مقدمة في عالم هرمان هيسه / بقلم سلوان ساكو - الجزء الرابع


المحرر موضوع: مقدمة في عالم هرمان هيسه / بقلم سلوان ساكو - الجزء الرابع  (زيارة 5229 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل سـلوان سـاكو

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 291
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
وسمع في نفسه صوتا يدعوه الى الهرب الى الهند . كانت تربطه بالهند بعض الروابط ، منها أن أمه ولدت هناك ، وأن أباه عاش هناك فترة من الزمان وأن الهند كانت (موضة ) في تلك الفترة ، فكُثر من معارفه رحلوا اليها ، وعادوا بالغريب من الاخبار. وفي سبتمبر عام 1911 سافر الى ايطاليا ، الى جنوا ، وركب مع صديقه الرسام هانس شتور تسنئيجر الباخرة المتجهة الى الهند . وتجول في الهند وسيلان وسومطرة وبلغ حدود الصين .
واستفاد الكثير من الرحلة ، عرف مثلاً ما يردده الصينيون عن القوة التي لا محيص عنها ،وعن المستقبل المؤكد ، وعرف أن الصلة بين الغرب والشرق حقيقة، ولكن أهل الغرب يصعب عليهم الاندماج في أهل الشرق ، فقد فرّق بينهم الزمن ، وأصبح أهل الغرب كالمطرودين من الجنة. ولكنه تبين في أثناء الرحلة شيئاً أهم بكثير وهو أن الانسان يخطئ عندما يهرب من مشاكله . من كانت لديه مشكلة ، فعلية أن يجابهها ،وعليه أن ينظر في نفسه ،وأن يغوص في نفسه الى الاعماق . وفهم هرمن هيسه فوق هذا وذاك أن عليه أن يبذل الجهود المتواصلة ليسيغ الفكر الغربي والفكر الشرقي وقد استمر هذا الأعوام والأعوام.
وعاد هرمن هيسه الى أوربا ، ليجدد حياته . فقرر أن يترك بيت جاينهوفن وأن ينتقل الى المدينة . وفكر في دريسدن في مونيخ ، ولكن زوجته أصرت على يكون الانتقال الى مدينة سويسرية ، فانتقلت عائلة هيسه الى برن في سبتمبر 1912 والمؤكد أن العلاقات بين هرمن وزوجته كانت سيئة ، يؤكد ذلك ما نقرؤه في بعض خطاباته في تلك الفترة (( لقد أصبحت علاقتي بعائلتي منذ عدة سنوات مقصورة على أن أعذب نفسي لكي أوفر لها المال اللازم......)) أما الخطابات التالية فتتحدث عن الحياة الزوجية الفاشلة ،وعن زواج الفنان عامة ، هل يؤدي الى الاستقرار أو الى الاضرار بالابداع  الفني ،ويكاد الانسان يجزم بأن زوجة هيسه كانت عصبية المزاج يدل على ذلك أنها أصيبت بما يشبه الجنون في عام 1916 وأدخلت المصحة .
في الفترة بين عودة هيسه من الهند وقيام الحرب العالمية الأولى ظهرت مجموعة من القصص اهمها (بيت الأحلام) و(ثلاث حكايات من حياة كنولب) كان كنولب هذا رجلاً  يضرب في الأرض لايتخذ لنفسه سكنا بعينه ، بل يلوذ دائماً بنفسه ....يعيش وحيداً فيها ،لا يؤرقه صديق ولاحبيبة ،ويسعد بالمروج والجبال والطبيعة الصافية ،ولكنه لا يجد ضالته .وتنتهي قصة كنولب بكلمات يوجهها اليه الرب (( لم يكن في المستطاع استخدامك الا على هذا النحو ... أنت ابني وأخي وقطعة مني ، وأنت لم تذق شيئاً ولم تعان من شيء إلاوكنت فيه معك)).
