محكمة وكوابيس
عبدالمنعم الاعسم
aalassam@hotmail.com التكتيك الذي استخدمه فريق الدفاع عن صدام حسين انتهى الى حيث زعم رئيس الفريق خليل الدليمي القول ان المحكمة الجزائية فقدت لائحة اتهامها، ولم يعد لها مبرر، وذلك بعد اربع جلسات استعراضية زجت فيها هيئة اركان الدفاع بكل احتياطها من الشهود الملقنين والمدربين جيدا على انشودة "السلام على الرئيس القائد" واطلاق القصائد والشعارات والاستهزاء بالقضاء والاخلاق، فضلا عن هياج الاباعر في قفص الاتهام متجسدا في هتافات الجلاد برزان التكريتي، بين فترة واخرى تتخللها مطالعات مفبركة واستعراضية وحِكَمية من اجل"فائدة" المحكمة.
وفي تفاصيل هذا التكتيك جرى فرْض الحصار على الادعاء العام وارهابه لزوم احتسابه متهما ومطلوبا للعدالة ومدافعا عن نفسه طوال الوقت، ففي كل جلسة تنطلق من كراسي الدفاع (عن الباطل) عدة صواريخ هجومية، بلهجات اردنية ومصرية وخليجية وعراقية منسقة كفاية، نحو منصة الادعاء، كما فُرض التغييب التام على وكلاء الضحايا الذين صاروا، في نهاية المطاف، عرضة للهجوم والمراقبة والرصد من محامي الدفاع والقاضي على حد سواء حتى حين وصف احد هؤلاء المحامين حكم صدام حسين بـ"النظام البائد" إذْ اُعتبر ذلك بمثابة اعتداء صارخا على طبيعة المحاكمة الجنائية "غير السياسية" وكان عليه ان يعتذر لمقام المتهم الاول (غير البائد) فيما حوّل المتهمون ووكلاؤهم جلسات المحاكمة الى سيرك سياسي، يظهر فيه جلاد سابق في قاطع الاعدامات الرهيب في سجن ابو غريب داعية ومبشر ومفكر ونذير وعارف في كل ما لا نعرفه نحن، وما لا تعرفه المحكمة نفسها.
وفي التفاصيل، صار الجلاد الذي جز رقاب 148 مواطنا برمشة عين ضحية، باعتذار، واصبح الضحية جلادا، بامتياز، ويتوالى تركيب الصورة الفانتازية شيئا فشيئا ليصبح إله الحروب والجريمة وحفلات الاعدام والانفال عادلا، ويتحول القاضي، في تلك الصورة، الى حاكم جائر، بل يصبح معسكر الجريمة المروعة من المتهمين والمدافعين عنهم قانونيا، ونصبح جميعنا، من الضحايا والمتفرجين على ما يجري، خارجين على القانون، وقد اغوت هذه الصورة رئيس فريق الدفاع(عن الباطل) ليعلن بان القضية برمتها، بما فيها المحكمة سقطت، بعد ان بانت براءة المتهمين على يد الشهود الاربعة القادمين من مفرخة اجهزة القمع لنظام الدكتاتورية..هذه الاجهزة التي تتولى الان تصنيع المتفجرات والهاونات والكوارث الامنية التي تعصف في العراق بالصوت والصورة.
في تلك التفاصيل ثمة اشياء كثيرة، محيّرة وبلا وصف، لعل اهمها ما جاء في استهلال شهادة امرأة "عملت سابقا في جهاز المخابرات" بان "الرئيس القائد" عائد الى عرينه، وان الايام التي سترفعه مجددا الى عرش العراق قريبة جدا" و "اصبر سيدي، فالى اين سيهربون من يدك؟" حيث تلمست الملايين العراقية، بفضل المحكمة الجزائية العليا، رقابها، ونامت تلك الليلة طواعية في مقبرة جماعية، افتداء محاكمة "شفافة" لا تخوّض في السياسة، بل تخوّض في دمائنا.
ــــــــــــــــــــــــــ
..وكلام مفيد
ــــــــــــــــــــــــــ
"اقول له كيف الامر؟ فيقول : كما رأيت.. فاقول: فما رأيت إلا حيرة".
ابن عربي [/b][/size] [/font]