفي مختلف فروع وقطاعات الاقتصاد الوطني ومنها اقتصاد النفط والغاز الطبيعي والتصنيع والزراعة , وكذلك في العلوم الاجتماعية والنفسية والعصبية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والديمقراطية والمجتمع المدني وتجارب العقود المنصرمة ودروسها , ومروراً بالبحوث الأدبية والفنية أو الثقافية بشكل عام , وانتهاءً بعلوم الطب والصيدلة والفيزياء والكيمياء والحيوان والنبات والرياضيات والهندسة بمختلف فروعها ...الخ. وباختصار فأن العراق بحاجة إلى مراكز للبحث في مجالات حياة الإنسان والاستقرار والسلام والتآخي والتضامن والبناء والتقدم , وهو ليس بحاج إلى بحوث في استخدام القوة والعنف والعسكرة والسلاح والحروب والعدوان بأي حال.