فلما قامت الحرب العالمية الأولى كان بين القلائل الذين عارضوها وظلوا يعارضونها الى أن انتهت الى لا نهاية . وقد أدى هذا الموقف الذي وقفه هيسه  الى كثرة نقاده ومهاجميه ، وظل هيسه في نظر الحكم النازي مثلاً على الاديب اللين، المائع ، الذي يفتقر الى الشهامة والشجاعة والرجولة حتى دارت الأيام دورتها وأكدت صدق نظرته ، وجعلت الصواب كل الصواب في جانبه . كانت سنوات الحرب مليئة بالعذاب بما لقيه  هيسه في داره وأهله :
(( سنوات بلا بركة .
عاصفة على كل الطرق
فلا وطن في أي مكان
بل ضلال وخطأ )).
وأصيب هرمن هيسه بالاكتئاب ، وساءت حاله نفسياً وجسمانياً وبخاصة بعد موت ابيه ،ومرض ابنه الأصغر مرضاً كاد أن يقضي على حياته ، ومرضت زوجته عقلياً ،ولجأ هيسه الى العلاج النفسي ، واستعان بالدكتور برنهارد لانج تلميذ العلامة النفساني الشهير يونج فأفاده هذا العلاج فائدة كبرى ، وفتح السبيل أمامه الى معرفة مدرسة أو مدارس التحليل النفسي ، والافادة بمناهجها في فنه. لم تكن هذه هي المحنة الأولى التي تعرض لها .لقد انشق مابينه وبين العالم ، وأصبح العالم في جانب وهو في جانب وبين الجانبين صدع عميق ،أعمق من قبل . كان في الثالثة عشرة من عمره آنذاك،وتحول من تلميذ مطيع الى انسان يريد أن يحترف الشعر ،تحول من تلميذ منتظم الى فنان صغير سمع صوت الالهام، وصوت الالهام اذا رن في جوانب النفس لا يسكت . وكان ان وقف هو في جانب وأهله في الجانب  الآخر . واضطرب في المدرسة وفي العمل ، ولم يفلح ،حتى تمالك نفسه ، وتولى زمام أمره فحقق أحلامه . وكذلك في الأزمة الثانية . يقول :
(( فأصبحت أخفق في كل أمر، كحالي في الأزمة الأولى ،وأصبحت وحيداً يائساً ، وأصبح الناس يسيئون فهم كل أقوالي وأفكاري، ويفعلون ذلك بدافع العدواة ، وأصبحت أرى هوة سحيقة كلها يأس تفصل بين الواقع وبين ما يلوح لي جديراً بالرغبة، معقولاً طيباً ... ولم يدم بي هذا الحال طويلاً، حتى رأيتني مدفوعاً الى الاقرار بأن البحث عن أصل محنتي لايصح أن يتجه الى ما هو خارج عني ، بل ينبغي أن يتجه الى داخلي ، وأيقنت أنه لا يحق لانسان ، أن يتهم الدنيا كلها بالجنون والغلظة ، وأن محنتي  تعني أن الكثير من الاضطراب يعتمل بداخلي ما دمت أجدني مصطدماً مع الدنيا كلها ، وبحثت في نفسي فوجدت فيها بالفعل اضطراباً عظيماً )) .
وبدأ هرمن هيسه من جديد . وكانت هذه البداية متمثلة في روايته (دميان )، التي يعالج فيها مشكلة المراهقين وما يتعرضون له عندما يبارحون بيوت أهليهم ، ويخرجون الى العالم الخارجي .وقد تبلور اهتمام هيسه بمشكلة المراهقين وتربيتهم في (لعبة الكريات الزجاجية ) في سخصيلت الصغار الذين يبعدون عن العالم ويحجزون في اقليم منعزل . وقد نجح (دميان ) (1919) نجاحاً كبيراً  يذكر بنجاح (بيتر كامينتسند) وكثر النقاش حوله . وقد وصف توماس مان أثر هذه الرواية بقوله انها(( كهربت جيل العائدين من الحرب العالمية الأولى وانها كانت بدقتها البالغة تمس عصب الحياة ))-وتبع رواية دميان – التي ظهرت أول ما ظهرت تحت اسم مستعار – كتيب هو (( عودة زرادشت )) يتكلم لغة شبيه بلغة ((دميان))، ويؤكد على أهمية الفرد كفرد، وعلى ضرورة الحياة لمفهوم  الفردية المطلقة . ويعتبر هذا الكتيب محاولة من هيسة لتشجيع الجيل الذي خسر الحرب على الاتجاه آفاق جديدة ، على فهم نفسه ، وعلى فهم نفسه ،وعلى خلق حياة جديدة .وفيه عودة الى المشكلة  الاساسية في نظر هيسه : مشكلة العلاقة بين الفردية والجماعية .
كانت حياة هيسه العائلية قد تحطمت : الزوجة في المصحة ، الأولاد في مدارس داخلية وفي رعاية معارف أو أصدقاء ، البيت مقفول . كان هرمن  هيسه على حد قوله قد أغلق شباكه وأغلق قلبه .وكانت حياته – على حد قوله ايضاً- قد استحالت الى حطام . وحزم هيسه كتبه ومتاعه وانتقل الى سكن اخر ، الى جنوب سويسرا ، الي تيسين . وتنقل في اماكن مختلفة في تيسين الى ان استقر في لوجونو مونتانيولا في مايو 1919. وهناك خلا الى نفسه ليصحح ما فسد منها ، وليعدها لحياة جديدة ، وليعيدها الى النشاط .((ان روحي هي قطعة من تطور الانسانية ،وان كل انتفاضة مهما كانت من الصغر لها أهميتها التي تشبه أهمية الحرب والسلام في العالم الخارجي ...)) واهتم بالرسم وكثيراً ما حمل أوراقه وقلم الفحم ورسم مايتراءى له، أو رسم أحلامه . وانتج عدداً من القصص منها مجموعة  باسم (( صيف كلينجسور الأخير )) ، واشترك في مجلة (( فيفوس فوكو )) التي كان ينشر فيها وبخاصة مقتطفات من مؤلفاته الجديدة ، وكانة دخله من هذا العمل يكفي للصرف على الأولاد .كذلك نشر مجموعة من القصائد المختارة في عام 1921 وعمل بجد في رواية ((سد هارتا )) التي تمت وخرجت للناس في عام 1922 ، في جزأين، الأول مهدى الى الأديب  الفرنسي  رومان رولان ( كتذكار لمساندته إياه في مطلع الحرب العالمية  الأولى ) والثاني مهدى الى فيلهلم جوندرت ابن الخال التمخصص قي لغات وآداب وفلسفات شعوب آسيا. ولا شك أن هذه القصة الهندية تعتبر بداية لصياغة ما أفاده من رحلة الهند ، وهي كغالبية روايات هيسه ، قصة حياة انسان ، قصة نموه ، هذا الانسان هنا هو سيد هارتا الذي ترك مسقط رأسه وسعى لنيل عالم الروح فكان تارة يصل الى الروحانية ، وتارة يتخلى عنها ويضطرب في المادية . وأخيراً تعلم شيئاً من الاسرار فرأى ان الدوام وراء مظاهر الفناء ، والوحدة وراء مظاهر الاختلاف .وكلمة سيدهارتا تعني بالسنسكريتية : من بلغ هدفه . ولقد بلغ الرجل هدفه عندما فهم سير النهر ، الاوهو الانسجام . ولقد بين الرواية مدى فهمه للفكر الهندي والصيني معاً .
نفس المصدر السابق




غير متصل ash19713839

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 686
  • الجنس: ذكر
  • الايمان بل العمل خير من المواعظ الكاذبة ‎- ويليام
    • رقم ICQ - 2102284822
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • www.ankawa.com
    • البريد الالكتروني
شكراااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا على المقال الرائع .....


2010

خدمة ابناء شعبنا العزيز هي المهم وليس المجد الباطل والتاج الناقص
Service of our dear people is important, and not false glory and the crown missing